
شهد اليوم الرابع من معركة “ردع العدوان” (30 تشرين الثاني 2024)، تحوّلاً حاسماً في المشهد العسكري شمالي سوريا، مع انهيار غير مسبوق لقوات نظام الأسد وميليشياته داخل مدينة حلب، التي باتت معظم أحيائها خارج سيطرته للمرة الأولى منذ سنوات.
جاء ذلك بالتزامن مع توسّع مناطق التحرير في ريف إدلب الشرقي والجنوبي وصولاً إلى معرة النعمان، واستكمال السيطرة شبه الكاملة على محافظة إدلب، إضافة إلى تقدم نحو الحدود الإدارية لمحافظة حماة.
وفي اليوم الرابع، ظهر نظام الأسد في موقف دفاعي بحت، حيث لم تصدر تصريحات رسمية واضحة عنه، واكتفت وسائل إعلامه بالحديث عن “إعادة تموضع” في حلب و”إحباط محاولات تسلل” في إدلب، في حين تصاعدت الأسئلة السياسية عن مستقبل المنطقة، وموقع تركيا وروسيا وإيران وإسرائيل من التطورات.
حلب.. مدينة “تُسلّم نفسها”
كان العنوان الأبرز ليوم “30 تشرين الثاني”، الانهيار الكبير والمتسارع لخطوط النظام داخل مدينة حلب، التي بدت منذ الساعات الأولى لليوم الرابع من المعركة، وكأنها تُسلّم من الداخل أكثر مما تُنتزع بالاقتحام، كما جرى خلال الأيام الثلاثة السابقة في ريفها الغربي.
“ردع العدوان”.. قصة اليوم الأول الذي غيّر كل شيء في سوريا
28 تشرين الثاني.. حين طرقت فصائل “ردع العدوان” أبواب حلب
ووفق تغطية تلفزيون سوريا ومصادر ميدانية متقاطعة، كانت فصائل “ردع العدوان” قد دخلت، منذ مساء 29 تشرين الثاني، إلى أحياء عديدة شملت: “الكلاسة، بستان القصر، السكري، صلاح الدين، سيف الدولة” في القسم الشرقي، بعد سيطرتها سابقاً على معظم الأحياء الغربية.
مع صباح اليوم التالي، أظهرت تسجيلات مصوّرة انسحاباً منظّماً لقوات النظام من وسط حلب ومحيط قلعة حلب، مع ترك الحواجز والمقار الأمنية من دون عناصر، ما عزّز الانطباع بأن المدينة شهدت انهياراً دفاعياً ومعنوياً سريعاً، لا معارك استنزاف طويلة، كما تحدّثت مصادر محلية عن فرار محافظ حلب وعدد من القيادات الأمنية باتجاه الريف الجنوبي.
في المقابل، حافظ النظام على وجود محدود في “الأكاديمية العسكرية” ومحيطها، إلا أن تقارير تلفزيون سوريا أكّدت أن هذا الوجود أقرب إلى جيوب محاصَرة بلا فعالية، مع انتشار الفصائل في معظم الأحياء الحيوية داخل المدينة وكامل ريفها الغربي والشمالي، بما فيها بلدتا “نبل والزهراء”.
وأفادت “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا”، بأنّ ميليشيا “لواء القدس” التابعة للنظام، فرّت من مخيم النيرب للاجئين الفلسطينيين شمال شرقي حلب، ودخلته الفصائل دون قتال، حيث قال أحد المحللين العسكريين لـ تلفزيون سوريا: إنّ ما جرى يشكّل “أكبر انهيار للنظام منذ 2015″، قياساً إلى حجم المدينة وأهميتها الاستراتيجية.
وبعد السيطرة على معظم أحياء مدينة حلب، شنّت طائرات حربية -تابعة لـ قوات نظام الأسد- فجر (30 تشرين الثاني 2024)، غارات على أحياء سكنية في المدينة، وارتكبت مجزرة عند “دوّار الباسل” راح ضحيتها قرابة 16 مدنياً وإصابة أكثر من 70 آخرين.
كذلك، أفاد مراسل تلفزيون سوريا بمقتل الناشط الإعلامي (مصطفى الساروت)، برصاص “وحدات حماية الشعب – YPG”، استهدفت سيارةً كانت تقله في حي الأشرفية بمدينة حلب، خلال مشاركته في تغطية عملية “ردع العدوان”.
وأشارت مصادر محلية، إلى أنّ قوات “YPG” (المتمركزة إلى الآن في حيي الشيخ مقصود والأشرفية)، استغلت انسحاب قوات نظام وتقدّمت في حيي الهلك وبستان الباشا، كما تسلّمت من النظام مطار حلب الدولي، قبل أن تسيطر عليه لاحقاً، فصائل “ردع العدوان”.
“فجر الحرية”.. فتح الجبهة الشرقية لـ حلب
لم تكن “ردع العدوان” وحدها على خريطة العمليات، فقد أطلقت فصائل الجيش الوطني السوري عملية موازية في ريف حلب الشرقي تحت اسم “فجر الحرية”، مستهدفة قوات النظام و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) معاً.
وفي بيانها، أوضحت فصائل “فجر الحرية” أن العملية تهدف إلى:
-تنسيق جهود القوى الثورية لاستعادة الحقوق وبسط الأمن.
حماية المدنيين في المناطق المحررة سابقاً والجديدة.
التأكيد على حق المهجرين في العودة إلى ديارهم وإنهاء معاناتهم.
وأعلن الجيش الوطني السيطرة في يوم واحد، على 20 بلدة وقرية، أبرزها: “تادف، طومان، الشماوية، شيخ دان، خربشة، عران، دير قاق، بريج، تل القبان، المشرفة، عويشة، جب سلطان، أبو جبار” وغيرها في منطقة الباب شرقي حلب.
وأشار الجيش الوطني إلى استيلائه على دبابات وراجمات صواريخ وعربات مدرعة وذخائر تعود لقوات النظام و”قسد”، ما يعني أن العملية لم تقتصر على فتح ثغرات في خطوط التماس، بل أسفرت أيضاً عن استنزاف مباشر لقدرات النظام وعتاده.
بهذا التزامن بين “ردع العدوان” في غربي حلب وإدلب، و”فجر الحرية” في شرقي حلب، وجد نظام الأسد نفسه تحت ضغط ثلاثي: (حلب المدينة، ريف حلب الشرقي، كامل محافظة إدلب)، على امتداد جغرافي واسع قٌدّر بنحو 850 كليومتراً مربعاً، يصعب عليه إسناده أو الدفاع عنه.
وبالتوازي أيضاً، أفادت مصادر خاصة لـ تلفزيون سوريا، بأنّ “جيش سوريا الحرة” في منطقة التنف عند المثلث الحدودي (سوريا، الأردن، العراق) شرقي حمص، رفع الجاهزية القتالية في منطقة انتشاره، عقب سيطرة فصائل “ردع العدوان” على مساحات واسعة في حلب وإدلب وحماة.
إدلب.. استكمال التحرير والوصول إلى مشارف حماة وشمالي حمص
بالتوازي مع تحوّلات حلب، كانت إدلب تعيش يومها الفاصل، فقد أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” استكمال السيطرة على كامل محافظة إدلب تقريباً، مع التوسع جنوباً وشرقاً على محاور الطرق الدولية.
ففي ريفي إدلب الشرقي والجنوبي سيطرت الفصائل على عشرات البلدات والقرى، أبرزها: “كفرومة، الدير الغربي، بسيدا، معرحطاط، حيش”، قبل أن يُعلن لاحقاً تثبيت السيطرة على كامل مركز مدينة معرة النعمان وريفها، بعد تحرير أكثر من 50 بلدة وقرية خلال ساعات.
وأظهرت تسجيلات حصل عليها تلفزيون سوريا: “عربات للنظام متروكة على الطرقات، نقاط محصنة أُخليت على عجل، انهيار الخطوط الدفاعية الأولى كلياً”.
كذلك، سُجّل تقدّم للفصائل في ريف حماة الشمالي، بينما بدأت قوات النظام بتحصين مواقعها حول مدينة حماة، وإنشاء خط دفاعي يبعد نحو 7 كم عن مركزها.
وقالت مصادر خاصة لـ تلفزيون سوريا، إنّ قوات نظام الأسد انسحبت من مطار حماة العسكري، كما شوهدت أرتال عسكرية تتجه نحو محافظة حمص، إضافة إلى تجمع آخر يستعد للانسحاب قرب دوار السباهي.
وفي محافظة حمص، بدأت “قوات الأسد” بالانسحاب من “كتيبة الهندسة” في مدينة الرستن بالريف الشمالي، وأخلت حاجز الجسر ومبنى مديرية الناحية في مدينة تلبيسة المجاورة، والتي سيطر عليها أهالي المدينة.
