نقلاً عن عبد الرحمن محمد السيد

موقف غريب مع جدتي غير رؤيتي للعالم… كنت مراهقاً صغيراً عمري تقريباً 13 عاماً، وهناك عادة قد تبدو غريبة، لكن العرب والمصريين عندما يأتون من سفر طويل في بلاد الهجرة يأتي الواحد منهم محملاً بحقيبتين؛ حقيبة خاصة بأغراضه وحقيبة خاصة بالهدايا.

وعندما وصلتُ إلى بيت جدتي، أتى أولاد أعمامي وأخوالي، بعدما قضيت كل طفولتي في الولايات المتحدة التي وُلدتُ فيها، وقرر أبي أن يرسلني لأقضي إجازة الصيف مع أقاربي في المدينة التي وُلد فيها وأقضي معهم بعض الوقت، لكن أول ما فعلته هو أني أحضرت حقيبة الهدايا.

وبدأت أوزع عليهم الهدايا واللعب، وبدأ الغرور يدخل قلبي، أشعر وكأنني أملك الدنيا وما فيها، جميعهم سعيدون بما أعطيتهم.

لاحظت جدتي الأمر؛ جدتي هي أذكى امرأة، بل هي أذكى إنسان رأيته في حياتي، رغم أنها لم تنهِ تعليمها بل خرجت ولم تحصل حتى على الشهادة الابتدائية ولا تجيد القراءة ولا الكتابة، لكنها تظل أذكى إنسان رأيته في حياتي وعلمتني في هذا اليوم درساً لم أنسَه.

لاحظت جدتي غروري وفرحتي بما أغدقتُه من هدايا على أقاربي، فهمست في أذني وضمتني إليها وقالت: “انظر إلى ابن خالتك إنه أذكى منك، انظر إلى ابن عمتك إنه أكثر منك وسامة، انظر إلى ابن خالتك الآخر إنه أقوى منك”.

فاستغربتُ لمَ تقول لي كل هذا! فسألتها: “وماذا عني؟”.

حينها ضمتني أكثر وقالت لي: “أنت تمتلك ما لا يمتلكونه جميعاً، وهو أنك تستطيع الذهاب إلى الولايات المتحدة حيث الرخاء والفرص والموارد، فاحرص على أن تعرف كيف تستغل هذه الفرصة التي لا يتمتع بها أي أحد من أقاربك”.

عدتُ إلى الولايات المتحدة وعندي هدف جديد وإدراك مختلف، أني أمتلك فرصة لا يمتلكها الكثيرون، وحينها نظرت حولي ورأيت أنه يمكنني أن أساعد مجتمعي.

تعلمت الطب ودرسته، لكن شعرت أني في نظام مقيد، يأتي إليّ مرضى فقراء ولا أستطيع مساعدتهم بسبب ضعف الموارد، وبعدها عملت في الحكومة والإدارة الطبية وأدركت أني لا أستطيع التغيير بعد، فقررت أن أرشح نفسي لأكون واحداً من هؤلاء الذين يصنعون التغيير؛ سيناتور أمريكي أستطيع أن أسهم في وضع ميزانية تغير موارد الولايات المتحدة من أن تذهب للحروب وميزانيات الجيوش الضخمة، إلى الرعاية الصحية للفقراء والمساكين بل الجميع.

اليوم أصبح عبد الرحمن محمد السيد أول سيناتور مسلم في تاريخ الولايات المتحدة، والسبب الذي بدأ به رحلته كان كلمات جدته التي غيرت نظرته للحياة وجعلته يدرك أن كل شخص منا قد يكون لديه فرصة لا يمتلكها الآخرون، ربما في صحته أو منصبه أو موهبته أو رزقه، ويمكنه أن يأخذها لتزيد غروره وكبرياءه بنفسه، أو يأخذها كدرس أنها أُرسلت إليه ليساعد بها الآخرين.

المصدر: صفحة د- مخلص الصيادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى