
صعّدت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في الآونة الأخيرة من مناوراتها مع دمشق بهدف وضع المزيد من التعقيدات أمام تطبيق اتفاقية الاندماج بالدولة السورية. وعلى الرغم من أن الرئيس أحمد الشرع أبدى مؤخراً تفاؤلاً بشأن تنفيذ الاتفاقية، فإن التوترات المتزايدة على خطوط التماس بين قسد والجيش السوري لا تدعم هذا التفاؤل.
كما أن الشكوك بشأن نوايا قسد تضاعفت بعد أن نظّمت مؤخراً مؤتمر “وحدة المكونات” في الحسكة، والذي تجاوز هدفه تعويم الإدارة الذاتية التي تُديرها في شرف الفرات كنموذج قابل للتطبيق في مناطق مختلفة من سوريا إلى تزعم تحالف المعارضين للحكم الجديد.
ومع أن كلاً من الرئيسين أحمد الشرع ورجب طيب أردوغان يدركان منذ إبرام اتفاقية الاندماج بين قسد ودمشق في العاشر من مارس/آذار الماضي أن تطبيق الاتفاقية سيواجه صعوبات كبيرة، إلا أن تصعيد قسد لخطواتها تزامن مع انفجار أزمة السويداء والتدخل الإسرائيلي فيها، وهي مقامرة لا تقوم بها قسد للتهرب من تنفيذ التزاماتها بموجب اتفاقية الاندماج فحسب، بل كذلك لتشكيل تحالف أقليات ضد الحكم الجديد بهدف تقويضه وفرض أطروحات الحكم الذاتي على أساس الهويات الطائفية والإثنية. مع ذلك، فإن نهج قسد، وإن يزد من تعقيدات المسار التفاوضي مع دمشق لتنفيذ اتفاقية الاندماج، إلا أن هذه التعقيدات فرضتها في الأصل حقيقة أن الاتفاقية لم تنص على بنود واضحة في كيفية تحقيق الاندماج، وهذا الأمر أوجد هامشًا قويًا لقسد لتفسير الاتفاقية كما تريد ومحاولة فرض تصوراتها الخاصة للاحتفاظ بإدارتها الذاتية.
إن لدى الشرع وأردوغان ما يكفي من الأسباب التي تدفعهما إلى التفكير مليًا في خيار القوة ضد قسد.
علاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة لم تستخدم حتى الآن ما تمتلكه من وسائل ضغط على قسد لإجبارها على الاندماج وفق الاتفاقية. ويرجع ذلك إلى أن واشنطن لا تبدو في عجلة من أمرها لتحقيق هذا الهدف، خصوصًا أنها ترى في ملف قسد ورقة ضغط قوية على الشرع لتطويعه ولفرض تصوراتها للنظام السياسي في سوريا وعلاقة الأطراف بالمركز. وفي المحصلة، فإن هذا الوضع لا يبدو مريحًا لكل من الشرع وأردوغان. فالأول يدرك أن قطع الطريق على أطروحات الفيدرالية أو اللامركزية السياسية يبدأ بحسم ملف قسد، وأن التحديات الأخرى التي تشكلها الأطراف مثل السويداء والساحل ستتقلص بمجرد تفكيك تحدي قسد. أما أردوغان، فيعتبر أن فرض حكم ذاتي للأكراد في سوريا على غرار إقليم كردستان العراق يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي التركي، وسيعيد إحياء تمرد حزب العمال الكردستاني المنحل، بما يهدد عملية السلام الجديدة بين تركيا والتنظيم.
رغم ذلك، فإن لدى الشرع وأردوغان ما يكفي من الأسباب التي تدفعهما إلى التفكير مليًا في خيار القوة ضد قسد. فمثل هذا الخيار ينطوي على مخاطر كبيرة بالنسبة إلى دمشق بعد أن قوّض التدخل الإسرائيلي في أزمة السويداء جهودها لإعادة توحيد البلاد، وقد يسمم العلاقة الجديدة مع واشنطن إذا ما عارضت أي مواجهة مع قسد. كما أن مواجهة غير مدروسة مع قسد ستعزز تحديات الأطراف للمركز بدلاً من تقليصها. ولا تبدو حسابات أردوغان مختلفة كثيرًا عن حسابات الشرع، مع إضافة القلق من تداعيات أي تصعيد في ملف قسد على عملية السلام الجديدة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني المنحل، والتي خطت بالفعل أشواطًا كبيرة في الآونة الأخيرة وتقترب من إحداث انعطافة تاريخية في العلاقة بين تركيا والأكراد.
تبدو قسد في وضع يساعدها في لعبة المناورة في ضوء عدم وضوح الموقف الأمريكي في سوريا تمامًا، والاندفاعة الإسرائيلية في الجنوب، وحرص أردوغان على عدم تسميم عملية السلام الجديدة مع حزب العمال الكردستاني.
تكمن الضغوطات التي تواجه تركيا وسوريا في ملف قسد في أن التركيز على المسار التفاوضي دون تحقيق أي تقدم فيه ينطوي على مخاطر لا تقل عن مخاطر المواجهة مع قسد. مع ذلك، يدرك أردوغان والشرع أن قسد لن تقدم أي تنازلات على طاولة المفاوضات دون ضغط عسكري عليها. ويمكن النظر إلى التوترات المتزايدة على خطوط التماس بين قسد والجيش السوري على أنها مؤشرات على احتمال تصعيد عسكري. وتتعزز هذه المؤشرات بمذكرة التعاون العسكري التي أبرمتها أنقرة ودمشق مؤخرًا، والتي توفر أرضية لتعاون عسكري تركي-سوري في أي عملية عسكرية محتملة ضد قسد، سواء كانت محدودة بهدف الضغط التفاوضي أو واسعة. تبدو قسد في وضع يساعدها في لعبة المناورة في ضوء عدم وضوح الموقف الأميركي في سوريا تمامًا، والاندفاعة الإسرائيلية في الجنوب، وحرص أردوغان على عدم تسميم عملية السلام الجديدة مع حزب العمال الكردستاني، لكنه يتعين عليها أيضًا أن تدرك أن محاولة حشر الشرع وأردوغان في الزاوية تنطوي على مخاطر وكلفة.
فمن جهة، لا تمتلك دمشق وأنقرة رفاهية التعايش مع وضع غير واضح مع قسد لفترة طويلة. ومن جهة أخرى، تواجه قسد مخاطر تمرد العشائر العرب على سلطتها. فعلى الرغم من أنها استطاعت خلال السنوات الماضية تثبيت سلطتها من خلال مزيج من القوة والدعم الأميركي وشراء الولاءات، إلا أن هذه السلطة هشة وعرضة للتصدع، خاصة بعد سقوط نظام الأسد، حيث لم يكن لدى غالبية سكان المنطقة التي تديرها، وهم من العرب السنّة، خيار آخر في السابق، لكن الوضع اختلف اليوم، وهم يتطلعون إلى أن يكونوا جزءًا من الدولة السورية الجديدة
المصدر: تلفزيون سوريا