قراءة في رواية: قوافل الريح

عبد المجيد عرفة

محمد تركي الدعفيس روائي سوري متميز، قرأت له أغلب إنتاجه الروائي: هي والراهب، الرصاصة تقتل مرتين، مدينة يسكنها الجنون، البلم، وهذه قوافل الريح التي اكتب عنها.
قوافل الريح رواية محمد الدعفيس التي نشرها عام ٢٠١٧م. تعتمد في سردها ضمير المتكلم، على لسان الشخصية المحورية فيها الضابط السابق في الجيش السوري ايهم.
تبدأ الرواية من واقعة تجمع عدد كبير من العائلات، النساء والأطفال والرجال ليركبوا في شاحنة نقل مواشي هاربين من النظام السوري الذي توحش في مواجهة الشعب في المدن والبلدات التي ثارت عليه. فما كان منهم إلا أن حملوا اطفالهم وعائلاتهم هاربين لينجوا بأرواحهم، ان كان ذلك ممكنا.
سائق الشاحنة قسمها إلى طابقين علوي يجلس به الذكور وسفلي يجلس به النساء والأطفال. أسعار النقل محدّدة وفاحشة. والمقصد هو الحدود السورية الأردنية. والمتواجدين في العربة عائلات وأفراد متنوعين من السوريين الهاربين من ويلات قتل يلاحقهم كل الوقت.
ايهم الضابط في الجيش السوري الذي لم يجد امامه الا ان يهرب من الجيش ومن بلدته التي قرر الجيش أن يجتاحها اخيرا.
ايهم ضابط متطوع في الجيش السوري عندما حصلت الثورة السورية كان حياديا تجاهها. رغم إدراكه الضمني بأن للناس حقوق تحركوا ليحصلوا عليها. ولأنه ككل الضباط من غير طائفة النظام اعتبروا في موقع الشبهة والاتهام ، وهذا لم تقوله الرواية، لكننا نفهم ذلك مما بين السطور، فقد وضع تحت المراقبة والزم بالمناوبات الدائمة، ومنع من الحصول على الإجازات ليزور أهله ويطمئن عليه. ومع تحمله لذلك، فقد رفع الضابط المسؤول عنه تقريرا انه شتم الرئيس والدولة. فتم اعتقاله وسوقه إلى التحقيق. حصل معه تحقيق مصحوب بالتعذيب والتهديد والوعيد. وهو ينكر كل الوقت كل ما اتهم به. وانه طالب بحقه بالاجازة اسوة بغيره. وعندما لم يعترف بأي تهمة نسبت إليه، تم تحويله الى السجن ومن ثم الى المحاكمة العسكرية. وتم إطلاق سراحه بعد أشهر من الاعتقال والسجن. ولم يقبل الضابط المسؤول عنه إعادته لوحدته العسكرية. واستمر بإعطائه إجازات عسكرية متوالية. وكأنه يوحي له بأن ينشق وذلك أفضل له. ولم يكن أمامه غير ذلك خاصة بعدما أصبح اجتياح بلدته الثائرة أمرا واقعا.
ايهم داخل الشاحنة المغادرة الى الحدود الاردنية يعود بذاكرته إلى كل ما عاشه سابقا. كانت الرحلة مأساوية عليه وعلى كل الركاب. لقد هاجمت الشاحنة قوات النظام قصفتها . وسقط منهم ضحايا، تبعثروا جثثا ومن نجا هرب، وعندما التقطوا أنفاسهم تبين أن كثيرين منهم ماتوا جراء القصف. وان النظام أراد أن يستخدم هذه العملية بأن هناك جماعات مسلحة ارهابية تقصف الناس الآمنين. رغم حصول اتفاق بين الجيش وبين السائق على السماح للناس بالهروب وأن يتقاسموا مع السائق المال الذي يأخذه أجرا من الهاربين من الموت.
عاد الهاربون ممن بقي حيّا منهم للتجمع والبحث عن الشاحنة والبحث عن خلاص من صحراء ممتدة . وبعد وقت وصلوا إلى موقع استطاعوا التواصل مع السائق الذي حضر إليهم واوصلهم الى الحدود الأردنية السورية. حيث استطاعوا عبورها يستقبلهم الجيش الأردني ويفرزهم. الضباط إلى مخيم الراجحي الخاص بهم. والآخرين الى مخيم الزعتري.
وتبدأ حياة جديدة للكل ايهم وآخرين من الضباط تنقلب حياتهم سيئة بعدما تم فصلهم عن عائلاتهم. وكذلك ما حصل من مقتل البعض أثناء الانتقال إلى الأردن كما ذكرنا سابقا. كل ذلك جعل حياة الجميع في المخيم قاسيا.
حاول اللاجئين في مخيم الزعتري التكيف مع الحياة. البعض حاول أن يعمل خارجه حتى يحسّن شروط حياته. وبعض العائلات زوجت بناتها زيجات متسرعة لحمايتهنّ وكانت النتيجة اسوأ عادت الفتيات مطلقات وبحالة مزرية.
تم بعد اشهر إغلاق مخيم الراجحي للضباط. وأعيد ايهم وزملائه الضباط الى مخيم الزعتري. وكانت حياتهم مأساوية هناك ككل اللاجئين. بدأ الكثير منهم يفقد توازنه. البعض دخل في طور الجنون والبعض تكيّف مع حياة المخيم. أما ايهم فقد قرر ان يعود الى سورية. لأنه وجد أن حياته هناك بلا معنى. يريد العودة وهو يعلم بأن مصيره قد يكون الاعتقال أو الموت.
كان “القذف” التعبير الدارج عند المسؤولين الأردنيين لمن يريدون طرده الى سورية لأي سبب يرونه.
قرر ايهم أن يقذف نفسه دون اجبار الى سورية.
تجاوز الساتر الترابي تلقى رصاصة من الجيش في الجانب السوري واستمر بالتقدم وتلقى اخرى وغيرها حتى سقط مقتولا على تراب الوطن الذي رفض أن يغادره؟!.
هنا تنتهي الرواية.
في التعقيب عليها اقول:
نجحت الرواية في رصد وتوثيق حالة مجتمعية حصلت مع السوريين في سنوات الثورة السورية . حيث اضطر الناس الى الهروب للنجاة بارواحهم من بطش النظام ووحشيته. كما سلطت الضوء على حال الضباط السوريين المنشقين الذين عاشوا ظلم النظام وتنكيله. وكيف خرج من نجى منهم من البلاد إلى دول الجوار. بعضهم شارك بالثورة .
نهاية الرواية فيها الكثير من الرومانسية عن إصرار ايهم للعودة للوطن حتى لو قتل ؟!.
من المفترض بالوطن أن يحتضن ويحمي وليس أن يقتل الشعب كما فعل النظام البائد.
الحمد لله ان آلام السوريين وتضحياتهم لم تذهب سدى وانتصرنا اخيرا وسقط النظام القاتل وبدأ الشعب السوري إعادة بناء الحياة الافضل في أجواء الحرية ومحافظا على الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة. وأن يمارس الديمقراطية وينعم بالحياة في ظل المواطنة والمساواة .

٥ . ٢ . ٢٠٢٦م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى