دحلان في غزّة

معن البياري

   

غابت حركة فتح عن تمثيل نفسها في اجتماعات سبع حركات وفصائل وتشكيلات فلسطينية في العلمين (مصر) أخيراً، فيما تمثّل ما يسمّي نفسه التيار الإصلاحي في الحركة، ويقوده المفصول منها منذ 2011، محمد دحلان. وتعلّقت تلك الاجتماعات بقطاع غزّة، المفترض أن وقفاً لإطلاق النار يجري فيه بموجب ما أُعلِنَ في شرم الشيخ، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لكن أزيد من 950 فلسطينيّاً قضوا شهداء في جرائم إسرائيلية مشهودة، منذ الاحتفالية الكبرى في المدينة المصرية الشاطئية، بحضور الرئيس ترامب، كما أن انسحاباً إسرائيليّاً من 60% من القطاع مقرّراً لم يحدُث شيءٌ منه، بل يعلن نتنياهو أن مساحته ستزيد. وفيما تداول وسطاء مصريون وقطريون وأتراك مع المجتمعين، وتسلّموا ورقةً من حركة حماس، تتضمّن ردودها بشأن ما يلحّ عليه المبعوث الخاص لمجلس السلام، نيكولاي ميلادينوف، في خصوص تسليمها سلاحها، ليس من جهودٍ عمليةٍ باتجاه إنقاذ الغزّيين من الحصار، وحمايتهم من استباحات إسرائيلية يومية تستهين بأرواحهم. ومع كل الاحترام لنيّاتٍ طيبةٍ تآلف عليها المشاركون في المداولات الفلسطينية، ومع كل أسباب الوجاهة في تشديد “حماس” (وغيرها) على وجوب إنزال بنود المرحلة الأولى من اتفاق شرم الشيخ، قبل الانتقال إلى استحقاقاتٍ أخرى، تجوز مشابهة اجتماعات العلميْن بورشات الباحثين المتخصّصين وندواتهم المغلقة، عندما ينصرفون إلى التشخيص والتوصيف، ثم إلى خلاصاتٍ و”ينبغيّاتٍ”، وإلى لزوم ما يلزم.
بالنظر إلى شراسة دولة الاحتلال في فرض الوقائع التي تريد في قطاع غزّة، وهي التي لم تأذن للجنة الوطنية إياها، برئاسة علي شعث، بالدخول، فإن الاكتراث الزائد بما طرحه المجتمعون في العلمين يظلّ في مشاغل الصحافة وفضولها، سيما أن غزّة ليست في جدول الاهتمام الأميركي، وليست في دائرة الانتباه العربي الرسمي، ومتروكةٌ لغرف عمليات الجيش الإسرائيلي. وعلى هذا، يصير الالتفات إلى الهوامش والنوافل في حدث اجتماعات العلمين نفسها مسوّغاً. ومن هذه وتلك إن لمحمّد دحلان موقعه على طاولة التداول في شأن غزّة، ليس فقط لأن أعضاء في تلك اللجنة محسوبون عليه، بل أيضاً لأن تصوّراتٍ يطرحها ممثلوه في اجتماعات العلمين، ويسبقها ما ذكرته الإذاعة الإسرائيلية الرسمية، في 6 يونيو/ حزيران الحالي، عن اجتماع بينه وبين رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، دافيد زيني، في أبوظبي. ولا يبدو أنها خاطئةٌ كلها الأخبار التي تتوالى منذ شهور عن دورٍ كبيرٍ يرشّح له “التيار الإصلاحي” في القطاع في المرحلة المقبلة، من دون أن تمانع “حماس”، وبالتنسيق اللازم مع إسرائيل ومصر والولايات المتحدة.
يسوق حضور ممثلين عن دحلان وغياب أي ممثلين عن “فتح” في اجتماعاتٍ فلسطينية، لها أهميتها أياً كان سياقها، إلى نبش الملف كله، أي الانسحاب المكشوف للحركة الكبرى من أدوارها الطليعية المفترضة، وتقديم تنازع قياداتٍ فيها مع “حماس” على أي أولويات وأي ضرورات وطنية ومجتمعية وسياسية. وهذا هو المدخل الأنسب في مقاربة المسألة، وفي تعيين أوجه العطب الثقيلة في المشهد الوطني الفلسطيني العام. وفي البال أن الحركة التي تستقيل مما يفرضه الحاضر عليها، ويحترف ناسُها التغني بماضيها، لم تعقد مؤتمرها الثامن الشهر الماضي إلا لتأكيد أبديّة زعامة محمود عبّاس عليها، وتنخيب نجله إلى عضوية اللجنة القيادية فيها. ولم يُلتقط في الثناء عن قطاع غزّة سوى الكلام العمومي الذي ينفع لصحف السلطة الوطنية ونشراتها الأخبارية. وهذا من بالغ العادي، إذ ظلّت قيادة منظمة التحرير، وهي رئاسة السلطة الفلسطينية أيضاً، بلا أي فاعليةٍ في غضون حرب الإبادة، وبدت غير ذي صلةٍ بالحالة الوطنية في العموم، بل استغربنا وجود محمود عبّاس في احتفالية شرم الشيخ إياها، فالرجل لم يصنع شيئاً في خصوص غزّة، مع كل التقدير لأجهزة وفاعليات وشخصيات في السلطة كانت لها أدوارٌ مقدّرة.
جاؤوا في مؤتمر “فتح” على موضوعة عودة من يريد أن يعود ممن ذهبوا إلى “التيار الإصلاحي” بشروطٍ لم يُستجب لها، ما بدا تنزيلاً لتعهّد الرئيس عباس أمام القمّة العربية في القاهرة في مارس/ آذار العام الماضي، بعفوٍ عن غير المدانين قضائيّاً. ولكن القصّة ليست هنا أبداً، وأبعد من هذا، إنها في غياب “فتح” نفسها حركة فاعلة وطنياً وقيادياً، في وجود محمد دحلان الموصى به من محاور إقليمية معلومة، وبدفعٍ إسرائيليٍّ لا يخفى، في شؤون غزّة … وفي غيرها ربما أيضاً.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى