
أسماء معيكل روائية وناقدة وأكاديمية سورية حاصلة على درجة الدكتوراه في النقد الأدبي، لها العديد من الروايات والكتب النقدية.
ليالي الخذلان هي الرواية الأولى التي أقرؤها للكاتبة أسماء معيكل، حيث يعتمد السرد فيها ضمير المتكلم على لسان بطلتها حواء الطبيبة النفسية وعلاقتها بآدم، وقصة حب كبير، قتلها الخذلان.
تبدأ الرواية من لحظة مفصلية على طريقة الخطف خلفا السينمائية، لحظة وقوع الطلاق بينها وبين محبوبها آدم بعد مضي سبع سنوات على زواجهما وعيشهما المشترك. بعد ذلك تعود الرواية للحديث على لسان حواء عن حياتها السابقة حتى وصولها إلى لحظة الطّلاق تلك.
حواء ابنة تل الورد التي ترمز بها إلى سورية، حيث عاشت في كنف عائلة تحبها وتحترمها. درست حتى حصلت على شهادة الدكتوراه في الطب النفسي، وعملت وأصبح لها موردها الخاص ليكون لها حياتها الخاصة، وبيتها الذي اشترته من إنتاجها، وتعيش حياة راضية فيها عن نفسها.
تأخر زواج حواء إلى سن الأربعين لأنها رغبت بزواج غير تقليدي يقوم على مفهوم الشراكة الحقيقية، لا علاقة التابع بالمتبوع، بعد أن خاضت تجربة خطوبة وعقد قران مدبّر من العائلة، لم يتوج بالزواج الفعلي، فـأورثها طلاقا في المحكمة، وصفة مطلقة قبل الدخول، لم تكترث بها.
لا تكشف الرواية عن الطريقة التي تعرّفت بها حواء على آدم، لكن يبدو من خلال السرد أنه مثقف وحاصل على درجات علمية عليا ويشترك مع حواء في الاهتمامات العلمية والثقافية، وهو من بلد عربي آخر، ويكبرها سنا بما يزيد عن عقد من الزمن.
بدا أن علاقة حب كبير جمعت بين حواء وآدم إلى درجة أنها كادت تنسى اسمه ليحل مكانه اسم المحبوب، وربما تبطن تلك المبالغة عكس ما تظهر، حيث سيكشف السرد عن خذلانه لها مرة بعد أخرى.
يبدو أن العلاقة بين آدم وحواء تطورت عبر وسائط التواصل الاجتماعي؛ لأن مجريات الحياة المشتركة بينهما بعد ذلك، تظهر أن حواء لم تكن تعرف آدم عن قرب وتعايش مباشر إلى درجة أن تجعله “المحبوب” في بداية الأمر، ثم تطورت الأمور بعد وصولها إلى البلد الذي يقيم فيه، ويبدو أنه بلد خليجي، وتوّجت بالزواج.
قد يتساءل القارئ لماذا حصل ذلك ولم يأت آدم الى بلد حواء ويتزوجها هناك ويصطحبها إلى بلاده؟ إن الإجابة عن التساؤل السابق يُرجّح أن يكون له علاقة بواقع الأحداث المأساوية في سورية بعد مضى سنوات على اندلاع الثورة السورية، وتحول سورية إلى مسرح حرب بين أطراف عديدة، دفع ثمنها الشعب السوري. وحدثت موجة نزوح ولجوء كبيرة، حيث غادرت أعداد هائلة البلاد معرضة نفسها لشتى أنواع المخاطر، هربا من الموت، وبدا ذلك من خلال وصف البطلة لطريقة خروجها من البلاد.
كان الخذلان عنوان حياة حواء منذ لحظة وصولها إلى بلد زوجها وما تلاه في حياتها حتى نهاية سردها في الرواية، فكان الخذلان ثيمة متكررة وسمت حياتها مع المحبوب آدم. ظهر ذلك عبر مواقف عديدة منذ لحظة وصولها المطار، وتخلفه عن استقبالها، إلى مماطلته في تنفيذه لوعوده لها، وتقصد إهمالها، إلى تعثر العلاقة الحميمة بينهما، بعد أن كبّلها بشروطه التي ما كان ليتم الزواج لولا قبولها بها، وعلى رأسها شرط عدم الإنجاب، وحرمانها من أمومتها.
أعمى الحب بصر حواء وبصيرتها، فضحّت بكل شيء في مقابل الحصول على الحب، وحرصت على أن تكون الحبيبة والزوجة التي تقوم بكل واجباتها تجاه بيتها وزوجها. لكن ومع تكرار خذلان المحبوب لها، بدأت تصحو من الوهم الذي أدخلت نفسها فيه، واكتشفت أن زوجها نرجسي قاس وأناني ومستبد ومتطلّب، لا يهتم سوى بنفسه، وما يريده، لا يجيد التعاطف مع أحد، ويتلاعب بها، وينتقدها على كل شيء، ولا يحترم مشاعرها، ويقلل من شأنها، ويقزّم من أعمالها وكل ما تقوم به، في مقابل تعظيمه لكي ما يقوم به.
ومع عودة الوعي لحواء أدركت عمق المأساة التي دخلتها بهذا الزواج. وكان عليها أن تبدأ رحلة الكفاح وهي تتأرجح بين شعورين؛ الأول أنها لا يمكنها أن تعيش تابعا لرجل نرجسي يتلاعب بها وبمشاعرها، فقد استطاعت كشف أغواره بحكم تخصصها في الطب النفسي، والثاني أنها لا تريد لحكاية حبها الذي انتظرته طويلا أن تنتهي بالفشل السريع، فتحولت حياتها إلى جحيم وصراع يفتك بها ليل نهار.
لم يخف آدم ماضيه وعلاقاته السابقة عن حواء، وبحدس المرأة كانت تدرك ذلك الماضي، حتى لو لم يخبرها به، ولم يكن ذلك الماضي يعني لها شيئا، فالأسوأ في علاقة المحبوب بحواء ممارسته مختلف أنواع العنف النفسي واللفظي وحتى الجسدي ضدها، الأمر الذي استنكرته ولم تطق احتماله، فبدأت بمواجهته والتصدي له وعدم السكوت عن حقوقها، ما عدّه تجرّؤا عليه، فأسفر عن وجه قبيح، لم تعرفه حواء من قبل! وبدت لها ازدواجية شخصية آدم، فهو يعيش حالة تشبه الفصام، له وجوه عديدة كمن يرتدي الأقنعة، ظاهره شيء، وباطنه شيء، أمام الناس يحافظ على صورة معينة متصنعة، وحقيقته عكس ما يبدو عليه، بدا لها أشبه بشخص مصاب بجنون العظمة وواقعه بائس.
صبرت حواء على أمل أن يتغير آدم، ويصبح المحبوب الذي حلمت به، لكن أحلامها تبخرت بمرور الوقت، وآدم يزداد عنجهية ونرجسية وعنفا، ولا جديد في حياة حواء مع المحبوب فهي أقرب لخادمة في حياته، تتحمل العمل الشاق والتقريع المستمر والسخرية والتنمر والضرب أحيانا. لم يغير من ذلك أنها أصبحت متفرغة له في بيته، بعد أن خسرت عملها، ولا سفرهما إلى إحدى الدول الأوربية للعيش هناك، بعدما تقاعد أيضا من عمله. استمرت الحالة في التدهور، وزاد تعامله السيئ في التعجيل بالنهاية التي لا بد منها؛ فالعلّة ليست في الأمكنة أو الأزمنة، بل في المحبوب في أي مكان وأي زمان!
استعادت حواء رباطة جأشها مثل عنقاء تنبعث من رمادها، ومضت إلى شق طريقها في بلاد الغربة، حيث لا أمل لها في العودة إلى بلدها سورية في ظل ما يجري فيها؛ لذلك استأجرت بيتا وبدأت تجهزّه لتسكن به. لم يرحمها آدم خلال هذه الفترة فكان يحاصرها في الوقت ويطاردها لتسرع وتخرج من حياته، معتقدا أنه بذلك سيكسرها ويرغمها على العودة إليه صاغرة، وأنها لا يمكنها العيش بدونه، وفوق ذلك لا يتورع عن إبداء نوع من الرفق بها أحيانا بقصد استغلالها في بعض شؤون حياته طوال الفترة التي وقع فيها الطلاق وفي انتظار اكتمال إجراءاته.
انتهت الرواية نهاية مفتوحة تاركة موضوع عودة حواء لآدم معلّقة بعد أن راح يحاول فتح صفحة جديدة معها، لم تحسم حواء أمرها، ووجدت نفسها تتأرجح بين يقينها بحقيقة المحبوب وعيوبه وأنه لن يتغير وعدم جدوى العودة إليه، وبين حبها الذي ضحت بكل شيء من أجله، وعدم رغبتها في موته.
هل هناك أمل؟! ربما ترك النهاية مفتوحة على ذلك النحو تشير إلى أن قضية المرأة لم تحل بعد، وأن مسيرة كفاحها لم تنته.
في التعقيب على الرواية أقول:
الرواية نسوية بامتياز، سعت إلى الكشف عن واقع المرأة وعلاقتها بالرجل في ظل المجتمعات الشرقية، والعربية على وجه الخصوص، متخذة من آدم رمزا للرجال، وحواء رمزا للنساء، والثقافة الذكورية التي تحكمهما، تلك الثقافة التي أنتجت نساء حالمات، وذكورا نرجسيين، وحينما تلتقي الحالمة بالنرجسي يكون الخذلان. وتحت وطأة هذه الثقافة الذكورية لا يختلف المثقف عن غيره، فهي ضاربة بجذرها عميقا وتفعل فعلها، ولعل هذا سبب اختيار الكاتبة لشخصيات مثقفة لأبطال روايتها، وإذا كان هذا حال النخبة المثقفة، فلنا أن نتخيل تأثير تلك الثقافة على غير المثقفين من عوام الناس، وهو ما يفسر لنا ما نشهده من عنف ضد المرأة في مختلف أرجاء العالم حتى يومنا الحالي.
ظاهريا ذهب عهد المرأة القاصرة التابعة المظلومة والساكتة عن حقها، فقد أصبحت كاتبة وقاضية وطبيبة ومعلمة وسياسية تقود دول، وهي في الأصل صانعة أجيال، ولكن الحفر عميقا يكشف عما تعانيه المرأة، ولا سيما في قاع المجتمع، ولذلك لا بد من استمرار النضال والدفاع عن حق المرأة في أن تكون شريكة للرجل لا تابعا له.
أخيرا، رواية ليالي الخذلان انتصار للمرأة وهذا حق، وانتصار لإنسانية الإنسان، وأن نعمل كلنا ذكورا وإناثا لتأسيس شراكة حقيقية بين الرجل والمرأة تقوم على التكامل بينهما لا التفاضل، وتحقيق مستقبل أفضل لحياة الإنسان.
ليالي الخذلان هي صرخة مدوّية للمرأة، حواء في وجه الظلم والعنف الذي تتعرض له النساء في كل زمان وكل مكان، فلعلها تصل وتحدث فرقا في قابل الأيام.







قراءة جميلة من الكاتب “عبد المجيد عرفة” لرواية “ليالي الخذلان” للروائية والناقدة والأكاديمية السورية “أسماء معيكل” الرواية تتحدث عن مشكلة إجتماعية بين الزوج والزوجة لتؤدي الى الطلاق ، كُلٍ يتحدث عن الأسباب للطلاق، وتقييم العلاقة الزوجية وإنعكاسات الوضع المادي والإجتماعي العائلي على العلاقة الزوجية. لنعمل جميعاً لتأسيس شراكة حقيقية بين الرجل والمرأة تقوم على التكامل بينهما لا التفاضل، وتحقيق مستقبل أفضل لحياة الإنسان.