
كان واضحًا تمام الوضوح أنه وبعد معركة حلب في حيي (الشيخ مقصود) و(الأشرفية) لن يكون بالضرورة كما كان قبلها، وبالتالي فإن كل حيثيات مشروع تنظيم (قسد) في الوصول إلى الفيدرالية المزعومة توطئة نحو الولوج في حالة الانفصال الكلي وتأسيس دويلة خارج إطار الدولة الوطنية السورية قد انتهى، وإلى الأبد. فلا يوجد ما يمكن أن يؤدي أو يدفع به نحو الإنجاز أو التحقيق، ضمت ظروف وطنية وإقليمية غير مواتية وفي سياق وعي وطني سوري، كوردي وعربي ، مفاده أن وحدة سورية هي الملاذ والمآل الذي لابد منه ولا ضير أنه الحل الأمثل، خروجًا جديًا من عنق الزجاجة، وإعادة تموضع جديدة، نحو مزيد من الانتصارات لثورة الشعب السوري في الحرية والكرامة، التي ضحى على مذبحها الشعب السوري بما ينوف عن مليون شهيد خلال أربعة عشر عامًا خلت من عمر ثورته، أدت فيما أدت إليه إلى كنس المشروع الإيراني من الجغرافيا السورية والمنطقة برمتها، كما ساهمت في اقتلاع أخطبوط نظام آل الأسد وتوابعه وكل أدواته من سورية، وإلى غير رجعة إن شاء الله.
لقد حاول أهل مشروع (قسد) وضمن تفكير سياسي انتهازي الدخول في أتون حل لا وطني يبتغي اقتطاع جزء مهم من سورية ، وهو الذي كان وما يزال جزء لا يتجزأ من سورية الواحدة الموحدة، وكان تفكيرهم قد أتى تحت تسمية (روج آفا) واستمروا في ذلك الطرح ضمن مشروعهم البائس خارج المنطق السياسي العقلاني، وهم في ذلك وكما يبدو لم يقرؤوا السياسة جيدًا، كما لم يتمكنوا من إدراك حجم التغيرات والانزياحات الكبرى التي حصلت في الإقليم والعالم، وأيضًا لم يفهموا ما هو ضمن محددات السياسة الأميركية بما يخص منطقة الشرق الأوسط ، ومنها سورية بالضرورة . ولم يعوا جيدًا أنه لا إمكانية لإنفاذ مشروعهم الانفصالي، وأن وحدة سورية كانت وسوف تبقى المآل الممكن والمتوافق عليه، ليس وطنيًا فحسب، بل أيضًا على المستوى الإقليمي والعالمي، من أن تفتيت سورية (لا قدر الله) سوف يؤثر سلبًا على الإقليم والعالم.
ويبدو أن جماعة (قسد) لم يدركوا أيضًا أن مسألة اللامركزية السياسية التي يطرحونها باستمرار، هي مشروع سياسي مرفوض وطنيًا، ولابد من أن يكون مقبولًا من قبل الشعب السوري بكليته، (فيما كان ممكن النجاح)، وضمن أساسات بناء وصياغة الدستور الدائم لسورية، ولا يجوز أبدًا أن يتم فرضه من قبل مكون سوري واحد بحد ذاته حيث لا تتجاوز نسبته ديمغرافيًا ال ٧ بالمئة من الشعب السوري.
لعل القراءة السيئة وغير المجدية من قبل قادة تنظيم (قسد) لما جرى ويجري، ساهمت في وصول (قسد) إلى حالة الاصطدام في الجدار، ويبدو أن عدم تنفيذهم لاتفاق ١٠ آذار/مارس 2025 ثم احجامهم عن تطبيق اتفاق ١٨ كانون ثاني/ يناير ٢٠٢٦ خلق حالة من الفوات لدى تنظيم (قسد) لا مخرج منها أبدًا سوى تطبيق التفاهمات والتوافقات والعودة عن مشاريع التقسيم ومن ثم محاولات العبث بوحدة سوريا.
كل الوقائع والمؤشرات في متغيرات وتحولات المشهد السوري توحي بأن مشروع تنظيم (قسد) قد انتهى وأهيل عليه التراب، حسب كل العاقلين من الشعب الكردي، وأبرزهم الدكتور عبد الباسط سيدا، وأن وحدة سورية هي الحل، وأن الشراكة الوطنية السورية هي حق وواجب في نفس الآن، ضمن محددات دستورية سورية قادمة، وفي إطار وعي الواقع والتطلع نحو المستقبل، ضمن ملامح دولة المواطنة العادلة، التي نطمح إليها جميعًا كسوريين بكل مكوناتنا وبكل أيديولوجياتنا وبكل طوائفنا شاء من شاء وأبى من أبى.
المصدر: مجلة الوعي السوري