“بشار الأسد يعود من روسيا وسط قلق داخل النظام”
وفي مساء “30 تشرين الثاني”، أكّدت مصادر خاصة لـ تلفزيون سوريا، أنّ بشار الأسد عاد من العاصمة الروسية موسكو، مشيرةً إلى وجود قلق حقيقي داخل دوائر النظام.
وكان “الأسد” قد أجرى زيارة سرية إلى موسكو -يُشار إلى أنّها بسبب حضوره حفل تخرّج ابنه (حافظ)- تزامنت مع إطلاق الفصائل عملية “ردع العدوان”، التي تمكّنت خلالها من السيطرة على مساحات واسعة في محافظات إدلب وحلب وحماة.
وعقب وصوله، أجرى “الأسد” مباحثات مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، تناولت المستجدات في سوريا وعدداً من القضايا العربية والدولية، حيث أشارت “سانا”، حينذاك، أنّ “السوداني أبدى استعداد العراق لتقديم كل الدعم للنظام لـ(مواجهة الإرهاب وكل تنظيماته)”.
كذلك، أفادت “سانا” بأنّ الرئيس الإماراتي محمد بن زايد بحث مع “الأسد” التطورات الأخيرة في سوريا، قائلاً: إنّ “النظام قادر بمساعدة حلفائه، على مواجهة (الإرهابيين وداعميهم مهما اشتدت هجماتهم)”.
“العراق.. بين تهديد الميليشيات وإغلاق الحدود”
على الضفة الشرقية من سوريا، جاء موقف العراق في اليوم الرابع لـ”ردع العدوان” مزدوجاً، فمن جهة هدّدت ميليشيات عراقية مدعومة من إيران، مثل “حركة النجباء” و”كتائب سيد الشهداء”، بالتدخل عسكرياً داخل الأراضي السورية لـ”مواجهة الفصائل”.
من جانبها، تبنّت الدولة العراقية خطاباً مغايراً وأكثر تحفظاً، إذ أكّد نائب قائد العمليات المشتركة وقادة حرس الحدود أن الحدود العراقية-السورية “مؤمّنة ومحصّنة بالكامل” بالتحصينات والكتل الأسمنتية ومراقبة بالطائرات المسيرة.
وفي مساء اليوم نفسه، أعلنت الحكومة العراقية إغلاق الحدود مع سوريا بشكل كامل وتجهيز خطوط إسناد قوية على طول الشريط الحدودي، في رسالة واضحة بأنّ العراق يريد حصر دوره في حماية أراضيه ومنع أي اختراق، دون الانجرار رسمياً إلى قلب المعركة الدائرة في سوريا.
“تركيا وروسيا وإيران وإسرائيل”
قبل اليوم الرابع بيومين، قالت مصادر أمنية تركية إنّ عملية “ردع العدوان” تقع داخل حدود منطقة “خفض التصعيد” المتفق عليها في إدلب بين تركيا وروسيا وإيران، عام 2019، وأن أنقرة تتابع من كثب تحركات الفصائل، وقد اتخذت كل الاحتياطات لضمان أمن قواتها في المنطقة.
وفي قراءة أعمق نُشرت على موقع تلفزيون سوريا، أشار محللون إلى أنّ أنقرة ترى في دعم العملية وسيلة للضغط على “الأسد” من أجل انتزاع تنازلات سياسية وأمنية، مع الإبقاء على قواتها وقواعدها العسكرية في الشمال، ما يفسّر صمتها العسكري المباشر، مقابل ضوء أخضر غير معلن لحركة الفصائل.
وبالنسبة لـ روسيا، اكتفت بغارات محدودة، دون أن تدخل بثقلها، كما فعلت في معارك سابقة، حيث قرأ بعض المحللين هذا الموقف كإشارة إلى برود تجاه نظام الأسد، أو ربما جزء من تفاهمات أوسع تتعلق بإعادة ترتيب السلطة والنفوذ شمالي سوريا.
وقد رصد تلفزيون سوريا، غارات جوية لطائرات حربية روسيّة، استهدفت أحياء سكنية في إدلب، وأطراف مدينة الباب في ريف حلب الشرقي، أوقعت ضحايا مدنيين -بينهم أطفال وامرأة- في بلدة عران جنوبي الباب.
وسبق أنّ وصف “الكرملين” دخول فصائل “ردع العدوان” مدينة حلب، بأنّه “انتهاك للسيادة السورية”، داعيةً “الأسد” إلى “فرض السيطرة وإعادة النظام الدستوري بأقرب وقت ممكن”.
أمّا الاحتلال الإسرائيلي فقد أكّد وجود تنسيق وثيق مع الجيش الأميركي، تحسّباً من انهيار نظام الأسد وتداعياته، مشيرةً إلى أنّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أجرى مشاورات أمنية عاجلة بشأن التطورات في سوريا.
الموقف الإيراني من “ردع العدوان”
وثّق موقع تلفزيون سوريا، أولى ردود الفعل الرسمية الإيرانية على معركة “ردع العدوان”، في 30 تشرين الثاني، حيث حاول وزير الخارجية الإيراني ومتحدثه التهوين من أخبار تحرير حلب، واعتبار ما يجري جزءاً من “مؤامرة لإعادة تفعيل المجموعات المسلحة” في سوريا.
وركّز الإعلام الإيراني الرسمي وشبه الرسمي على: نفي “شائعات سقوط حلب”، والتحذير من تهديد “منجزات مكافحة الإرهاب”، والدعوة إلى تنسيق إقليمي مع “جيران سوريا” لاحتواء ما وُصف بأنه “مؤامرة خطيرة”.
والأهم أن بعض المسؤولين الإيرانيين ربطوا توقيت المعركة بـ”وقف إطلاق النار في جنوبي لبنان”، ملمّحين إلى أن إطلاق “ردع العدوان” في اليوم نفسه الذي بدأ فيه تنفيذ اتفاق التهدئة على الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية ليس مصادفة، بل جزء من مخطط لفكّ الارتباط بين جبهات “محور المقاومة” وإرباكه.
نبض الشارع السوري.. أمل في الشمال وترقّب في دمشق
في الشمال السوري (إدلب وحلب وريفهما)، كان المزاج مختلطاً، شعور بالاعتزاز بعد تحرير حلب ومعرة النعمان وأجزاء واسعة من الريف، مقابل خوف مشروع من “مرحلة ما بعد المعركة”: الفراغ الأمني، وشكل الإدارة المدنية، وعودة النازحين، وانتقام محتمل عبر الجو من النظام وحلفائه.
أمّا في العاصمة دمشق، فقد رصدت تقارير تلفزيون سوريا أحاديث خافتة وقلقاً من انفلات الوضع الأمني وتوسّع رقعة المعارك، في حين تابع كثيرون تطورات حلب وإدلب عبر الشاشات والهواتف، في إحساس بأن ما يجري في الشمال قد يغيّر مستقبل العاصمة نفسها.
وبالنسبة لـ عموم السوريين -في كلّ مكان- الذين تابعوا أحداث اليوم الرابع عبر الشاشات أو من نوافذ بيوتهم، لم يكن الأمر مجرد تبدّل ألوان على خريطة السيطرة، بل بداية شعور حقيقي بأن الحقبة التي بدأت في آذار 2011 تقترب من نهايتها، وأن معركة “ردع العدوان” لم تعد مجرد عملية “ردع” في الشمال السوري، بل عنوان مرحلة جديدة ستعيد رسم خريطة القوة والسلطة في سوريا لعقود مقبلة.
لماذا كان (30 تشرين الثاني) يوماً غيّر قواعد اللعبة؟
يمكن تلخيص أهمية اليوم الرابع من “ردع العدوان” في ثلاث نقاط مفصلية:
استكمال تحرير حلب وكامل إدلب والوصول إلى مشارف حماة في يوم واحد، ما بدّد سردية أن نظام الأسد قادر على الاحتفاظ بمدنه الكبرى حتى لو خسر الأرياف.
فتح جبهة شرقي حلب بعملية “فجر الحرية”، ما وسّع جغرافيا الاستنزاف وهدّد تماس نظام الأسد مع مناطق “قسد”، ومع طرق إمداده شرقاً.
كشف هشاشة بنية نظام الأسد وحلفائه: غياب واضح للحضور البري الإيراني، واكتفاء روسي بغارات جوية محدودة، وارتباك سياسي في دمشق وطهران، مقابل حضور ميداني وسياسي لـ”إدارة العمليات العسكرية”.
بهذا المعنى، لم يكن “30 تشرين الثاني” مجرد يوم نجاح ميداني في سجّل معركة “ردع العدوان”، بل كان فعلاً بداية الانهيار الكلّي لنظام الأسد، كما ستُظهره الأيام اللاحقة، وانطلاق مرحلة جديدة من الأسئلة الصعبة: مَن يحكم هذه الجغرافيا المحرّرة؟ ولحساب مَن ستُترجم هذه الانتصارات على الأرض؟
المصدر: تلفزيون سوريا






