عالم الشبكات

فاطمة العيساوي

قالت العشيقة السابقة للأمير (السابق) أندرو إنها لا تخجل من ذكر اسمها في ملفّات مغتصب القُصَّر جيفري إبستين، بل على العكس، فإن عدم ورود الاسم في الملفّات ذائعة الصيت قد يكون دليلاً على أن الشخص غير المذكور في شبكة الاستغلال الجنسي “خاسر” (loser). قالت الليدي فكتوريا هيرفي: “بكل صراحة، عدم ورود الاسم في الشبكة قد يكون بمثابة شتيمة، لأن ذلك قد يعني أنك خاسر”، نظراً لسعة علاقات إبستين بالأقوياء في العالم، على حدّ وصفها.
في غمرة الانشغال بمتابعة ما بات يُعرف بملفات إبستين، فاتنا أن ننتبه إلى أن ما تقوله هيرفي، في وقاحته، توصيف واقعي لسطوة الشبكات التي تشكّل حدود الفرص المتاحة لكلّ منا في العالم الواقعي والافتراضي. عالم الشبكات ليس وليد ملفّات إبستين، بل سابق لها بكثير. إنه ملح حياتنا؛ كيف تحصل على عمل من دون دعم الشبكة؟ كيف تحصد اعترافاً بنجاحك من دون الانتماء إلى شبكة؟ كيف تتقبّل الفشل وتتجاوز تبعاته من دون شبكة؟ هل يمكن أن تكون مرئياً من دون شبكة؟
ورد في تقرير أن إبستين كان يطمح إلى عمليات تحكّم جيني تضمن إنجاب أطفال بجينات متفوّقة، على النسق النازي
شبكة إبستين قد تكون أمّ الشبكات أو شبكة الشبكات: شبكة معولمة من النافذين في المال والسياسة والأعمال والفنّ والثقافة والأكاديميا يتبادلون المصالح والغنائم والمتع، مقابل شبكة من الضحايا من الفتيات القُصَّر يُتبادلن باعتبارهن “بضاعة” أو مجرّد أسهم تُتَداول في سوق متعة منحرفة.
الصحافية الاستقصائية البريطانية كارول كادوالادر تحدَّثت عن “دولة الشبكات” التي يحلم بها مجموعة من المتموّلين والمستثمرين في مجال التكنولوجيا بشكل خاص. لا يؤمن هؤلاء بدور الدولة أو بالبنى المؤسّساتية التي تفترض آليات عمل بيروقراطية وتنظيماً يتجاوز سلطة الأفراد. المثال هو شركة «بالانتير» وأحد مؤسّسيها، المستثمر الملياردير في مجال التكنولوجيا بيتر ثيل، الذي دعم حملة ترامب الانتخابية وورد اسمه أكثر من ألفي مرّة في رسائل البريد الإلكتروني التي نشرتها وزارة العدل الأميركية ضمن مراسلات إبستين.
وشركة “بالانتير”، التي تبلغ قيمتها 300 مليار دولار، تُزوّد الجيش الإسرائيلي بالتكنولوجيا العسكرية، وتُقدّم أنظمة استهداف الترحيل المدعومة بالذكاء الاصطناعي لوحدات إدارة الهجرة والجمارك في إدارة ترامب. وقد أثارت ارتباطات الرجل بشخصيات نافذة في الحكومة البريطانية، بشكل خاص السفير السابق لدى الولايات المتحدة بيتر ماندلسون، موجةً واسعةً من الاعتراض ومساءلة برلمانية للحكومة برئاسة كير ستارمر.
بحسب الإعلام البريطاني، كانت شركة بالانتير قد مُنحت عقداً بقيمة 330 مليون جنيه إسترليني من هيئة الخدمات الصحّية الوطنية البريطانية، ووصل حجم عقودها مع الحكومة البريطانية إلى ما يزيد على 670 مليون جنيه إسترليني. وكان ستارمر قد زار المقرّ الرئيس للشركة في الولايات المتحدة مطلع عام 2025، ضمن زيارة رسمية للبيت الأبيض، ما جعله شخصياً في موضع مساءلة. تشكّل المعلومات (البيانات) الهدف الأول للمجموعة قبل الاستثمارات التي تشكّل منصّاتُ الإعلام الاجتماعي مصدراً ثميناً لها لأغراض المراقبة والتكنولوجيا العسكرية وعمليات القتل والاستهداف، بما في ذلك الإبادة في غزّة.
“دولة الشبكات” لا حدود لها، وهي فوق المحاسبة. تجمع النفوذ بأشكاله كلّها، و”المكافأة” للنجاح أو “حلوى” الاحتفال به هي أجساد الفتيات اليانعات اللائي يُعامَلن باعتبارهن مجرّد مادّة للاستهلاك. قد يكون الاهتمام الإعلامي الواسع بالملفّات وتفاصيلها نوعاً من المساءلة لهذه الدولة، ولو أن “نجوم” الشبكة لم يلاحقوا قضائياً حتى الآن، ولا يزال كمٌّ كبيرٌ من المعلومات عن هُويّة مرتكبي جرائم الاستغلال الجنسي غير معروف، إذ ينعم هؤلاء بالحماية بفعل حجب أسمائهم في الوثائق التي يزيد حجمها على ثلاثة ملايين ونصف مليون وثيقة.
لا حدود لطموح الشبكة أيضاً. على سبيل المثال، أظهر تحقيق نشره موقعُ ذا نيرف نيوز البريطاني أن إبستين كان يطمح إلى عمليات تحكّم جيني تضمن إنجاب أطفال بجينات متفوّقة، على النسق النازي. يذكر التحقيق أن إحدى الفتيات الضحايا، وهي تبلغ من العمر 16 عاماً وقد نشرت مذكّراتها في الدفعة الأخيرة من الوثائق، تقول إنها استُخدمت “حاضنة” لأبناء إبستين ضمن برنامج لزرع الحمض النووي. ويدعم التحقيق ادعاء الفتاة أن سارة فيرغسون، الزوجة السابقة للأمير (السابق) أندرو، كانت في رسالة إلكترونية نُشرت في الوثائق قد هنّأت إبستين على مولود (ذكر) له، ما يثير التساؤلات عن إمكان وجود برنامج إنجاب استُخدمت فيه أجساد الفتيات حاضنات للأطفال.
لا يملك إبستين أيّ تميز علمي أو ثقافي، لكنّه يملك ثروة فريدة: القدرة على بناء شبكات
سطوة الشبكات سابقة لشبكة إبستين، وليست بالضرورة حاملةً لمشاريع استغلال جنسي أو غيرها من مشاريع الاستغلال. لكن سلطة هذه الشبكات في كل نواحي حياتنا تقوم بالأساس على إلغاء الكفاءة والمنافسة الشريفة في الحصول على فرص العمل والترقّي والثروة وغيرها. هي ثقافة تبنيناها جميعاً في السعي للانتماء إلى شبكات مؤثّرة، والتواصل الشبكي باعتباره السبيل للنجاح والاعتراف.
رافق الاهتمام الإعلامي بشبكة إبستين تذكير تاريخي بالشبكات التي أدّت أدواراً مماثلةً في الاستغلال الجنسي وغيره، وحاولت بعض هذه التحليلات أن تخفّف حجم استغلال أجساد الفتيات القُصَّر عبر التركيز على المطامع الأخرى التي اعتُبرت أكثر أهميةً في تعريف الشبكة، أي المال والنفوذ السياسي والسيطرة المعلوماتية، إلا أن أيّاً من هذه لم تكن لتتحقّق من دون “المكافأة” التي كان اللاعبون يترقّبونها، أي اللهو ومسرحه أجساد الفتيات القُصَّر.
يمثّل جيفري إبستين روح العصر في مفهوم بناء الشبكات. لا يملك الرجل شبه الأمي أيّ تميز علمي أو ثقافي، لكنّه يملك ثروة فريدة: القدرة على بناء شبكات يريد منها الرجال المنضوون فيها اللهو قبل أيّ شيء آخر. إنها المثال الأكثر تعبيراً عن عالم العنف والتفاهة الذي نسبح فيه.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى