مجسمات على الخطوط وسلاح بالأنفاق.. ما التكتيكات التي فتحت حلب في ردع العدوان؟

عمر حاج حسين

قبل شهرين من معركة ردع العدوان التي أدت في النهاية إلى تحرير سوريا وسقوط نظام الأسد، كانت المؤشرات الأولى تتشكل شمال غربي سوريا، على هيئة تسريبات مبهمة تتحدث عن تحضيرات عسكرية استثنائية في ريف حلب الغربي وريف إدلب الشرقي، قبل أن تتكشف تدريجياً عبر خطوات عملية لافتة، أبرزها خصم رواتب موظفي حكومة الإنقاذ وتوجيه تعزيزات يومية نحو خطوط التماس مع النظام البائد، مع غموض هيمن على المشهد بالكامل، رافقه وسط صمت دولي وإقليمي.
ومع اقتراب الموعد، أخذت تلك الإشارات طابعاً أكثر وضوحاً، إذ انتشرت تسريبات قبل نحو 25 يوماً من العملية تشير إلى أن الوجهة هي مدينة حلب، وأن ساعة الصفر باتت وشيكة، رغم غياب أي تأكيد رسمي من أي جهة، بالإضافة لتسريبات بعقد اجتماعات بين هيئة تحرير الشام وفصائل الجيش الوطني السوري، لإطلاق معركة مشتركة ضد نظام الأسد البائد.
في تلك الفترة المشحونة بالترقب، يروي القيادي في حركة نور الدين الزنكي، محمد بركات، أنه كان يواجه أسئلة لا تهدأ من عسكريين ومدنيين حول حقيقة المعركة وقرب اندلاعها، ولكن كنت أقول للجميع إن الفصائل قادرة على دخول حلب، لكن ما لم أكن أعرفه هو توقيت العملية وما سيواجهه المقاتلون عند الاقتحام”.
ويُضيف بركات في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: “كان التخطيط العسكري يجري منذ شهرين كاملين قبيل اندلاع المعركة، فقد كانت سرايا النخبة والعصائب الحمراء وسرايا الحراري تنفذ بشكل شبه يومي عمليات تسلل نحو الخطوط الأولى حول حلب، بهدف رسم خرائط تفصيلية لحقول الألغام المنتشرة على امتداد الجبهة، بالإضافة إلى تعطيل صواعق تلك الألغام، لتبقى الحقول موجودة ومرئية أمام جنود نظام الأسد، ليمنحهم شعوراً بالأمان، بأنها كفيلة بإفشال أي هجوم مفاجئ.
وقال: “قبل 20 يوماً من المعركة بدأت هيئة تحرير الشام بالتعاون مع فصائل الجيش الوطني على نشر مجسمات لمدفعية ودبابات على خطوط التماس بريف حلب الغربي، في حين كان السلاح الحقيقي يُنقل ليلاً إلى أنفاق وحفر مجهّزة مسبقاً، وأما العتاد الثقيل، فكان يُرسل إلى الجبهات بغطاء شوارد تحمل إعلانات تصدر بهدف إيصال المعدات العسكرية للجبهات بعيداً عن الاستطلاع الروسي والإيراني”.
اختراق ومفخخات قبل المعركة
لم تكن التحضيرات للمعركة تجري على خطوط النار فقط، بل في عمق مدينة حلب، وفقاً لـ”بركات” الذي أكّد أنه خلال الأسابيع التي سبقت المعركة، بدأت شخصيات من عشائر محلية في المناطق المحررة بالتواصل مع شخصيات مقربة من لواء الباقر في مدينة حلب، من باب الحرص على أبناء عشيرتهم وعدم التعرض لهم مقابل مكاسب مادية، لتتحول مع الوقت إلى قيام شخصيات من العشائر بعرض للواء، انتهى بعد محاولات عديدة بالتوصل إلى اتفاق يقضي بالتزام اللواء بتحييد قواته في حال حدوث معركة، وعدم استهداف مواقعه داخل مدينة حلب، مقابل تمرير معلومات حول التحركات العسكرية الحساسة لقوات نظام الأسد البائد.
وأشار إلى أنه وبعد الوصول إلى الاتفاق، دخل سبعة مقاتلين من فصائل المعارضة إلى مدينة حلب، وتركزوا في أماكن قرب مواقع اللواء، دون أن يحملوا سلاحاً، ولكن بعد أسبوعين زوّدوا بأسلحة قادمة من الريف الشمالي، عبر خطوط التهريب.
ولكن التطور الابرز أيضاً، كما يروي بركات، أن المعركة ساندها أيضاً مجموعة شبان يعملون في مجال الاختراق الإلكتروني مقيمون في تركيا وإدلب، إذ عملوا على مساعدة غرفة عمليات ردع العدوان في اختراق أجهزة هواتف عدد من ضباط قوات نظام الأسد، عبر ثغرة تقنية، وإرسال رسائل إلى عناصرهم وزملائهم في جيش الأسد، بهدف بث الرعب في قلوبهم.
يوم المعركة
مع حلول ليلة السادس والعشرين من تشرين الثاني، وتحديداً عند الساعة 7 مساءً، بدأ صوت القصف يتصاعد شيئاً فشيئاً حتى غطّى سماء ريف حلب الغربي وأصبح صوته مربكاً لكثافته، وخلال أقل من ساعتين فقط، أصبحت بلدات “الأتارب ودارة عزة والقصر وكفر عمة والإبزمو” تحت نيران قوات النظام البائد، ومع كل ضربة كان الشعور يترسخ بأن المعركة لم تعد احتمالاً، بل بدأت فعلاً.
في تلك اللحظات، خرج الناس إلى الطرقات التي فوجئوا بأنها مجهزة مسبقاً (لا مطبات، ولا عوائق، ومسارات منفصلة لمرور الإمداد العسكري والطبي)، ومع ازدياد القصف، بدأت موجة نزوح كبيرة تتحرك من القرى والبلدات باتجاه مدينتي “الدانا وسرمدا وما حولهما”.
على الجانب الآخر، كان الناشط الإعلامي محمود طلحة ينقل تفاصيل ما يجري في ريف حلب عبر المعرفات الرسمية لـ “غرفة عمليات ردع العدوان”، يقول في حوار خاص مع موقع تلفزيون سوريا: “بدأ هجوم قوات ردع العدوان قرابة الساعة 12 بعد منتصف ليلة الـ26 تشرين الثاني، باتجاه بلدة قبتان الجبل التي تتميز بطبيعتها الجغرافية الوعرة، إذ ضمت القوات مجموعات عسكرية متنوعة، شملت عناصر من “هيئة تحرير الشام والجبهة الشامية ونور الدين الزنكي وفرقة السلطان سليمان شاه والجبهة الوطنية والحزب الإسلامي التركستاني وأحرار الشام وأنصار التوحيد”، بعدما توزعت على خمسة محاور قتالية.
وأوضح طلحة أن الاشتباكات بدأت بإسناد جوي من مسيرات “الشاهين” التي عملت على استهداف مدافع النظام البائد وحقول الألغام المتبقية، لتدور معركة عنيفة، انتهت قرابة الساعة الخامسة فجراً، بالسيطرة على البلدة وعشرة قرى محيطة بها، واستشهاد قرابة 25 عنصراً وإصابة أكثر من 30 من غرفة عمليات ردع العدوان.
وعند حلول الساعة الواحدة من اليوم التالي الموافق 27 تشرين الثاني، خرج العميد “حسن عبد الغني” في بيان مرئي، معلناً انطلاق “عملية ردع العدوان”، وبعدها، تحركت المجموعات العسكرية للغرفة نحو “الفوج 46” الذي يعد أبرز مواقع النظام في ريف حلب الغربي، ليتم السيطرة عليه بعد مضي قرابة 7 ساعات، إذ فشلت قوات غرفة العمليات المحاولات الخمس الأولى من اقتحام الفوج وأسفرت المحاولات الأولى عن استشهاد قرابة 40 عنصراً من قوات “ردع العدوان” حتى تمت السيطرة على الفوج في النهاية.
ومع حلول الليل، وانتهاء السيطرة على الفوج “46”، واصلت غرفة العمليات بالتقدم باتجاه القرى المتاخمة، لتسيطر على قرى “أورم الصغرى وريف المهندسين الثاني وعاجل وكفر تعال وتقاد وبسرطون”، فيما تسللت في تلك الليلة سرايا القنص بلدات “أورم الكبرى وكفرناها  خان العسل وضاحية الراشدين”، والتي أربكت عناصر نظام الأسد وشتتت أهداف الطيران الروسي وطيران نظام الأسد، بقصف مناطق خالية، ومع حلول الساعة الثانية بعد منتصف الليل، كانت حصيلة سيطرة غرفة العمليات تُقدر بـ154 كيلو متراً بريف حلب الغربي، في المقابل ارتفع حصيلة شهداء غرفة العمليات إلى 70 عنصراً، بينما تجاوز عدد المصابين الضعف، وفقاً لـ”طلحة”.
السيطرة على خاصرة حلب
في اليوم التالي، وتحديداً في صباح الثامن من تشرين الثاني، لم يعد الهجوم عشوائياً بعد الخسائر التي تلقتها غرفة العمليات، إذ اتجهت قوات إدارة العمليات العسكرية نحو الجنوب، ووصلت إلى منطقة الزربة ثم قطعت طريق “حلب – دمشق” الدولي، الشريان الذي يزوّد عناصر النظام بالإمداد وخاصة من مدينة سراقب بريف إدلب الشرقي.
ولكن في الجهة المقابلة، حاول عناصر قوات الأسد وبإسنادٍ جوي روسي وسوري مكثف، تثبيت دفاعات جديدة عند أطراف سراقب ولكنها فشلت، بسبب الضغط الذي استمر في ريف حلب الغربي، الذي استطاع كشف مواقع المدفعية وغرف عمليات النظام في سراقب والقرى المحيطة بها، واستهدافها جويّاً عبر مسيّرات “الشاهين”، الأمر الذي خلق حالة من القلق والهشاشة في صفوف قوات الأسد حينذاك.
اقتحام مبنى التدريب الجامعي
وفي اليوم التاسع والعشرون حمل اللحظة القاضية التي غيرت كل المعادلة، مسجلة إحدى أكثر العمليات جرأة، بحسب القيادي في هيئة تحرير الشام “خالد أبو الوليد” الذي يشغل اليوم مسؤولاً أمنياً في مدينة حلب، والذي أكّد أنه في فجر ذلك اليوم، بدأ العاملون في غرفة عمليات ردع العدوان في المجال الإلكتروني والتقني بإختراق هواتف ضباط وعناصر من جيش الأسد، وإرسال رسائل إلى عناصر وقيادات في صفوفهم بالانسحاب وترك سلاحهم بسبب تخلي روسيا وإيران عنهم بالكامل.
وقال: “بعد مضي ساعات قليلة من بدء إرسال الرسائل، أقدمت مجموعة صغيرة كانت قد تسللت مسبقاً لمدينة حلب، على اقتحام مبنى غرفة عمليات النظام المركزية في حي “الفرقان” وسط مدينة حلب، لتدور اشتباكات داخل ممراته ومكاتبه، أسفر عن استشهادهم جميعاً بالاشتباكات.
يقول “أبو الوليد” لموقع تلفزيون سوريا، إنه بالتزامن مع اقتحام مبنى عمليات النظام البائد، انطلقت مسيّرات (الشاهين) من محيط بلدة خان العسل بريف حلب الغربي، واستهدفت أبراج الاتصالات الرئيسية للمبنى، لتخرج عن الخدمة ويتوقف أداء الغرفة نهائيا، وفي تلك الأثناء انتشر الرعب في صفوف قوات الأسد في مدينة حلب بالكامل.
ومع حلول الليل، بدأت قوات النظام البائد بإنشاء خط دفاع عند دواري أبي فراس الحمداني والسلام، حيث عززتهما بالدبابات والمدرعات، ولكن في الجهة المقابلة كان عناصر غرفة عمليات ردع العدوان كانت قد وصلت إلى حي “حلب الجديدة”، لتقوم الغرفة بتفجير عربة مفخخة إلى دوار باب السلام وفجرته بشكل كامل، لتبدأ قوات النظام بالانسحاب، وتتقدم عناصر ردع العدوان نحو ساحة سعد الله الجابري، بعد أن خاضوا اشتباكات مع عناصر فرع “الأمن العسكري” قرب دوار الباسل (سابقا) في حي حلب الجديدة وذلك أثناء انسحابهم، بحسب “أبو الوليد”.
وأوضح أن غرفة العمليات سيطرت في تلك الأثناء، أكثر من ثلاثين دبابة وعشرات المدرعات ومستودعات ذخيرة ضخمة، بعد أن رمى جنود الأسد أسلحتهم في الشوارع وفروا نحو مواقع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، التي تحركت عسكرياً في تلك الأثناء وسيطرت على أحياء الهلك والشعار والخالدية شرقي حلب.
وأشار إلى أنه في تلك الليلة، لم يبقى تحت سيطرة قوات نظام الأسد في مدينة حلب سوى (الأكاديمية العسكرية ومدرسة المدفعية)، اللتان تحصن فيهما مئات الضباط، وعلى إثرها قررت إدارة العمليات التفاوض معهم والتوصل إلى خروجهم بعد منتصف الليل عبر حافلات إلى منطقة خناصر بريف حماة الشرقي، لتصبح بعدها مدينة حلب خالية بالكامل لقوات نظام الأسد البائد.
ومع بزوغ فجر اليوم التالي لتحرير حلب، الموافق 30 من تشرين الثاني، بدأ الرد العنيف والمتوقع، فقد بدأ الطيران الروسي والسوري بشت غارات مكثفة على مدينة حلب وريفها الغربي، مسجلاً مجازر خاصة في الأتارب ودارة عزة وحلب الجديدة، راح ضحيتها قرابة 100 مدني.
الانهيار الأخير
في تلك الأثناء، انسحبت قوات النظام وميليشياته من مواقع حيوية من الريف الشرقي والجنوبي لمدينة حلب، ودخلت قوات “قسد” عوضاً عنها، بدءاًً من “مطار حلب الدولي وصولاً إلى معامل الدفاع في السفيرة”، حيث كان المشهد كارثياً عند قوات نظام الأسد البائد (ضباط عاجزون وجنود يرفضون الأوامر وعتاد ثقيل يُترك خلفهم لتسهيل حركة الهروب، فيما تحولت الاتصالات إلى نقل صور اليأس والانهيار إلى مواقع النظام البائد في إدلب، ما أشعل سلسلة انسحابات متتابعة امتدت جنوباً حتى ريف إدلب).
تزامن الانسحاب المذكور، بتحرك قوات “قسد” أيضاً بالتحرك في منطقة تل رفعت لتوسيع سيطرتها على حساب مواقع نظام الأسد البائد التي انسحبت من بلدتي “نبل والزهراء” ذات الغالبية الشيعية، لكن سرعان ما أعلن الجيش الوطني عن إطلاق عملية عسكرية تحت مسمى “فجر الحرية” من محورين (الريف الشمالي والريف الشرقي)، حيث استطاعت في ساعاتها الأولى السيطرة على مطار كويرس العسكري شرقي حلب، بعد اقتحام مباغت، ثم الفوج 111 والكلية الجوية ومطار حلب الدولي، حتى وصل الجيش الوطني إلى تخوم حلب الشرقية، بعد اشتباكات عنيفة مع “قسد” ليحاصرها شمال المدينة إلى اليوم.
وتمكّن المقاتلون، بفضل انهيار النظام، من اغتنام كميات ضخمة من العتاد، بينها دبابات ومنظومتان “بانتسير”، وامتد التقدم لاحقاً نحو دير حافر والسفيرة، حيث التقت قوات العمليتين، ودخلت قوات ردع العدوان معامل الدفاع وخناصر، وفقاً لـ”أبو الوليد”.
ومع إعلان غرفة العمليات إحكام سيطرتها على مطار حلب الدولي، أكدت في الوقت نفسه بسط نفوذها على كامل محافظة إدلب، مشيرة إلى تقدم واسع شمل 25 قرية وبلدة في ريفي إدلب الجنوبي والشرقي، ضمن مساحة تقدر بنحو 400 كيلومتر مربع، كما أوضحت أنها تمكنت من السيطرة على مواقع متعددة في ريف حماة، وأن عمليات التوسع ما تزال مستمرة نحو الشمال الحموي.
حلب بعد التحرير
يقول الناشط الإعلامي “درويش الصالح” لموقع تلفزيون سوريا: “في اليوم الأول الذي أعقب تحرير مدينة حلب، بدأ السكان يشعرون بأول إشارات التغيير على الأرض، وخاصة الطائفة المسيحية، التي انتابها مخاوف كبيرة من دخول القوات نتيجة وجود فصائل ذات خلفيات إسلامية، إلا أن الواقع جاء مختلفاً، حيث بدأت عناصر من إدارة العمليات بتأمين الخبز والمياه والاحتياجات الأساسية – (بعد أن حرموا منها السكان خلال الأيام الماضية نتيجة المعارك والوضع الأمني للمدينة) – مع تعليمات صارمة بعدم الاحتكاك بالسكان أو الاقتراب من المحال التجارية التي تبيع المشروبات الكحولية، ما أعاد شعور الطمأنينة إلى الأهالي”.
وأضاف: “الرسائل نفسها وصلت إلى بلدتي نبل والزهراء ذات الغالبية الشيعية، حيث سهلت الفرق العسكرية عودة السكان بعد نزوحهم مؤقتاً إلى مدينة السفيرة”.
وعلى الصعيد الأمني، أوضح الصالح أن التوغل السريع لردع العدوان مدينة حلب، خلف عددا كبيرا من عناصر النظام البائد الذين لم تسنح لهم فرصة الانسحاب، ما تسبب بخلل أمني مؤقت في بعض الأحياء، ما دفع وزارة الداخلية التابعة لحكومة “الإنقاذ” إصدار بطاقات مؤقتة لتسهيل حركة عناصر النظام التي تركت سلاحها ولم تقاتل، إذ حدّدت أربع مراكز استقبال في أقسام شرطة الصالحين والشهباء وباب الفرج وباب النصر في مدينة حلب، ومنحت هؤلاء العناصر بطاقات “حماية مؤقتة”، فيما دعت الراغبين للانتساب إلى جهاز الداخلية وفق شروط محددة من عمر وشهادة وسلوك وبنية جسدية سليمة.
وأمّا على الصعيد الخدمي، ركزت حكومة “الإنقاذ” حينذاك على معالجة أزمة الخبز، التي ظهرت فور السيطرة، حيث شهدت الأفران ازدحاما في اليوم الأول، وأعادت الإدارة تشغيل الأفران على مدار اليوم ودعت العاملين للعودة.
وفي اليوم الثاني، وزعت وزارة التنمية والشؤون الإنسانية 65 ألف ربطة خبز، فيما تدخلت منظمات المجتمع المدني وهيئات أهلية، بينها هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH)، التي وزعت 36 ألف ربطة يوميا، رغم استمرار نقص الكميات والعشوائية في التوزيع.
وبحلول اليوم الثالث، أعلنت “الإنقاذ” تشغيل جميع الأفران العامة وعددها 16 فرنا إلى جانب 143 فرنا خاصاً، لتنظيم التوزيع وضمان وصول الخبز إلى أكبر عدد ممكن من السكان.
فرحة العودة
بعد استعادة السيطرة على مدينة حلب بيوم واحد فقط، تحوّلت الطرق المؤدية إليها إلى مسارات لعودة آلاف العائلات التي اضطرت لمغادرة منازلها على مدار السنوات الماضية، إذ بدت مشاهد طوابير السيارات والدراجات النارية وهي تتجه نحو الأحياء السكنية، تعكس شغف الأهالي للعودة رغم حجم الدمار الذي لحق بالمدينة.
وظهر الأهالي العائدون في مشاهد مصورة منهم من يعبر عن فرحه وآخرون عن حالة الذهل؛ فالبعض احتضن جدران بيته المتهالك وكأنه يستعيد جزءاً من ذاكرة ضائعة، بينما جلس آخرون فوق الركام في لحظات صمت طويلة، يستعيدون صور أفراد عائلاتهم الذين فقدوهم خلال المعارك والقصف.
ورصدت تسجيلات أخرى عائدون وهي تحاول تنظيف الشوارع أمام منازلها وإزالة الأنقاض، في محاولة لإعادة شيء من الحياة الطبيعية إلى المكان، كما ظهرت مشاهد لعائلات تجتمع أمام أبواب محالها التجارية المغلقة منذ سنوات، تتذكر كيف كانت تلك الشوارع تضج بالحركة، قبل أن تفرغ تحت وطأة الحرب.
ومع ذلك، بقيت مشاعر الأمل حاضرة بين العائدين، فالأهالي تحدثوا عن رغبتهم في ترميم بيوتهم، وإعادة فتح محالهم، والعودة تدريجياً إلى نمط الحياة الذي عرفوه يوماً، وعلى الرغم من حجم الدمار ورحلة التعافي الطويلة التي تنتظر المدينة، فإن عودة الناس شكّلت أول خطوة عملية نحو استعادة حلب لنبضها، وبدء مرحلة جديدة يختلط فيها الواقع القاسي برغبة جماعية في البناء، وهو ما تجسد اليوم في قلب حلب، التي باتت تنبض بالحياة بعد مرور عام كامل على تحريرها.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى