عليّ الطلاق بالثلاثة (اللغة التي طلقتني)

عساف سلامة السلمان

منذ طفولتي كنتُ أؤمن أن اللغة الألمانية، ليست لغة، بل اختبار تحمّلٍ نفسيٍّ مبكرٍ للأطفال الفقراء. كنّا نرى الألمان يهبطون على أرضنا، مثل كائناتٍ بيضاء يحملون فراشي أسنانٍ أكثر مما يحملون عواطف، وينقّبون في التراب، كما لو أنهم يبحثون عن أجدادهم الضائعين، بين جرارٍ مكسورةٍ، وأحلامٍ لم تُسجَّل رسميًا.
تعلّمنا منهم كلمتين، واحدة للتحية، وأخرى للاعتذار، وكان نطقهما يتطلّب قبضة فم، ورئتين احتياط، وشيئًا من الشجاعة.
كبرتُ، حاولتُ تعلّم الألمانية، فاكتشفتُ أن قواعدها، كثكنةٍ عسكرية، حتى حروف الجرّ فيها، تقف في الطابور، وتؤدي التحية.
في الجامعة، هربتُ إلى الفرنسية، لغةٌ تشبه امرأةً، تغفر لك الخطأ، إذا اعتذرتَ بنبرةٍ صحيحة. لكن الألمانية، ظلت تلاحقني، مثل مفتشٍ قديم، يحمل ملفاً أصفر، ويعرف أنك لم تُكمل الجملة.
ثم جاءت التغريبة السورية، وحملتني إلى السويد، بلادٍ باردة، حتى الذكريات فيها
ترتدي قفازات. هناك، تجاورتُ مع مهندسٍ ألمانيٍّ متقاعد، اسمه فرانك، كان قد هرب من زوجته، كما يهرب جنديٌّ من معركةٍ خاسرة، واشترى بيتاً في الصقيع، ليتدرّب على الصمت.
اقترحتُ عليه تبادلًا ثقافيًا، أنا أعلّمه العربية، وهو يعلّمني الألمانية. نظر إليّ، كما ينظر جراحٌ إلى منشار، وقال: العربية صعبة، لنُبقِ الأمور بسيطة، سأعلّمك الألمانية فقط.
وأحضر كتابا قديمًا من زمن الحرب العالمية الأولى، كتابًا لم يكن يعلّم اللغة، بل يدرّبها على الصمود. بدأ يشرح، وأنا أقاوم، شدَدتُ حيلي أسبوعين، ثم بدأت أتعلّم حسب المزاج، وحسب الطقس، وحسب عدد الغيوم التي تضغط على رأسي.
وذات يوم، قال لي فرانك، بصوت القوانين: اكتب موضوعًا، ثلاثة آلاف كلمة، باللغة الألمانية. جلستُ، كتبتُ خمسمائة كلمة، نصفها يشرح النصف الآخر، والبقية تحاول الهرب من بعضها. سلّمتُه الورقة، قرأ، قرأ، ثم فجأة، استشاط غضبًا، أخرج أنيابه، ورفع الحاجبين، وأعلن الصرامة الألمانية الكاملة.
قال: عليّ الطلاق بالثلاثة، لن أعلّمك حرفا بعد اليوم. ضحكتُ، حتى اليوم، لا أعرف، من طلّق مَن، هو طلقني، أم طلق اللغة، أم طلق نفسه، من وهم التعليم. أخذ كتابه، كتاب الحرب، ورحل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى