
تتسارع الخطوات التنفيذية لإطلاق عمل “مجلس السلام” العالمي الذي أعلنه ترامب برئاسته، وطرح منذ أيام برنامجه وصلاحياته ونظامه الداخلي وحدّد المهام، تمهيداً لدعوة القادة إلى اجتماع سريع والبدء بجمع التبرّعات لإطلاق مشروع إعادة الإعمار وتأكيد دور “ممثلي” غزّة من غير الفلسطينيين في هيكلية المجلس. نيكولاي ميلادينوف ليس “غزّياً” ويتمتّع بدور كبير!! يتم التعاطي العملاني مع الأمر وكأنّ غزّة أرضٌ سائبة، لا ملكيةَ محدّدةً لها. سيتم تنفيذ أكبر مشروع عقاري استثماري فيها، وعمليات البيع والشراء تتم بإشراف الرئيس الأقوى في العالم! هذا هو العالم اليوم: ترامب يخطّط، يقرّر، يحدّد الهيئات والسلطات والصلاحيات، ينفّذ، يشرف على كل شيء، وسيدفع العرب الفاتورة الأكبر، ولا حول ولا قوة لهم.
الهاجس الإسرائيلي الأساس هو حلم إسرائيل الكبرى، والسيطرة والنفوذ، وتهجير الفلسطينيين
إسرائيل في الأساس لم تكن تريد هذه العملية كلّها. كانت (ولا تزال) تريد استكمال الحرب بتهجير الفلسطينيين، والتصرّف بالأرض كما تصرّفت مع غيرها بتوسيع الاحتلال وبناء المستوطنات والاستفادة من الثروات والخيرات والانطلاق عبر سيناء والأردن وغيرهما من المناطق العربية، إضافة إلى ما تفعله وتريده في لبنان وسورية. حلم إسرائيل الكبرى، السيطرة والنفوذ، هو الهاجس الأساس. ترامب لم يقبل ذلك من “بيبي”، والأخير بحاجة إليه في كثير من الأمور، لكن قدرته على التخريب في حدود معينة قائمة، فتستمر قواته بتنفيذ عمليات القتل الجماعي والإعدام كما حصل منذ أيّام باستهداف حركة حماس وتدمير مواقع ومساكن وترهيب النازحين في العراء في ظلّ موجات العواصف والصقيع والأوضاع المأساوية الخطيرة التي يعيشونها. فتحت معبر رفح تحت الضغط ولم تفتحه، بمعنى أنها تمسك بمفاصل القرار كاملة. القصف على رفح يتكرّر، وهي تريد خروج أكبر عدد من الناس وتدقيقاً متشدّداً بالراغبين في العودة. تمارس سياسة الابتزاز واليد المطلقة على هذا الصعيد. لا تستطيع أن تقبل أنها خارج دائرة القرار والتنفيذ، في وقت يكرّر ترامب أمام كل الإسرائيليين: “التزامنا بتفوّقكم ثابت، وقدّمنا ونقدّم لكم كل شيء. لكن مشروعنا سينفّذ، وهو في مصلحتكم”.
عندما أبدى نتنياهو انزعاجه وراح يعرض بطولاته في الإعلام ويدعو إلى الاستقلالية في التسلّح ويشيد بما أنجزه من نتائج وانتصارات، مشيراً إلى “القبّة الحديدية” التي منعت سقوط الصواريخ المتطوّرة على إسرائيل، خاطبه ترامب بالقول: “بيبي، كفّ عن الحديث عن القبّة الحديدية. هذه قبّتنا، هذه تقنيتنا”. يعني الفعل لنا، نحن حميناكم. يقول ذلك من دون أن يتجاوز شرط تسليم “حماس” سلاحها، وهو يأمل بتجاوبها، وإلا ستكون القوة. واكبته وزيرة الاستيطان الإسرائيلية بالتأكيد: “تسليم السلاح وإلا الجيش يجيد معرفة التعاطي مع مثل هذه الحالة، وهذه المرّة لا يوجد مخطوفون”. يعني: “حرّرنا” المخطوفين، يدنا مطلقة، لا رادع أمامنا، لا التزامات. مستعدّون لفعل كل شيء.
وإذا كان طبيعياً دخول إسرائيل في خطّ احتمالات الحرب الأميركية الإيرانية، والاجتماعات التفاوضية التي بدأت في عُمان، وهي بالتأكيد لا ترغب بها، بل تعتبر ضرب إيران ومشروعها النووي وصواريخها الباليستية الحلّ الوحيد للتخلّص من هذه الحالة، فإنها تتعقّب مواقف الدول العربية: مصر والسعودية وقطر وعُمان والدولة التركية التي انخرطت في عملية ضغط لمنع وقوع الحرب وتغليب خيار الاتفاق، لأن الحرب ستشعل المنطقة كلّها، وستكون نتائجها كارثيةً على الجميع. في هذا السياق شنّت الدوائر الإسرائيلية حملة عنيفة ضدّ تركيا التي أعلنت منذ أيام أنها كشفت مخطّطاً لعملية تفجير مماثلة لما جرى في لبنان مع حزب الله باستهداف عناصر بعملية البيجر، بعد كشف عملاءٍ للموساد كانوا يحضّرونها وتستهدف مواقع معيّنة. كذلك انتقدت دوائر إسرائيلية سياسية وعسكرية وأمنية وإعلامية مواقف مصر وعُمان، وقطر التي استُهدفت في الحرب الماضية، وأجبر ترامب نتنياهو على الاعتذار منها. لكنّ النية الإسرائيلية ثابتة لا تتغيّر باستهداف مَن لا يتجاوب مع سياساتها وأهدافها. وثمّة مَن يركّز على استهداف السعودية ومواقفها. وقد وصل الأمر بعدد من المسؤولين الإسرائيليين إلى حدّ القول مباشرة، ومن خلال عدد من العاملين في مراكز دراسات وأبحاث مهمّة في واشنطن: “إن بعض العرب الذين كانوا يطالبون بضرب إيران والتخلّص من مشروعها النووي والباليستي وكسر هيمنتها على ساحات عربية مختلفة، وتهديدها الدائم لأمن الخليج وتمدّد أذرعها الإرهابية، وهذا أمر دافع لتوقيع اتفاقات أبراهام والوعد بتوسيع دائرة الموقّعين، ينقلب بعض هؤلاء على مواقفه والتزاماته، وكأنّ ما قمنا به هو من أجل حساباته، أو أننا نعمل عنده وهو يحمينا، في وقت أننا حميناهم من حزب الله في لبنان وسورية وحماس ومن نظام الأسد، وواجهنا الحوثيين وضربنا إيران، وعليهم أن يعلموا أنهم ليسوا في موقع تجيير انتصاراتنا وتضحياتنا لمصلحتهم والرهان على تباينات بيننا وبين الإدارة الأميركية”.
النيّة الإسرائيلية ثابتة لا تتغيّر، تستهدف مَن لا يتجاوب مع سياساتها وأهدافها
في هذا السياق، يأتي إصرار نتنياهو على زيارة واشنطن ولقاء الرئيس ترامب، حاملاً (كالعادة) ملفّات متكاملة عن الملفّات المثارة: من غزّة إلى جنوبي لبنان وجنوبي وشمالي سورية ودور تركيا، وصولاً إلى إيران وخطورة الاتفاق معها من دون التخلّص من مشروعها النووي والباليستي. نقطة القوة الإسرائيلية الأبرز: الانهيار العربي. مشهد الأيام الأخيرة في السودان أفضل خدمة لها، لا سيّما استهداف المساعدات الغذائية الذي يغطي أفعالها في غزّة.
لا يروق “مجلس السلام” لتنفيذ خطّة غزّة لنتنياهو ولا لغيره. لكن إسرائيل تجيد لعبة الوقت، لا تتوقّف حركتها وأدواتها وآلاتها عن تنفيذ خططها وابتكار أساليب جديدة: حضور في كل مكان، متابعة التفاصيل والمواقف واستنفار الطاقات كلها لمواجهتها، ولا أحد يردعها. تكفي مراقبة الحركة من غزّة إلى القدس والضفة في الداخل، وسورية ولبنان، والرصد والتعقّب للحركة العربية التركية فيما يخصّ المواجهة مع إيران، واختراقات “الموساد” بشكل مذهل، وأساليب مختلفة، وسياسات الترهيب والترغيب، وتوفير عناصر القوة كلّها لتحقيق أهدافها، لتأكيد قدرتها على استيعاب ضغوط وفرض أمر واقع في أكثر من مكان، ولا تقيم اعتباراً لـ”المولولين” و”المهرولين”.
المصدر: العربي الجديد






