
عاد الجرس المدرسي ليقرع في مدارس شمالي وشمال شرقي حلب، بعد أشهر من الإغلاق المتقطع الذي فرضه إضراب المعلمين منذ انطلاق العام الدراسي 2025/2026، واستئناف الدوام شمل مختلف المراحل التعليمية، في خطوة بدت أقرب إلى تسوية اضطرارية منها إلى انفراج حقيقي، إذ عاد المعلمون إلى صفوفهم رغم بقاء معظم مطالبهم معلقة، ربما كان المطلب الوحيد الذي تحقق، وفق متابعين، هو لقاء مباشر مع مدير التربية وسماع تعهداته شفهياً بشأن حزمة مطالب تتصدرها زيادة الرواتب وتسريع إجراءات التثبيت الوظيفي.
بداية آذار/مارس الجاري، زار مدير تربية حلب أنس قاسم مركز منطقة أعزاز، والتقى ممثلين عن لجان الإضراب، ليخرج الاجتماع بجملة قرارات أبرزها إعلان فك الإضراب واستئناف العملية التعليمية في جميع مدارس المنطقة، كما تعهّد قاسم بحل ملف الدمج الإداري ومعالجة مشكلات المعلمين المرتبطة به خلال مدة أقصاها شهران، مؤكداً الالتزام بمتابعة حقوق الكوادر التعليمية والعمل على حلول عملية تضمن استقرار القطاع التعليمي، وهذه الوعود شكلت الأرضية الإجرائية لإنهاء الإضراب، لكنها أبقت الأسئلة مفتوحة حول قابلية التنفيذ ضمن سقف زمني واضح.
وساطات محلية
قبل هذا التطور وعودة المدارس إلى العمل، تحركت مسارات وساطة محلية قادها وجهاء وأعيان في مارع، حيث عقد ممثلو لجان الإضراب سلسلة اجتماعات هدفت إلى كسر الجمود وتهيئة أرضية تفاهم تعيد فتح المدارس، تلك المساعي أفضت إلى استجابة جزئية من المعلمين وعودة محدودة للدوام في بعض المدارس، ما شكل خطوة تمهيدية للاتفاق الأوسع الذي أُعلن لاحقاً في أعزاز، غير أن هذا المسار، رغم أهميته، لم يبدد شعوراً واسعاً لدى الكوادر التعليمية بأن جوهر المطالب بقي معلقاً، وأن الحراك الاحتجاجي الطويل لم يترجم إلى نتائج ملموسة، خصوصاً في ملف الرواتب المتدنية التي يقول معلمون التقاهم موقع تلفزيون سوريا، إنها لا تغطي مصاريف الأسرة إلا لأيام معدودة من الشهر.
معلمون تحدثوا لموقع تلفزيون سوريا وصفوا المرحلة بأنها اختبار قاسٍ بين الالتزام المهني والضغط المعيشي، وأشاروا إلى أنهم وجدوا أنفسهم “بين نارين”، وزارة لا تتعامل بجدية كافية مع المطالب المتراكمة، وطلاب مهددون بخسارة عام دراسي كامل إذا استمر الإضراب، المعلم محمد جمال قال لموقع تلفزيون سوريا، إن العودة إلى الصفوف قرار مؤلم لكنه اضطراري، موضحاً أن الكوادر التعليمية استنفدت أدوات الضغط المتاحة، من إضرابات ووقفات احتجاجية، دون جدوى تذكر، ما دفعها إلى تغليب مصلحة الطلاب على مكاسب لم تتحقق.
المشهد نفسه يتكرر في عموم مناطق “درع الفرات” سابقاً بريف حلب الشمالي، حيث لا يزال الدوام في عدد من المدارس جزئياً ومتقطعاً، إدارات مدرسية تعتمد جداول مخفضة، ودمج شعب دراسية، وتقليص حصص، كحلول إسعافية للإبقاء على الحد الأدنى من استمرارية العملية التعليمية، وهذا النمط من الإدارة بالأدوات المؤقتة يعكس هشاشة البنية الإدارية والتمويلية للقطاع، ويكشف فجوة بين متطلبات الاستقرار التعليمي والموارد المتاحة في المنطقة التي ما تزال تعاني من مشكلات الدمج الإداري.
الطلاب بين خسارة العام وكلفة البدائل
الضرر الأكبر طال الطلاب خلال العام الدراسي 2025/2026، نتيجة طول فترات الإضراب وقلّة أيام الدوام الفعلي، وما رافق ذلك من انقطاع في التسلسل التعليمي وتراجع في التحصيل، ومع اتساع الفجوة بين الخطة الدراسية المنصوص عليها والزمن التعليمي المتاح، وجدت عائلات نفسها مضطرة للبحث عن بدائل تضمن الحد الأدنى من الاستقرار التعليمي، بعض الأسر لجأت إلى المدارس الخاصة ذات الأقساط التي تعد معقولة نسبياً مقارنةً بنظيراتها في مدن كبرى مثل حلب ودمشق وحمص، إلا أن هذا الخيار بقي محدوداً ومحكوماً بالقدرة المادية، في ظل تدهور الدخل وارتفاع كلفة المعيشة.
عدد من أهالي الطلاب في اعزاز تحدثوا لموقع تلفزيون سوريا، وصفوا العام الدراسي الحالي بأنه الأصعب تعليمياً على أبنائهم، مع ما خلفه من ارتباك نفسي وضغط دراسي وتراجع في الدافعية، أبو أحمد من إعزاز، وهو أحد أولياء الأمور، قال إن أبناءه تضرروا كثيراً من جراء الانقطاعات المتكررة، مضيفاً أن الأسرة لا تملك رفاهية نقلهم إلى مدارس خاصة، ما جعلهم ضحايا ما سماه “شد الحبال” بين المعلمين ووزارة التربية، وأشار إلى أن أحد أبنائه في المرحلة الإعدادية فقد الحافز الدراسي تدريجياً، وباتت الأسرة تتحمل أعباء دروس خصوصية لتعويض الفقد التعليمي، وهو عبء إضافي على ميزانية منزلية مثقلة أصلاً.
ويؤكد معلمون التقاهم موقع تلفزيون سوريا أن استمرار الوضع الراهن يفاقم الفجوة التعليمية ويهدد جودة المخرجات على المدى المتوسط والبعيد، محذرين من تراكم فجوات معرفية يصعب ردمها لاحقاً، ويشدد هؤلاء على أن أي استقرار حقيقي للعملية التعليمية في الشمال يمر عبر معالجة جذرية للملفات المعيشية والإدارية، لا الاكتفاء بتعهدات عامة، ووفق مصادر محلية متطابقة من لجان الإضراب تحدثت لموقع تلفزيون سوريا، فإن المعلمين عادوا إلى العمل بعد تلقي وعود بأن مطالبهم ستنفّذ بالكامل مع بداية العام الدراسي القادم، وفي مقدمتها زيادة الرواتب بمستوى يكفل للمعلم تغطية مصاريف أسرته والعيش بكرامة.
استئناف الدوام في اعزاز وعموم مناطق شمالي وشمال شرقي حلب، وقبلها في مناطق إدلب وشمالي حماة، خطوة أنهت شللاً تعليمياً استمر أشهراً، لكنها لا تغلق ملف الأزمة، فبين وعود الوزارة وضغوط الواقع، يبقى الاختبار في ترجمة التعهدات إلى قرارات نافذة تعالج الرواتب والتثبيت وملف الدمج ضمن أطر زمنية واضحة، دون ذلك، سيظل التعليم عرضة لاهتزازات دورية، ولن يكون المعلمون راضون وهو ما قد يدفعهم للاحتجاج مرة أخرى، وسيبقى الطلاب الحلقة الأضعف في معادلة تتطلب حلولاً مستدامة تتجاوز المسكنات المرحلية.
المصدر: تلفزيون سوريا






