
في سياق حروب شاملة تشنها قوى الغرب الاستعماري على أمتنا منذ قرون ؛ ثمة معركة تتصل بالوعي العربي : همها تزييف الوعي العربي وتصنيع وعي مفبرك متعمد ومدروس يؤدي رسالة سياسية يتوافق مضمونها مع إستراتيجيات القوى الاستعمارية فيما يتعلق بوجود أمتنا وهويتها..وعي مفبرك يؤدي الغاية منه بما يحمله من معان تناسب تلك الإستراتيجيات وتهيء الإنسان العربي لتقبل ما تطرحه عليه تلك القوى من مشاريع وأفكار سياسية وثقافية..بمعنى انه وعي يقوم بدور فعال في تهيئة الإنسان العربي نفسيا وذهنيا لما يريدونه منه..
ومن الضرورة التذكير بأن ذروة هذه الحروب تتمثل الآن في المشروع الصهيوني الذي يغتصب فلسطين برعاية تامة من الغرب الإستعماري وأميركا تحديدا..أما إستراتيجيته الراهنة فتقوم على مشروع تقسيم المجتمعات العربية الى عصبيات وولاءات طائفية ومذهبية وعرقية تناقض العروبة الجامعة وتهد مقوماتها وصولا إلى السيطرة التامة على المنطقة من خلال الذراع الصهيونية أو مباشرة بالهيمنة الأميركية ..
قبل الحديث في تفاصيل بعض من تلك الكلمات أو الشعارات او العبارات التي تحمل بذاتها معان سياسية تناسب تلك القوى من المفيد لتذكير بعدة أمور :
الأول : أن هناك قوى إقليمية ومحلية تتناغم مع القوى الاستعمارية لتخليق ذلك الوعي المزيف..
الثاني : أن معظم هذا الدور يتأتى عن طريق الإعلام بكافة أشكاله ، فهو يمارس دور التوجيه والتركيز على التعابير البديلة المطلوبة..
الثالث : اعتماد التكرار الكثيف للعبارات المطلوب تعميمها وتسويقها حتى تدخل في آطار الحياة اليومية للناس وتصبح جزءا من لغة التخاطب والحوار..
الرابع : غياب أية جهة مقابلة مسؤولة تعنى بنشر وعي عربي أصيل نابع من ظروف وملابسات الواقع المعاش وما يطرحه من تحديات..
الخامس : غياب أية قوى إعلامية أو تثقيفية أو تربوية تعنى بالرد على ما يطرح من مغالطات مقصودة وما تحمله من معان سلبية..
بعض الإمثلة الهامة على ما يسوق لعقولنا من تعبيرات ملغومة تأخذنا إلى حيث يزيف وعينا حتى بذواتنا ومن نحن ومن نكون وكيف يجب أن نكون ..
1 – العروبة : أخطر تلك العناوين ما يتعلق بالهوية العربية الجامعة : العروبة..يعتمد تشويه الهوية أساليب متنوعة متكاملة تؤدي دورا منسقا يستهدف إيمان العربي بهويته التوحيدية الجامعة :
أ – استبعاد الكلمة ذاتها من التداول اليومي حتى ينساها الناس ..أبناؤها..والتركيز على التعابير المقابلة التي ترسخ المعنى المغاير المضاد للعروبة :
# أقليات ، طوائف ، مذاهب ، انتماءات عرقية ، أصول خارجية ، قبائل ، عشائر ، مدن احياء قرى …
ب – نسبة كل عمل سيء أو تقصير أو سلوك سلبي إلى العروبة لتثبيت المعنى السلبي لها بما يعزز اشمئزاز الأذهان والنفوس منها ومن ثم الابتعاد عنها وتقبل الهويات البديلة المتداولة..
بلغ الامر مداه بأن أصبح كثيرون من العرب عديمي الثقة بهويتهم وإنتمائهم فباتوا يخلطون بين مسؤولية نظم تمتلك المقدرات والسلطات والقوانين وبين قوى شعبية ممزقة مشتتة ومستهدفة ومحاصرة..فيتنكرون لهويتهم العربية بدواع إنفعالية غير مدركة لأبعاد وخلفيات هذا التنكر..
2 – السلام : ذلك التعبير الجميل المحبب للنفس والعقل يصبح مضمونا لتقبل الإعتراف بالكيان الصهيوني والتطبع بالعلاقة معه والهدوء في التعامل تحت شعار السلام ..ما يعني النظر إليه بعين العطف والمودة تمهيدا لقبول السلام معه دون أي تعديل أو تحقيق أية مطالب عربية تسترجع الحقوق العربية أو بعضا منها ..فالسلام بين أية أطراف متنازعة لا يمكن أن يقوم إلا على قاعدة العدل.والعدل هو عودة الأرض إلى أصحابها لتعود فلسطين عربية حرة..عدا ذلك فهو فرض للإحتلال وإعتراف به وبحقه في إمتلاك جزء من الأرض العربية ..وهذا ما يناقض ويهدم أية إمكانية للسلام في المنطقة..
3 – الجهاد :
ولعلها من التعبيرات البالغة الأهمية نظرا لما يشكله الجهاد من قيمة إيمانية ونضالية وأخلاقية أيضا تدفع بالمؤمن في طريق المسؤولية والتطوير الذاتي والسيطرة على الغرائز ونقاط الضعف ثم تحمل تبعات مواجهة الأخطار الوجودية على الأمة ورسالتها وقيمها..فجهاد النفس وجهاد ضد العدوان والأعدوان من أعظم أركان الإيمان الديني ومتطلبات الإلتزام الحياتي به..
ما حصل ويحصل أن القوى المعادية نجحت في تسويق معنى سلبي مكروه ومرفوض للجهاد..فباتت كلمة ” جهاديين ” تطلق على أدوات ميليشيوية إجرامية أنشأها أعداء الأمة أنفسهم وأجهزتهم الأمنية العدوانية..وراح التعبير يتكرر عشرات المرات يوميا في كل وسيلة إعلامية لتثبيت المعنى السلبي ذي المضمون ” الإرهابي ” لمعنى الجهاد..
مما يضغط مباشرة على أذهان الناس وعقولهم ليبتعدوا عن مجرد التفكير بمعاني الجهاد القرآنية الإيمانية..وهذا لعمري موقف في غاية التأثير السلبي لشل عقل المؤمن عن التفكير والعمل في مواجهة التحديات والعدوان..
4 – الإرهاب :
في الوقت الذي تمثل العقلية الصهيونية خلاصة الفكر الإرهابي المجرم ؛ وتحتل أميركا موقع الصدارة في ممارسة إرهاب الدولة المتعمم ضد كل الآخرين أيا كانوا ؛ يطلق إعلامهم تهمة الإرهاب على كل من لا يؤيد سياساتهم أو لا يخضع لتوجيهاتهم وما يريدون..الأمر الذي ببررون به كل جرائمهم ضد الشعب الفلسطيني في حرب إبادة جماعية لا يتورعون عن تأكيد قناعتهم التامة بها لأنها تنبع من عقيدتهم ” الدينية ” المزيفة المشوهة..
حتى وصل بهم الأمر أن إعتبروا الإسلام دينا يبرر الإرهاب بل يحض عليه..وعلى هذا الأساس يعملون على تغيير المناهج التعليمية والتربوية في كل الأقطار العربية والبلدان الإسلامية ؛ – ولا سيما الدينية – لإزالة كل ما لا يناسب إدعاءاتهم الكاذبة وتصوراتهم المجرمة العنصرية..وكل ما يحض المؤمن على تحمل تبعات إيمانه ورسالته في مواجهة أعدائه أعداء الله والإنسانية..
يهدفون بهذا لتعمية عقولنا عن إرهابهم وإجرامهم وما يمارسون من حرب إبادة شاملة علينا جميعا ؛ كما إلى إبعادنا عن فهم جوهري أصيل لمعنى الإرهاب ومن يقوم به وكيف يمارسه وصولا إلى إفقادنا أية ثقة بقيمنا وإيماننا وعقيدتنا الإيمانية الجهادية ؛ ثم إيصالنا إلى زعزعة شخصيتنا ومقوماتها وثوابت تكوينها المتكامل..والهدف النهائي إفقادنا للمناعة الذاتية بما يسهل لهم السيطرة علينا والتحكم بنا واقتيادنا طواعية إلى حيث يريدون..
– يتبع -..






