فوز عبدول وأسئلة الهوية في الديمقراطية الأميركية

  سلام الكواكبي

كشفت الانتخابات الأميركية أخيراً، وما رافق فوز عبد الرحمن السيد (عبدول) في ميشيغن، عن جانب من الانقسامات التي لا تزال تحكم نظرة قطاعاتٍ من الرأي العام، الأميركي والعربي، إلى السياسي المُسلم. فلم يقتصر النقاش على برنامجه الانتخابي ومواقفه السياسية، بل سُرعان ما انتقل إلى هُويته الدينية وعلاقته المُفترضة بالإسلام السياسي، وتحديداً بجماعة الإخوان المسلمين.

سأله مواطن أميركي في إحدى اللقاءات الانتخابية ما إذا كان مُستعداً للتبرؤ من جماعة الإخوان المسلمين، التي وصفها بأنّها إرهابية. فردّ السيد بسؤاله عن سبب طرح هذا السؤال والافتراضات خلفه. ولم يكن جوهر إجابته مجرّد إعلان موقف من تنظيم بعينه، بل الاعتراض على افتراض مُسبق مفاده بأنّ كونه مُسلماً قد يُثير الشك في ولائه السياسي والدستوري للولايات المتحدة. واستحضر تجربة الرئيس جون كينيدي، الذي واجه أسئلة مُشابهة بسبب انتمائه الكاثوليكي، مؤكّداً أنّه لا يترشّح لتمثيل المسلمين، بل مواطنين أميركيين، وأنّ مرجعيته الدستورية هي مرجعية جميع المواطنين.

اللافت لم يكن السؤال وحده، بل ردات الفعل التي تلته. فقد رأى مُعلّقون أنّ إجابته لم تكن مباشرة بما يكفي، بينما ذهب آخرون إلى اعتبار خلفيته الدينية أو حجاب زوجته قرائن على قربه من جماعة الإخوان المسلمين. وهكذا تحوّل النقاش من مُساءلة مرشّح عن برنامجه ومواقفه إلى محاكمة هُويته، وكأنّ على المسلم تقديم شهادة براءة مُسبقة قبل أن يصبح مؤهّلاً للمشاركة في الحياة العامة.

جوهر الديمقراطية ليس الاتفاق على الخلفيات والمُعتقدات، بل قبول اختلافها والاحتكام إلى الدستور والقانون وصناديق الاقتراع

الأكثر إثارة للاستغراب أنّ هذا النوع من الأحكام لا يصدر دائماً عن خصوم الإسلام السياسي أو اليمين الأميركي، بل نجده أيضاً لدى مراقبين عرب يقدّمون أنفسهم مُحايدين، بينما تكشف مواقفهم عن أحكام مُسبقة. لقد تأثّر هؤلاء، عن حقّ في أحيان كثيرة، بما ارتكبته تنظيمات مُتطرّفة من جرائم وفظائع، من “داعش” إلى جبهة النصرة وغيرها، وبما ارتبط ببعض الحركات الإسلامية من عنف وإقصاء وتوظيف للدين في الصراع على السلطة. لكن إدانة هذه التجارب لا تبرّر وضع كلّ من يحمل خلفية إسلامية أو ينتمي إلى بيئة محافظة في الخانة نفسها. فليس هناك إسلام سياسي واحد، كما أنّ الإسلاميين ليسوا على صورة واحدة. هناك حركات سياسية إسلامية تختلف في مرجعياتها وبرامجها ومُمارساتها، وهناك تياراتٌ دينيةٌ لا تسعى إلى العمل السياسي، وأفراد مسلمون لا يرون في الدين مرجعية لخياراتهم الحزبية. والاختلاف بين هذه التيارات جوهري، خصوصاً في مواقفها من الديمقراطية والتعدّدية والحريات والمواطنة واستخدام العنف. الخلط بينها لا يخدم النقد السياسي الجاد، بل يحوّله إلى تصنيف هُوياتي مُسبق.

ولا يعني هذا أنّ المرشّح المسلم ينبغي أن يكون في منأى عن النقد والمُساءلة، أو أنّ هُويّته تمنحه حصانة سياسية، فمن حقّ الناخبين مُساءلته عن مواقفه من الحريات وحقوق النساء والمساواة والأقليات والسياسة الخارجية، وعن رؤيته لدور الدين في الدولة. ومن غير المقبول أن يتحوّل هذا الحقّ إلى مُطالبة استثنائية للمسلم بإثبات ولائه، بينما لا يُطلب من المرشّح المسيحي أو اليهودي أو غير المتديّن تقديم شهادة مُماثلة.

لقد استطاع عبدول السيد مخاطبة قطاعات واسعة من المجتمع في ميشيغن، ولم يحصر خطابه في جماعة دينية أو إثنية بعينها. قدّم نفسه سياسياً قريباً من الناس، مُتواضعاً، قادراً على المزاح والرقص والتفاعل مع جمهوره، ومُنفتحاً على مختلف المكوّنات الاجتماعية والدينية، من المسلمين والمسيحيين واليهود والملحدين إلى مجتمع الميم. ولم يكن نجاحه قائماً على تقديم نفسه مُمثّلاً للمسلمين، بل على مخاطبة مواطنين تجمعهم هموم الحياة اليومية، من تكاليف المعيشة والرعاية الصحية إلى العدالة الاجتماعية والحدّ من نفوذ الشركات الكبرى.

لا يجوز أن تكون الهُوية الدينية تهمة تحتاج إلى تبرئة، ولا أن يصبح الاختلاف العقائدي بديلاً عن النقاش السياسي

ومن هنا، لا ينبغي تحميل فوزه أكثر ممّا يحتمل من تأويلات أيديولوجية، فهو ينتمي إلى التيار التقدّمي في الحزب الديمقراطي، ويتبنى مواقف تميل إلى اليسار بالمفهوم الأميركي، مع توجّهات اجتماعية واقتصادية تقدّمية، لكنّه لا يقدّم مشروعاً لإعادة تشكيل المجتمع الأميركي وفق مرجعية دينية. لقد وصل إلى موقعه عبر الانتخابات، وبأصوات مواطنين من خلفيات مُتعدّدة، مُستنداً إلى برنامج سياسي مُعلن، لا إلى تفويض ديني. وهنا يمكن استحضار تجربة زهران ممداني في نيويورك، من دون افتراض تطابق التجربتين أو برامجهما. فكلاهما يعكسان إمكانية وصول سياسيين مسلمين إلى مواقع المسؤولية في مجتمع تعدّدي، لا لأنّهما يمثّلان جماعة دينية مُغلقة، بل لأنّهما استطاعا تقديم خطاب سياسي يتجاوز حدود الهُوية الضيّقة.

ربّما آن الأوان لأن نتوقّف عن النظر إلى كلّ نجاح انتخابي لمسلم انتصاراً للإسلام السياسي، أو عن اعتبار مظاهر التديّن دليلاً على مشروع سياسي مُستتر. فالمسلم مواطن قبل أن يكون موضعاً للشك، والسياسي يُحاسب على برنامجه وأفعاله ومواقفه، لا على اسم عائلته أو ديانة زوجته أو طريقة لباسها.

جوهر الديمقراطية ليس الاتفاق على الخلفيات والمُعتقدات، بل قبول اختلافها والاحتكام إلى الدستور والقانون وصناديق الاقتراع. وإذا كان عبدول السيد قد أقنع ناخبين من خلفيات مُتنوّعة بقدرته على تمثيلهم، فإنّ الدرس الأهم من تجربته لا يتعلّق بالإسلام وحده، بل بالديمقراطية نفسها: لا يجوز أن تكون الهُوية الدينية تهمة تحتاج إلى تبرئة، ولا أن يصبح الاختلاف العقائدي بديلاً عن النقاش السياسي.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى