قراءة في رواية: الرصاصة تقتل مرتين

عبد المجيد عرفة

محمد تركي الدعفيس روائي سوري متميز، قرأت له أغلب إنتاجه الروائي : “هي والراهب”، و البلم، ومدينة يسكنها الجنون. وكتبت عنهم جميعا.
الرصاصة تقتل مرتين رواية محمد الدعفيس التي اكتب عنها تم نشرها عام ٢٠١٤م. أي أنها كتبت في سنوات الثورة السورية الاولى، التي بدأت في ربيع عام ٢٠١١م. تعتمد في السرد على ضمير المتكلم على لسان الشخصية المحورية في الرواية ، كما انها تعتمد طريقة الخطف خلفا حيث يسرد لنا “هو” حكايته كأحد القادة العسكريين المشاركين في الثورة بعدما آلت حياته على كرسي متحرك فاقدا لساقيه ، يعاود التفكير بما مرّ معه منذ سنوات عدّة.
يعود بطل الرواية إلى حياته منذ خمس سنوات حيث سجل في كلية الحقوق ، هو من بلدة في الريف السوري، كان يطمح ان يصبح قاضيا. وما ان مضت سنته الدراسية الثانية حتى تعرف على من ستصبح حبيبته تلك الطالبة التي سجلت في سنتها الدراسية الاولى بعده بعام.
هناك إدراك عام عنده لسوء الظروف المجتمعية والفساد والمحسوبية والمظلومية المجتمعية واستبداد السلطة الحاكمة، لكن هذا الإدراك جعل كل الناس يسكتون خوفا من بطش النظام بأي محاولة نقد ولو كان بسيطا.
بدأت أحوال سورية بالتغير عندما أحرق البوعزيزي التونسي نفسه أواخر عام ٢٠١٠م. ردا على مظلومية خاصة وعامة. والتي تداعت الى حراك شعبي أدى لإسقاط نظام بن علي التونسي وقتها. وسرعان ما انتقل الحراك الشعبي الى مصر وأسقط نظام مبارك ايضا. ولم تمض أشهر حتى انتقل الحراك إلى سورية، كان هو من قادة الشباب في حراك التظاهر الذي بدأ ينطلق من المساجد بصيحة “الله أكبر”. ومن ثم يتجمع الشباب في تظاهرة تجوب البلدة، وهكذا كان حال أغلب مدن وبلدات سورية كلها.
لم يكن هو على توافق مع حبيبته حول ثورة السوريين فقد كانت تصدق ادعاء النظام عن المجموعات الإرهابية والمؤامرة الخارجية. كانت الثورة نقطة خلاف بينهم. هو انخرط فيها متظاهرا ثم قائدا ميدانيا في إحدى المجموعات المسلحة. وهي زاد انتصارها للنظام مع مزيد من انعكاس فعل النظام السيء على الشعب، مدّعية أن سبب كل ذلك الثورة والثوار.
كان رد فعل النظام السوري في البداية مراقبا، وحاول أن يمنع التظاهر بأساليب الترهيب والترغيب. لكنه لم ينجح. فانتقل إلى استعمال القوة. وبدأ بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، وسقط منهم الشهداء، وتوسع بالعنف بعد ذلك الى درجة استعمال السلاح الثقيل واجتياح البلدات والمدن والتهجير والتدمير والقصف بالطيران والبراميل المتفجرة.
اندفع صاحبنا ومن حوله لشراء الأسلحة الفردية لحماية اهلهم وبلدهم. وبدأت تتشكل مجموعات مسلحة تقوم بعمليات عسكرية ضد النظام وجيشه. وبدأ ينشقّ الكثير من الجنود والضباط التحقوا بالمجموعات المسلحة الثائرة. تكاثرت المجموعات وأصبح لها داعميها من الداخل والخارج. وأصبحت الساحة السورية مركز صراع مصالح لقوى دولية وإقليمية وكان السلاح والحرب والقتال هو أداتها.
اصبح هو قائدا ميدانيا. وكذلك آخرين كان للوجوه الاجتماعية والدينية دورا في التمويل والتوجيه والدعم لهذه المجموعات، لها دور في تنظيم الدعم المجتمعي وتأمين احتياجات الناس ومتطلباتهم الأساسية.
تنامى على هامش العمل العسكري والإغاثي الداعم نوع من استغلال ظروف الثورة، يستثمرها بعض ضعاف النفوس والانتهازيين الذين بدؤوا يثرون مما اسمي اقتصاد الحرب حيث يستثمرون بدماء الضحايا والنتائج الكارثية للحرب التي أعلنها النظام وحلفاؤه على الشعب السوري.
أصبحت مجموعة صاحبنا من المجموعات المركزية الفاعلة في بلدتهم وجوارها. وتواجد على هامشها آخرين ولهم مجموعاتهم حسب مصادر التمويل. منهم المنتمين للثورة و لمطالب الشعب. ومنهم من يخدم مصالحه الخاصة.
أصبحت البلدة محررة ولكن النظام لم يقبل بهذا الواقع. فاعتمد العنف باقصى صوره تدمير وقصف ، مما دفع أهل البلدة للهروب الى مناطق اكثر امنا. يهربون بأقل القليل مما يملكون، محافظين على أرواحهم. وحتى المجموعات المسلحة. قررت الخروج من البلدة عندما قرر جيش النظام اجتياحها. وعند الانسحاب سقطت قذيفة من النظام واصابت صاحبنا، الذي فقد ساقيه وأصبح يعيش على عربة متحركة بعجلتين .
تنتهي الرواية بمزيد من إدراك صاحبنا واقع الحال وكأن العالم كله ترك سورية وشعبها ضحية لحرب مفتوحة من النظام يعتقل و يقتل ويشرد مئات الآلاف من الشعب ويدمر البلدات والمدن دون أي رادع.
الثوار وقعوا ضحية تشتتهم تبعا للداعمين. ووقوع بعضهم ضحية مصالح شخصية عملت على الاستثمار بدم الشعب ومآسيه .
صاحبنا يجلس في منفاه يعيش ما حصل معه ويتذكر حبه الذي لم يستطع أن ينجو من الاختلاف. ضاع كما ضاعت قدماه. الوسام الذي تساءل برمزية مهمة من سرق وسامه؟.
نعم من سرق تضحيات الثوار؟.
هنا تنتهي الرواية ، وفي التعقيب عليها اقول:
نجحت الرواية في إعادة رسم واقع حال الشعب السوري وثورته ضد النظام القمعي. واستطاعت أن تسلط الضوء على حال الشعب الضحية وثواره وماذا حصل معهم منذ بداية التظاهرات حتى الدخول في العمل العسكري كمجموعات مسلحة. وكيف كانوا ضحية التشتت واختلاف الداعمين وضياع البوصلة، واستثمار الانتهازيين الذين خانوا الثورة.
نعم في لحظة ما وجدت الثورة نفسها ضحية تآمر من كل الأطراف للقضاء عليها وعلى الشعب السوري معها.
تاريخ كتابة و نشر الرواية عام ٢٠١٤م. وبعد مضي عشر سنوات على هذا التاريخ توحد الثوار وصنعوا معركة إسقاط النظام وتم اسقاطه ودخلنا في عصر الحرية والعدالة والكرامة وبناء الديمقراطية والحياة الافضل في سورية لشعبها كله.
مضى سنة على انتصار ثورتنا وواقع الحال يبشر بمزيد من الانجازات والنجاح في اعادة البناء والتنمية وصناعة المستقبل الافضل.
نعم رواية مهمة لأنها تعيد قراءة الواقع الذي عشناه منذ أكثر من عقد.
ولكي لا ننسى…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى