” باشان”… دولة للمكايدة وليست للحياة

غازي دحمان

يعرف القائمون على مشروع دولة “الباشان” أن ما يطرحونه عن قيام دولةٍ واستقلالٍ عن سورية ليس سوى مقامرة غير محسوبة النتائج، فالسويداء ليست ليخنشتاين، وإنْ تشابها في الجغرافية الجبلية، والشرق الأوسط ليس أوروبا حتى يُنتج نموذجاً ليخنشتاينياً آخر، وإسرائيل ليست مستعدّةً لأن تكون رافعة لدولة أخرى، كما فعلت سويسرا مع ليخنشتاين.
ليس الهدف من هذه المقالة المقارنة بين السويداء وليخنشتاين، إنما مجرّد تذكير للذين يتغاضون عن عناصر الخلل البنيوي العميق في حالة السويداء، على الصعد الاقتصادية والجغرافية، وحتى في المجتمع والسياسة، الذين قد يكونون مطلعين على تجارب بعض الدول الصغيرة، ولا سيّما تلك المنتشرة في أوروبا، مثل موناكو أندورا ولوكسمبورغ وسواها، وهي بالإجمال دول رغم صغرها الجغرافي والسكّاني، فقد حقّقت اقتصادات ناجحة، وأمّنت لشعوبها درجةً عاليةً من الرفاه والاستقرار. ونشأت هذه الدول نتيجة سياقات تاريخية معقّدة وأوضاع إقليمية أنتجتها ظروف الصراع في أوروبا، إذ فرضت توازنات القوى والحاجة وجود هذه الأنماط من الكيانات الصغيرة على تخوم الدول الكبرى، من دون أن يتبنّاها طرف واحد، ولا أن تنشقّ عن طرف آخر. بمعنى أن هذه الكيانات كانت موجودةً بالأصل ولها بنى سياسية وهياكل حكم بالتوازي مع نشأة الدول القومية في أوروبا، وجاءت معاهدة وستفاليا عام 1648 لتكرّس تحوّلها إلى دول، أو إمارات قائمة، بمنزلة دول لها هياكلها الخاصّة، حتى لو بقي بعضها ضمن أطر أوسع مثل موناكو في فرنسا وسان مارينو في إيطاليا.
تخوّف عالميّ من تفكّك الشرق الأوسط يغلق الباب أمام عبور السويداء وأَضرابها السوريات إلى عتبة الدولة أو الإمارة على شاكلة النمط الأوروبي
لم تعتمد هذه الدول على ما توفّر لديها من ثروات وموارد للبقاء في قيد الحياة والتطوّر، إذ رغم ما تمتلكه من إمكانات الجذب السياحي، بوصفه الثروة المُتاحة، باعتبار أن الزراعة لم تكن كافيةً نظراً لصغر المساحات الجغرافية، ولأن الصناعة، رغم تطوّرها، كانت بحاجة إلى كثافة في اليد العاملة، في حين أن عامل الديمغرافيا لم يكن مساعداً في هذا الخصوص، إذ لم تستطع أعداد السكّان القليلة تحقيق هذا الشرط، ما جعلها دولاً أو إمارات متطوّرة في وظائفها المالية، تحوّلت إلى جنّات ضريبية، استقطبت رؤوس أموال عالمية كبيرة جدّاً، وحقّقت ذلك من خلال بنية قانونية قادرة على استيعاب وإدارة هذا النمط من الوظائف، والأهم من ذلك الحاجة العالمية لمثل هذا النمط من الدول، ونظراً لوجودها في فضاء أوروبي غني وناهض قادر على استقطاب الفوائض المالية العالمية. واستطاعت هذه الدول/ الإمارات كسب الثقة عبر تجربتها الطويلة ونجاحها في أداء الوظيفة المالية. لكن يجب ألا ننسى أن هذه الدول كان لديها تراث سياسي عريق في الحوكمة والإدارة، إذ في الأغلب كانت بنياتها موجودة منذ ما قبل تشكّل الدول الحديثة، وامتلكت هرمية حكم وهياكل إدارية، واكتسبت خبرات في التعامل مع الأزمات الإقليمية، واستطاعت بفضلها النجاة من حروب مدمّرة شهدتها القارة الأوروبية.
في السويداء، يبدو الوضع مفارقاً لحالة الإمارات المذكورة، فلا تراثاً سياسياً عريقاً ولا شبه تكوين دولتي، ولا خبرةً في التعامل مع الأزمات، وما تجري إدارته يتم عبر مضافات وزعامات مغرقة في التقليدية، لا يمكن أن تكون بنىً سياسيةً صالحةً لإدارة مراحل خطرة، والأهم من ذلك، لا وظيفة واضحة ومفيدة يمكن أن تؤدّيها وتستطيع من خلالها الحصول على شرعية تؤمّن وجودها واستقرارها.
كما لا توجد بيئة إقليمية مساعدة، بل على العكس، في الشرق الأوسط المُتشكّل من طوائف وأعراق، الذي أنهى مرحلة نشوء الدول منذ اتفاقية سايكس بيكو، فإن مجرّد سماع حديث الاستقلال والتقسيم كفيل بأن يجعل الجيوش تتحسّس مدافعها، ذلك أن من شأن نجاح أيّ تجربة تقسيمية هدم الهيكل الشرق أوسطي برمّته، وفتح باب التفكيك على مصراعيه، إذ سيحاول الجميع تقليد هذه السابقة. والمفارقة أن هناك تخوّفاً عالميّاً موازياً من تفكّك الشرق الأوسط، ما يعني أن الباب بات مغلقاً تماماً لعبور السويداء وأَضرابها السوريات، وفي المنطقة عموماً، إلى عتبة الدولة أو الإمارة على شاكلة النمط الأوروبي.
لا يكفي التودّد لإسرائيل، ولا رفع صور بنيامين نتنياهو وعلم إسرائيل، لرفع السويداء إلى رتبة دولة
لا يكفي التودّد لإسرائيل، ولا رفع صور بنيامين نتنياهو وعلم إسرائيل، لرفع السويداء إلى رتبة دولة، بل بالعكس تماماً، فإسرائيل التي باتت منبوذةً دولياً، وساقطة في اعتبارات الرأي العام العالمي، جرّاء ما ارتكبته من مجازر بحقّ الفلسطينيين، باتت سنداً مُخسِّراً لأيّ قضية، بل عبئاً يزيد من تعقيدات مسار السويداء صوب الاستقلال عن سورية، فالعالم، وفي مقدّمه إدارة ترامب، بات يشكّك بأيّ سياسة تتبعها حكومة نتنياهو على مستوى الإقليم، ويعتبرها إنذاراً لمخاطر مقبلة على المنطقة والعالم.
العقلاء في السويداء، وحتى أصحاب الرؤوس الحامية، وحتى الذين يطمحون إلى السلطة والمجد، يدركون هذه التعقيدات، ويعرفون أن مشروعهم يحتاج إلى بنى سياسية واقتصادية غير متوفّرة، لا حالياً ولا في الزمن المنظور، حتى أنهم لم يجهّزوا طواقم للتفاوض على الاستقلال، ناهيك عن تشكيل هياكل حوكمة حقيقية تستطيع إدارة الكيان الجديد الذي يُدار حتى اللحظة ببركة “سيدي سلمان” (!)، ما يضعنا أمام مشروع غير قابل للحياة، وإنما مجرّد حفلة ردح ومكايدة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى