
يعلم كثير من السوريات والسوريين أن هناك محسوبيةً ومناكفاتٍ وصراعاتٍ تجري بين المثقفات والمثقفين، وبينهم وبين القائمين على الشأن الثقافي في سوريا.
ويجدر هنا التنويه إلى أن الثقافة، بالمعنى الواسع للكلمة، تشمل وزارة الثقافة، والإعلام، والأوقاف، والتربية، والشؤون الاجتماعية، والتعليم، وغيرها، وأن هذه المؤسسات، والعاملين والعاملات فيها، يحملون على عاتقهم مسؤولياتٍ جليلةً وعظيمةً لا تستطيع مؤسساتٌ غيرُها حملها؛ إذ ليس بمقدور مؤسسات الدفاع، على سبيل المثال، أو الداخلية، أو المالية، أو الصحة، أو الخارجية، أو الصناعة والتجارة، وغيرها، أن تبني دولةً بمفردها، بل هي أحوج ما تكون إلى من يشدّ عضدها، ويروي ظمأها الروحي والفكري من نبع ما يتدفق عن هذه المؤسسات، التي يُفترض أن تسعى إلى تعزيز مكانة الإنسان وكرامته، وصون حقوقه ووجوده، وتأسيس وعيٍ يسير بالمجتمع في دروب الأهداف الأسمى التي اتفق عليها العقل السوري وهو يؤسّس لبناء دولة.
ويمكن أن ندرج في صلب المؤسسة الثقافية، بمعناها الواسع، الأسرة، والمدرسة، والندوة، والمعهد، والمسرح، والمسجد، والكنيسة، والصحيفة، والتلفاز، والكتاب، والمكتبة، والسينما، بوصفها مؤسساتٍ تشدّ عصب مرافق الحياة، وتجمعها في خطٍّ انسيابيٍّ واحد يوصل إلى المبتغى.
من هنا تنبع ضرورة أن يتساءل المشتغلون في هذه الحقول: ما شكل ومضمون الوعي الثقافي الذي يريدونه؟ وما مضمون وشكل الكتاب، والمسلسل، والموسيقى، والشعر، والمدرسة، والمسرح، والخطاب الذي يسعون إليه؟ وكيف يخرجون من ركام الثقافة الأسدية، التي ما يزال كثيرون منهم يغوصون في مستنقعها ويغرفون منها أحيانًا، أو يفترقون عنها من دون أن يضيفوا جديدًا سوى شكل الافتراق والتمايز عنها؟
وطالما أن لكل شأنٍ في الحياة خصوصيته، وظرفه، ومعطياته، وشروطه، فإن لسوريا أيضًا خصوصيتها، وهي التي عاشت على مدار أربعة عشر عامًا وسط الحروب والخراب والدمار والويلات والصراعات. وممّا لا شك فيه أن ذلك ترك فيها وفي وجدان مواطنيها أثرًا عميقًا وموجعًا؛ لكن، مع ذلك، يمكن أن يستخلصوا منه درسًا ملهمًا للمستقبل إذا ما أمعنوا التفكير فيه، وفي ما جرى لهم، وسألوا أنفسهم: ما الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ ولماذا تسنّى لكل تلك الأحداث المريعة أن تلتهم حياتنا؟ وكيف تسنّى للعصابات الأسدية أن تحكمنا طوال تلك السنين؟ هذا السؤال الجارح والمرير لا بدّ من طرحه لمراجعة كل ما مرّ بهم، وإدراك ما كان قد تاه عنهم، عسى أن يُحسنوا الانطلاق نحو المستقبل. وربما أتاح لهم ذلك فرصةً لإضافة شيء جديد لأنفسهم وللعالم، الذي يسير نحو التقدم تارة، ونحو الحضيض تارةً أخرى، لشدة ما استغرق في القيم المادية التي أدت إلى تسليع الإنسان ووضعه في خانة الفردانية، حتى غزت الوحدة والعزلة حياته.
يمكن أن نستعير من تجربة ردع العدوان مثالًا لتوضيح ما نود قوله، وهو مثالٌ عرفه السوريون، إذ أسهمت هذه العملية أخيرًا في تحريرهم من الطغيان. فما يُلاحظ أن هذه العملية لم تنتصر على آلة القتل الأسدية بالجيش والعسكرة والعتاد الحربي، بل انتصرت عليها، قبل كل شيء، بما تسلّحت به من وعي وثقافة.
ولو أدرك المشتغلون في شؤون الفكر والثقافة قيمةَ ومعنى هذا العمل الذي يقومون به، وأدركه وقدّره غيرهم، لربما أتوا بشيء جديد يبرهن لأنفسهم وللعالم أنهم معنيون بسلامة مجتمعهم وبناء دولتهم، ولما روّجوا لثقافة الصراعات والمناكفات.
وهم أكثر من يعلمون أن ما أنتجوه خلال ستين عامًا من حكم البعث لم يكن سوى ثقافة الموت والخوف والقمع والخنوع والتكاسل، وتفشي الرشوة، والنفاق، والغدر، والوشاية، والواسطة، والتسلّط، والنرجسية. هذه هي الثقافة التي كانت سائدة، وهي بالتأكيد لا تصلح لسوريا اليوم على الإطلاق، وستقضي عليها إن بقي لها متنفسٌ تتنفس منه. ومن الواضح أن كثيرين ما زالوا يحاولون الترويج لها لتوسيع دوائر الدمار والخراب، أو لغاياتٍ في أنفسهم، أو لأنها طباعٌ في خصالهم، في حين أن معظم السوريين سئموا هذه البضاعة واكتووا بنارها، ولا يريدون بيعها لأحد ولا شراءها، لإدراكهم أنها هي التي هدمت مدنهم.
ذلك تمامًا: بناء دولة تحرّرهم من هذه الثقافة التي دمّرت بيوتهم واقتصادهم وغذاءهم وأمنهم. وما يريدونه هو نقيض ما عاشوه لعقود طويلة.
وبالتالي تقتضي الضرورة هنا الإشارة أيضًا إلى أنه ليس كل ما يستورده السوريون من نظرياتٍ من الشرق أو الغرب يمكن تطبيقه على سوريا، أو يؤدي بالضرورة إلى نجاحها، أو إلى مداواة جراح أهلها، أو تحقيق العدالة. كما أن ليس كل ما يستلهمونه من ماضيهم وتاريخهم صالحًا لتطبيقه على حاضرهم. بل الأجدى أن يفكروا في الماضي والحاضر معًا، وينتقوا منهما ما يعزّز ثقافتهم الخصوصية بعد هذه المحنة الرهيبة؛ ثقافةً تكون مؤهلة لإعلان مشروعها الإنساني، وقدرتها على المساهمة والمشاركة والتأثير في ما يُنتج من ثقافات ومنظومات فكرية في هذا العالم.
ويمكن أن نستعير من تجربة ردع العدوان مثالًا لتوضيح ما نود قوله، وهو مثالٌ عرفه السوريون، إذ أسهمت هذه العملية أخيرًا في تحريرهم من الطغيان. فما يُلاحظ أن هذه العملية لم تنتصر على آلة القتل الأسدية بالجيش والعسكرة والعتاد الحربي، بل انتصرت عليها، قبل كل شيء، بما تسلّحت به من وعي وثقافة. وقد ظهر ذلك جليًا في كيفية دخول الجيوش إلى المدن والقرى من دون إرهاب أو قتل أو تخويف، بل بالسلام والأمان، في وقت كان كثيرون يتوقعون حدوث مذابح ومجازر تعم الأرجاء السورية، غير أن شيئًا من هذا لم يحدث.
أفلا يمكن أن نتخذ من هذا الدرس منطلقًا في رحلتنا الثقافية الراهنة لنثبت للعالم عكس ما تحاول بعض الجهات والأطراف الترويج له من أن السلطة الجديدة تميل إلى الهمجية والقسوة والتلهّف إلى الدم، قاصدين بذلك بثّ التخويف واليأس والهشاشة في نفوس السوريين، بحجة أنهم متخلفون عن أبناء المجتمع الغربي المتحضر الذي يطرحونه دائمًا نموذجًا للمقارنة؟ ولكن يفوت هؤلاء إدراك أن المجتمع الغربي نفسه يعيش اليوم مأزقًا كبيرًا؛ فرغم ما فيه من قيم ثقافية تُرفع لها القبعة، يقابلها هناك ما يندى له الجبين. فإلى جانب القيم الإنسانية المنصوص عليها في الدساتير والقوانين، تهيمن سطوة المادية على نظام الحياة، تُشيّئ الإنسان وتشقيه وتستهلكه كأيّة سلعة، وتنال من روحه، وتلقي به في غياهب الرعب والخوف مما أنتجته الحداثة من أسلحة فتاكة، وأمراض، وعزلة، ووحدة، وضياع، وتهوّر؛ ما خلّف شعورًا واسعًا بالخواء الروحي والفكري، كما هو الحال لدى معظم شعوب العالم اليوم، ونحن منهم بالطبع.
حتى إنه يمكن القول إن المنظومة الفكرية الغربية اليوم ليست راضيةً عمّا وصلت إليه الحداثة، أو على الأقل عن أجزاء واسعة منها. لذلك لا ينبغي أن يُغرينا ما أنجزه الغرب، ولا أن نسلّم بكل ما أنتجه أو ادعاه من قيم ومبادئ وحقوق لم تعد صالحة حتى لمن صاغها، ولا أن نستعيرها كلّها لنطبّقها على سوريا فنخنقها. بل يؤكد النظام الفكري العالمي المسمّى «ما بعد الحداثة» أن السوريين، كغيرهم من سكان هذه الأرض، قادرون على بناء حداثتهم الخاصة بهم، إذا ما اختاروا إحياء جوهر الإنسانية في حياتهم قبل كل شيء.
والثقافة ليست مخزونًا ثابتًا من النصوص أو العادات أو القيم، بل هي عملية تاريخية مستمرة لإنتاج المعنى، تتشكّل عبر اللغة، والخيال، والدين، والأسطورة، والسياسة، والسلطة، والمؤسسات. وهي ليست هوية مكتملة أو جوهرًا ثابتًا، لأن ذلك يحوّلها إلى أداة إقصاء بدل أن تكون مجالًا للفهم والانفتاح؛ بل هي، في جوهرها، أداة لتحرير العقل من الهيمنة الإيديولوجية، من أجل بناء إنسانٍ حرّ، ومجتمعٍ مفتوح، ووعيٍ أخلاقيٍّ جديد.
يمكن أن تغدو سوريا بوابةَ دخول الرحمة والشفقة والعدل والمحبة والأمان لكل السوريين، وبذلك ينجون، وتنجو سوريا، وربما ينجو معها هذا العالم الغارق في اللعنة… وكل ذلك يمكن أن يبدأ من بوابة وعي الثقافة.
ومن هنا فهي أبعد ما تكون عن الجلوس على كرسي، أو استلام مكتب، أو اعتلاء منصّة أو منبر لإصدار تعليمات وأوامر مزاجية تمليها المناكفات والصراعات الشخصية؛ بل هي فهم الشارع السوري بكل تناقضاته، ومداراة أوجاعه وجراحه، واستقراء ما تهفو إليه عقول الناس وأرواحهم، والبحث عن خلاصٍ ونجاةٍ من مستنقع الأسدية الذي لا يزال كثيرون منهم غارقين فيه.
وما هو مأمولٌ من السوريين المشتغلين في شؤون الفكر والثقافة، بعد كل ما مرّ بهم، أن ينتجوا وعيًا جديدًا ومختلفًا: تتحوّل فيه السلطة إلى مسؤولية، ويحلّ الإحساس بالواجب بدل التهافت على المنصب، والصدق بدل الكذب، والأمان بدل الخوف، والفروسية بدل الغدر والطعن من الظهر، والخبرة بدل الوساطة والرشوة. إنها فرصة للسوريين كي يبتكروا شيئًا فريدًا بهم، بتنوّعهم ومواهبهم وإمكاناتهم، ليغزلوا منها لوحات تخطف القلوب، ويثبتون للعالم غنى تجربتهم وغنى فكرهم، وكيف يستثمرون ذلك بما يُبهر الأبصار.
أجل، يمكن أن تغدو سوريا بوابةَ دخول الرحمة والشفقة والعدل والمحبة والأمان لكل السوريين، وبذلك ينجون، وتنجو سوريا، وربما ينجو معها هذا العالم الغارق في اللعنة… وكل ذلك يمكن أن يبدأ من بوابة وعي الثقافة.
المصدر: تلفزيون سوريا






