
تستمر انتفاضة الشعب الإيراني، من خلال المواجهات العنيفة في طهران ومحافظات مركزية أخرى “إسلام شهر – كرمانشاه”، شملت هجمات على مراكز القمع وكسر الحصار الأمني.
بالتزامن مع اتساع رقعة المواجهات الميدانية في طهران وعدة مدن كبرى مع كسر حاجز الخوف في مناطق حساسة مثل زاهدان. في المقابل، اعترف مسؤولو النظام بخسائر كبيرة وهدّدوا بملاحقة المحتجّين، حيث أعلن أحمد عزيزي رئيس لجنة أمن البرلمان أن عدد جرحى “النظام” في الاضطرابات تجاوز3700 شخص، وتضرّرت 2221 مركبة لقوات الأمن والباسيج. كما أعلن أحمد رضا رادان، القائد العام لقوى الأمن: “إنهم سيتوجّهون واحدًا تلو الآخر إلى المحتجين الذين لم يُعتقلوا بعد، مؤكّدًا ملاحقتهم حتى آخر شخص”، الأمر الذي من شأنه زيادة رقعة الاضطرابات، وارتفاع حدتها، في حين تتزايد الإدانات الدولية، وتؤكد الأمم المتحدة استخدام الإعدام كأداة ترهيب، ما يعكس تعمّق عزلة النظام داخليًا وخارجيًا.
إطلالة علی کلمة المرشد خامنئي
وصف المرشد خامنئي في لقائه یوم ۱۷ کانون الثاني/يناير الجاري بمجموعة من رجالات نظامه قيام الشعب الإيراني بـ”الفتنة” مرة أخرى، ودافع بشكل كامل عن قوات القمع والحكومة، وتحدّث في الوقت ذاته عما سمّاه “فشل الفتنة” وانتهاء الأزمة.
إنّ إلصاق تحرك الشعب بالعدو الخارجيّ” سياسة كلاسيكيّة لكلّ الديكتاتوريّات؛ لكن خامنئي هذه المرّة لا يطلق شعارات فحسب، بل يستند إلى أرضيّة سياسيّة حقيقيّة. ويستغلّ وجود تيّارات مثل بقايا حكم الشاه الذي ليس له قاعدة في إيران، ولا يريد دفع ثمن تحرك وطنيّ، بل يطالب علانيّة بالهجوم العسكريّ.
يحاول خامنئي بإبراز هذه الأصوات اختزال كلّ التحرك الشعبيّ ضمن هذا الخطّ، ويقول” إنّ ما يجري في الشوارع ليس احتجاج شعب، بل تنفيذ سيناريو العدوّ؛ بهذه الحيلة یحاول ضرب عصفورین بحجر واحد:
أولاً: تشريع القمع كدفاع وطني.
ثانيًا: تمحو عمدًا الحدّ بين انتفاضة الشعب الحقيقي والمعولين علی الحرب الخارجية، ليمحي جوهر المسألة. خامنئي بإعلانه عن “فشل الفتنة”، یلجأ إلی تكتيك نفسي، لكنه لم يصبر علی أقل تقدیر حتّى عن التوقف عن قطع الإنترنت، ولم ينتظر سحب أسلحته الثقيلة والدوشكا من ساحات المدن وإنهاء نشر ٥٢ ألف عنصر في طهران العاصمة والمدن الأخری بل يهرع ليعلن “النصر” وهزيمة التحرك الشعبي؛ لتعزيز معنويات قاعدته، وإقناع حاضنته الاجتماعية بأن الاستمرار في الاحتجاج بلا جدوى، ما هو إلا محاولة يائسة لإسدال الستار على فوهة بركانٍ ثائر، وكلام فارغ لا يعكس الواقع.
يروج النظام الإيراني على أن ما يجري في البلاد فتنة مدعومة من الخارج، ويستند في دعايته إلى تيارات في الداخل الإيراني تعول على أن النجاة من الخارج، ليبرر قمعه وحربه ضد الشعب الإيراني، متجاهلا تجارب المنطقة التي تقدم إجابات واضحة على الحرب الخارجية.
سقوط وهم السيطرة المركزية
في قراءة عسكرية للمشهد في أصفهان، كبرى قلاع إيران المركزية، نجد أن النظام وقع في “فخ الاستنزاف”. فبينما استنفرت أجهزة قمع خامنئي قناصتها فوق أسطح المباني الحكومية والمساجد في مركز المدينة، ظناً منها أنها ستحكم قبضتها الحديدية، جاءت الضربة القاضية من الأطراف. إن تحرير ضواحي استراتيجية مثل “نجف آباد” و”فلاورجان” و”سباهان شهر” في الثاني عشر من يناير، لم يكن مجرد حدث ميداني، بل كان إعلاناً عن فشل العقيدة الأمنية للنظام. وأثبت شباب الانتفاضة أن تكتيكات “الكر والفر” وإحراق البنوك الحكومية – التي تمثل الشريان المالي لماكينة القمع – في تقاطعات “سيمين” و”ملك شهر”، قد شلت قدرة القوات القمعية على الحركة، وحاصرت المركز بالأطراف المحررة.
وتمكنت الانتفاضة من تحقيق نقلة نوعية: من كسر جدار الخوف إلى تجريد العدو من سلاحه، حيث يعد التطور الأبرز الذي يراقبه قادة الحرس برعب، هو التحول الجذري في سيكولوجية الجماهير، ففي مدينتي “قوتشان” و”بابل”، لم يكتفِ المنتفضون بالهتاف، بل نفذوا عمليات هجومية كاسحة استهدفت البنية التحتية للاستبداد. إن السيطرة على مبنى القائمقامية وإضرام النار في مقار الحرس، وتجريد عناصر القمع في مخافر “بابل” من أسلحتهم، يمثل رسالة نارية مفادها أن أدوات القتل التي راهن عليها الولي الفقيه لترويع الشعب، باتت الآن غنائم بيد المنتفضين. هذا التطور الميداني، المتزامن مع تصفية عنصر الحرس الثوري “رحيمي” في إيلام، يؤكد أن المعادلة قد انقلبت: “الرعب غيّر معسكره”، وبات يسكن قلوب الملالي وحراسهم لا قلوب الشعب.
آليات النظام الإيراني في مواجهة الانتفاضة
يركز النظام الإيراني وأجهزته الأمنية لمواجهة الانتفاضة المتنامية على أسلوبين:
أولا: المتاجرة بالأشلاء، حيث تعبر عن إفلاس الأخلاقي الأخير، لترهيب الطوفان البشري من جانب، ولجمع غنائم الرحيل قبل سقوطه الحتمي، لقد عاد النظام الإيراني ليمارس هوايته التاريخية في الوحشية، مستنسخاً جرائم “كهريزك” ومجازر الثمانينات، حيث تشير التقارير الواردة من طهران وكرج وبندر عباس حول تكديس جثامين الشهداء في الشاحنات ومقايضة العائلات بمبالغ خيالية (700 مليون تومان) لتسليم جثامين أبنائهم، ليفضح هذا التصرف الطبيعة “المافيوية” لهذا النظام، والممارسات القروسطية التي لا تعكس قوة، بل تعكس ذعراً وجودياً وإفلاساً سياسياً كاملاً.
ثانيا: يروج النظام الإيراني على أن ما يجري في البلاد فتنة مدعومة من الخارج، ويستند في دعايته إلى تيارات في الداخل الإيراني تعول على أن النجاة من الخارج، ليبرر قمعه وحربه ضد الشعب الإيراني، متجاهلا تجارب المنطقة التي تقدم إجابات واضحة على الحرب الخارجية، التي تدمر المجتمع، وبنيته التحتية، وتسقط الشعب من مسرح السياسية، وبالتالي يضع الدولة أمام خيارين لا ثالث لهما، أما القبول بالنظام، أو تدمير المجتمع وبنيته التحتية. أما بالنسبة للتيار الموجود في إيران الداعم لتدخل خارجي، فإن مروجي هذه الفكرة أنفسهم هم في ظروف لا تحسد، ولا قاعدة حقيقيّة لهم داخل إيران، ولم يشاركوا في دفع الثمن أو تنظيم وترسيخ دور الشعب، وبالتالي فإن هذه التيّارات لأنّها لا تستند إلى الشعب، مضطرّة للاستناد إلى القوى الخارجيّة. ويعتبر مناهضو التدخل الخارجي أن تجربة أحمد چلبي في العراق مثال صريحّ لم يؤدِّ إلى الحريّة ولا إلى السيادة الوطنيّة، لأن قوّة خارجيّة لن تضحّي بمصالحها من أجل حرّيّة شعب إيران، وانتظار التدخّل الخارجيّ يعني تعليق التحرك الشعبي، وتسليم مصير البلاد لقرار الآخرين؛ الوضع الذي يستفيد منه الديكتاتوريّون.
يبدو أن الشعب الإيراني أمام ما تشهده أكثر من 195 مدينة من مقاومة لأجهزة النظام القمعية، قد أدرك أن الخيار المطروح أمامه هو إسقاط النظام برمته، والكلمة الفصل للميدان، دون العودة إلى الوراء.
المواقف الدولية المتعلقة بتطورات الوضع الإيراني تتناقلها الصحافة العالمية
أولى قادة الدول ورؤساء المؤسسات الدولية اهتماما واضحا يجري في إيران وحملوا مسؤولية ما يحدث للنظام الإيراني وأجهزته الأمنية والعسكرية، حيث اعتبر الرئيس الأميركي ترامب أن خامنئي هو المسؤول عن تدمير إيران، وحان وقت البحث عن قيادة جديدة، ووصفه بالرجل المريض الذي حوّل بلاده إلى أسوأ مكان للعيش في العالم بسبب سوء قيادته التي تقوم على الخوف والموت. وأعلنت رئيسة البرلمان الأوروبي بأن الجهود قائمة لإدراج قوات الحرس الثوري على قائمة الإرهاب. وأكّد المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة أن النظام الإیراني یستخدم الإعدام كأداة للترهيب الحكومي.
تناولت الوكالات العالمية “رويترز – وكالة الأنباء الإيطالية “أنسا” – وكالة أسوشيتد برس – تلفزيون السويد الحكومي – صحيفة فرانكفورتر ألغيماينه – ألمانيا” الأحداث في إيران من خلال تقاريرها المرئية والمكتوبة، وتحركات أبناء الجالية الإيرانية في تلك الدول، وقيامهم بالحشد والمناصرة بالتعاون مع القوى السياسية والحقوقية والإنسانية في تلك الدول لدعم انتفاضة الشعب الإيراني والضغط على النظام ورفض الديكتاتورية بكل أشكالها وإقامة جمهورية ديمقراطية في إيران.
ليس مجرد موجة احتجاجية عابرة، بل هو تطبيق عملي لنظرية “حرب المدن” التي تقودها وحدات الانتفاضة ببراعة أذهلت غرف عمليات الحرس. لقد سقطت ورقة التوت عن نظام ولاية الفقيه، وبات واضحاً للمراقبين العرب والدوليين أن خامنئي الجلاد لم يعد يواجه متظاهرين عزل فحسب، بل يواجه شعباً منظماً يمتلك زمام المبادرة، وقد قرر نقل المعركة من ساحات الدفاع السلبي إلى “مربع الهجوم” واستنزاف ما تبقى من هيبة النظام المتهالك.
يبدو أن الشعب الإيراني أمام ما تشهده أكثر من 195 مدينة من مقاومة لأجهزة النظام القمعية، قد أدرك أن الخيار المطروح أمامه هو إسقاط النظام برمته، والكلمة الفصل للميدان، من دون العودة إلى الوراء، حيث لن تجدي نفعا محاولات خامنئي اليائسة لترميم جبهته الداخلية سواء عبر تعيينات جديدة كتعيين “أحمد وحيدي نائباً لقائد الحرس لقمع الانتفاضة، أو قطع الإنترنت للتعتيم على الحقائق، أمام “تسونامي” الغضب الشعبي. وأدرك من جانب آخر أن التحرر لا يأتي بالقصف الخارجي، بل يخرج من إرادة الشعب وتحمل مسؤوليته، رغم أنه مسار أصعب وأغلى ثمنًا، لكنّه الطريق الوحيد الذي يؤدّي إلى حرّيّة حقيقيّة وسيادة وطنيّة ومستقبل بلا استبداد.
المصدر: تلفزيون سوريا






