حرب السودان… كيف نفهم العقوبات الأوروبية؟

مدى الفاتح

اتصفت غالبية ردود الأفعال المحلية على إعلان المجلس الأوروبي فرضه عقوبات جديدة على سبع شخصيات سودانية مرتبطة بحرب السودان بالسخرية واللامبالاة والتقليل منها، على اعتبار أن هذه الأسماء، عدا القوني شقيق الجنرال المنشق حميدتي، كلها لا يهمها ما يرتبط بالقرار من حظر للسفر أو من تجميد للحسابات. وهذه السخرية مفهومة، ومهمّة للحفاظ على الروح المعنوية، إلا أن القول إن هذه العقوبات بلا معنى لأن المعنيين بها لا ينوون السفر إلى أوروبا ولا فتح حسابات في الخارج لا يصلح حجة، فهناك فارق كبير بين أن تمتلك الخيار الشخصي بشأن عدم الرغبة في السفر أو في الاستثمار، وأن تكون ممنوعاً من ذلك بقانون دولي.
الحقيقة أن هذه العقوبات وفرضها في هذا التوقيت مهمان لعدة أسباب. أهمها أنها تشرح الطريقة التي ينظر بها الأوروبيون إلى الحرب. تقسيم العقوبات وتوزيعها بين جهات منحازة لقوات حميدتي وأخرى داعمة للجيش يؤكدان للمتلقّي أن أوروبا لا تملك تعاطفاً خاصاً مع أي جهة، وتساوي بين الجيش النظامي والمليشيا وتعتبرهما يشتركان بالتساوي في الجريمة وفي إضرارهما بالمدنيين.
يؤكد هذا ما ذهب إليه الكاتب سابقاً بشأن مسار هذه الحرب وتعاطي “المجتمع الدولي”، وخصوصاً الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، معها، فعلى الرغم من أن هذه الجهات وما يرتبط بها من أدوات ومنظّمات كانت تُكثر الحديث عن انشغالها بالمأساة السودانية وبمصير المدنيين المحاصرين والمعرّضين لأبشع الانتهاكات، إلا أنها كانت تعمل في الواقع على تطويل أمد الحرب عبر رفض الاعتراف بطبيعتها وتوزيع المسؤولية على ما يرتبط بها من انتهاكات بين أطرافٍ مختلفةٍ من دون تحميل الوزر أي طرف دون آخر.
هناك فارق كبير بين أن تمتلك الخيار الشخصي بشأن عدم الرغبة في السفر أو في الاستثمار، وأن تكون ممنوعاً من ذلك بقانون دولي
حتى إبّان الانتهاكات الواضحة والجرائم الموثقة، التي كانت قوات حميدتي ترتكبها على مرأى ومسمع من الجميع، كانت هذه الجهات الدولية تكتفي بالإدانة المطلقة والدعوة إلى احترام قواعد الحرب وحقوق المدنيين من دون إشارة إلى الفاعل.
ما كنا نقوله إن هذا “المجتمع الدولي” ليس جادّاً في إنهاء الصراع، وإلا لكان بإمكانه أن يفعل ذلك منذ الأسابيع الأولى لاندلاع التمرّد، ليس عبر التدخل العسكري المباشر، ولكن عبر طرق أخرى، منها غلق طرق الإمداد، أو الضغط على الدول الشريكة، التي تمنح المتمرّدين ما يساعدهم على القتال من أسلحة ومساعدات تقنية ولوجستية.
ما حدث أن أغلب الأطراف اكتفت بمقعد المراقب، انتظاراً لما سوف تؤول إليه الأمور، بل بدا بعضها مراهناً على انتصار الجنرال المنشقّ، ما جعلهم يترددون في اتخاذ موقف ويجعلون الباب موارباً لبدء تفاهمات معه، على اعتبار وجود احتمال لأن يكون الزعيم المرتقب. وفي مرحلة تالية وحينما بدأت كفة الجيش تكون الغالبة بعد تحرير أغلب مناطق السودان وانحسار التمرّد في ولايات الغرب اتبعت جهات إقليمية ودولية مؤثرة دبلوماسية مبنية على نزع شرعية جميع الأطراف، عبر تكريس المساواة بين الجهتين المتقاتلتين.
هكذا، وفي وقتٍ كان فيه بعضهم يشعرون بالابتهاج عند فرض عقوبات على قيادات متمردة، وعلى أسماء مقرّبة من حميدتي مرتبطة بانتهاكات وجرائم حرب، كانت الولايات المتحدة ومن خلفها أوروبا تختار أسماء مرتبطة بالجيش لتفرض عليها عقوبات مماثلة وفق سياسة تجريم الكل. وسيكون الأمر أوضح إذا ما رُبطت المواقف الأميركية بالمواقف الأوروبية، ثم إذا جرى ربط هذا كله بمواقف المنظمات الإقليمية، التي يرى بعضهم أنها ظهرت أخيراً بمواقف مؤيدة للحكومة الشرعية في السودان وللجيش، خصوصاً بعد إعلانها التمسّك بوحدة السودان ورفض حكم المليشيات أو الحكومات الموازية.
الحقيقة أن هذه المنظمات لم تغادر بعد مربّع المساحة الرمادية المتردّدة حينما يتعلق الأمر بتوصيف الصراع، أو تقديم دعم سياسي للحكومة، فضلاً عن الأنواع الأخرى من الدعم والتمويل. ولا يتعلق هذا برغبة مسؤول ولا بدور بلد معين. ما يجب أن نفهمه أن هذه المنظمات، حتى وإن أظهرت بعض التضامن والتعاطف، لا تمتلك القوة والاستقلالية الكافية اللتين تجعلانها تتجاوز الخطوط المرسومة من صنّاع القرار الدولي، خصوصاً في “زمن ترامب”، الذي نعيشه حالياً.
الحكومات، التي كانت تعمل وتضغط في فترات سابقة من أجل تفكيك الجيش السوداني وإعادة هيكلته، لا تريد أن يصبّ ذلك كله في صالحه
وهذا يفسر لماذا لا يكون للعبارات الأخوية وكلمات المجاملة الدبلوماسية وبيانات المساندة أي أثر على الأرض، ولماذا لا تترجم إعلانات التضامن هذه لضغطٍ كافٍ على المعتدين، أو حتى لمد الحكومة بما يعينها على توفير الخدمات للمواطنين بعد قيام المتمردين بعمليات تجريف وتخريب متعمّدة.
لا يختلف موقف الاتحاد الأوروبي عن الموقف الأميركي. المنظمات الإنسانية غير الحكومية بتوجيهها أصابع الاتهام لما كان يعرف سابقاً بـ”الدعم السريع”، وبقولها إنه المسؤول الأول عن المجازر الجماعية والعبودية الجنسية والتعذيب تمارس ضغطاً على الحكومات التي ترى أن لا مفرّ من الإدانة والاستنكار. وفي المقابل، هذه الحكومات، التي كانت تعمل وتضغط في فترات سابقة من أجل تفكيك الجيش السوداني وإعادة هيكلته، لا تريد أن يصبّ ذلك كله في صالحه، وأن تجد نفسها متورّطة في دعم جيشٍ هي تشك في عقيدته، وترى فيه تهديداً محتملاً لمصالحها.
البديل عن هذا، بالنسبة لكل من الأوروبيين والأميركيين، جعل الحرب تستمر أطول فترة ممكنة، عبر توزيع الضغوط والوعود على طرفيها. ما سيحدث، في آخر المطاف، حتى وإن استطاع الجيش الانتصار على المليشيا الفوضوية المدعومة بسخاء من أطراف مختلفة، أن يتحول الجيش إلى قوات منهكة فاقدة الكثير من عناصرها الصلبة وملامح قوتها. هذا سيجعلها مشغولة سنوات طويلة مقبلة بإعادة البناء.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى