
تُقدِّم نتائجُ “المؤشّر العربي 2025″، الذي أنجزه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مادّةً استطلاعيةً يمكن من خلالها قراءةُ شأنٍ تناولتْه، ولو جزئياً ومرحلياً. والاستطلاعات فيها الصوابُ والخطأ، فضلاً عن افتقارها إلى الشمولية أحياناً، لكنّها تبقى مادّةً مهمّة للقراءة والفهم عند إسقاطها على القضايا التي تناولتْها؛ ومنها الواقع الليبي الذي شمله الاستطلاع في قضايا كثيرة. كما تسمح هذه الاستطلاعات بصياغة تحليل يتجاوز السرديات السياسية النمطية التي تحصر الأزمة الليبية في الصراع على السلطة أو في الاختلافات السياسية فحسب؛ إذ تكشف القراءة المتأنية لمواقف الليبيين الذين شملهم الاستطلاع في هذا المؤشّر “وعياً جمعياً” يتّسم بالثبات في القضايا الكبرى، مقابل تكيّفٍ براغماتي في تفاصيل الحياة اليومية بين المجتمع والدولة.
تتجلّى أولى ملامح هذا الثبات في الموقف الليبي من القضية الفلسطينية ورفض التطبيع مع إسرائيل جملةً وتفصيلاً، إذ سجّلت ليبيا أعلى نسبة رفض رسمي وشعبي عربياً بلغت 96%، وهو ما يشكّل وعياً مجتمعياً رصيناً ومتِيناً بقضايا الأمة العربية والإسلامية. ومن ثم، يعطي هذا التفوّق الأخلاقي والسيادي مؤشّراً حاسماً للمستقبل في الأزمة الداخلية الليبية من منظور الثوابت؛ بمعنى أن أيَّ نُخبٍ سياسية تحاول المقايضة على الثوابت السيادية مقابل اعتراف دولي أو بقاء في السلطة ستصطدم بكتلة صلبة من الرفض الشعبي قد تقلب المعادلة في أيّ لحظة فارقة.
وفي المقابل، نجد في “المؤشّر العربي” أن المجتمع الليبي يعيش حالة “المجتمع الموازي” بامتياز؛ فبينما تُظهر البيانات العربية قلقاً من الأوضاع الاقتصادية، يبدو المجتمع الليبي قد استوعب غياب الدولة، وحوّل شبكات التكافل التقليدية إلى مؤسّسات ضمان اجتماعي بديلة، كما يشير التوجّه العام في “المؤشّر”. ويعكس هذا حالةً من الاكتفاء الاجتماعي، وإنْ محدودةً، ما يقلّل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من فاعلية الضغط الاقتصادي بوصفه أداةً للتغيير السياسي، على أقل تقدير، في المدى القريب. وهذا يعني أن الليبيين قد ساروا في عقد اجتماعي يقوم على إدارة الشأن اليومي بعيداً عن السلطة والدولة في أحيانٍ كثيرة؛ إلا أن ذلك يجعل العبء على الدولة أكبر وأكثر شدّة في أيّ منعطف اقتصادي أو سياسي تمرّ به البلاد مستقبلاً.
برفضهم القاطع التنازلَ عن قضاياهم المركزية، يرسل الليبيون رسالة أنهم “مجتمعٌ حيٌّ” يمتلك بوصلةً واضحة المعالم
وفي ما يخصّ الفضاء الرقمي، يكشف المؤشّر اعتمادَ نسبة كبيرة من الليبيين على الإنترنت مصدراً للأخبار، كما هو الحال في بلدان عربية كثيرة شملها الاستطلاع (38%)، إذ تحوّلت منصّات التواصل الاجتماعي في ليبيا إلى أداة رقابة ذاتية وضاغطة في كثير من القضايا السياسية التي تحدث في البلاد، بما يَصعب على السلطات احتواؤها أو التنبّؤ بمساراتها.
أما عن مآلات الوضع في المستقبل، فتفيد القراءة التحليلية للمؤشّر بأن ليبيا تسير نحو حالة من الاستقرار الاجتماعي فحسب؛ فالليبيون، برفضهم القاطع التنازلَ عن قضاياهم المركزية، يرسلون رسالةً أنهم “مجتمعٌ حيٌّ” يمتلك بوصلةً واضحة المعالم. ومع ذلك، الفجوة بين هذا الوعي وأداء النُّخب قد تؤدّي إلى أحد مسارَين: ولادة حراك شعبي جديد يستند إلى هذا الإجماع الشعبي والوعي المجتمعي لتصحيح المسار السياسي، أو استمرار حالة التكيّف مع “اللا دولة”، فيكتفي المواطن بتأمين حياته عبر علاقاته الخاصة، تاركاً الصراع السياسي للنُّخب في معزل عن واقع الناس، وهو ما لن يستمرّ طويلاً على كل الأحوال.
خلاصة القول، تعيش ليبيا وفق “المؤشّر العربي 2025” حالة “المجتمع الحي والدولة الغائبة”؛ فالمواطن الليبي يمتلك ثوابت صلبة وبدائل اجتماعية فاعلة، وهو ما يجعله في انتظار نظام خدمي عادل يحترم وعيه السيادي بعيداً عن صراعات النُّخب التي لم تعد تعبّر عن تطلّعات القاعدتين، الاجتماعية والشعبية. ومن ثم، لم يعد مستقبل الاستقرار في البلاد رهناً بالتوافقات الغائبة (في أحيانٍ كثيرة) بين الأجسام السياسية الحالية، بقدر ما هو رهينٌ بالقدرة على تغيير جذري يسعى إلى بناء الدولة وفق أطر دائمة ومستقرّة، بعيداً عن هذه الأجسام التي انتهت شرعيتها منذ سنوات.
المصدر: العربي الجديد






