
من ذا الذي تسبَّب في قلب صفحة التاريخ الماثل، ثمَّ أحدث خلخلة جذرية وزلزلة في النظام العالمي؟ من صنعوا ذلك النظام هم مَن حـسبهم النَّاس عُـقلاء العالم بعد طي صفحات الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، أم ْهـو منطق التاريخ، تقع تحوُّلاته من قـرن ٍإلى قرن؟ عرفنا تاريخ الحروب الصليبية، لكن جنرالاً مسيحيّاً جبّاراً وقف على قبر صلاح الدين بعد قرون خلتْ، ليقول: ها قد عُدنا يا صلاح الدين.
أجِل بصرَك يا هذا على حِقب التاريخ، فستراها دوائر تتأرجح بينَ عُلوٍّ وهبوط، بين خلافٍ ووفاق. بين صراعٍ وحروب تارّة، وهدوء وسـلام تارة أخرى. ومثلما يتناوب حراك الكون بين ظلام دامس وفجر وضّااح، تتأرجح حِقب حراك البشر فيكون التاريخ دوَلاً بينَ الناس، غير أنَّ سؤال السَّـببية يظلَّ ماثلاً بلا إجابة: أهو الفرعون أم هُم شعبه الفعَلة الذين رفعوا حجارة الأهرام، ونحتوا تماثيلَ وأوتاداً راسخة كالجال في وادي النيل؟
أهمَ شعوب التتار الذين دمَّروا بغداد أم هما هولاكو وجنكيزخان اللذان قـرَّرا تاريخ ذلك الدّمار وكتباه، والخليفة يهلك تحت سـنابك خيولهم؟… يظلّ سؤال السببية قائماً، حول من صنع َومن شكّلَ حقبة المجتمع الدولي، تلك التي طوَتْ صفحات الاستعمار الكولونيالي، ثُمَّ من صاغَ المواثيق والعهود وكتبها، لحفظ الأمن والسّلم الدوليين، استنباطاً من قِيَمٍ ومبادئ، واستلهاماً لمبدأ عيشٍ مشترك، من عقائد تحثَّ على إطعامٍ من جوعٍ، وأمانٍ من خوف.
هل صاغها ستالين وتشرشل وروزفلت: قادة الحلفـاء، المنتصرون عام 1945، على جيوش المحور المدحورة، وقادتها المهزومين من نوع هـتلر وموسوليني؟ مَن كسب الحرب ومن خسرها: الجنرالات أم الجنود؟… تُرى مَـن نحتَ أمثولة اسمها “بطّة عرجاء”، صارت ميثاقاً للأمم المتحدة، ثمّ أوهَم العالمين انَّ الأمر صار مُستتباً، وليسَ ثمَّة مظلوميات، إذ مَن ظلوا في شتاتٍ لحِقبٍ وعـقـود، جاء من بعد “هولوكوست” وهلاك بلا ذنب، مَن منحهم أرضاً يأوون إليها، وأزال مظلوميتهم بصناعة مظلومية أخرى، وفي حقبة أخرى؟ لن يكون الشَّـتات مصيراً يتردّى فـيه طرفٌ دون آخر. لن يكون قسمة ضيزى، بل سيكون لك مرَّة وعليك مرّات. بمنطق التاريخ المتأرجح، هي حقبًٌ تتوالى بين ارتفاع وسقوط، بين تماسك وانكسار. تماماً كما للكون منطقٌ، في حراكٍ بين إصباحٍ وإظلام.
***
يقف على حائط المبكى على مقرُبة من المسجد الأقصى الذي بورك مِن حوله، عسكريٌّ صهيوني اسمه كاتس، هو وزير الدفاع في إسرائيل، يوشك أن يُدَِنِّس بحذائه قُدسية المكان. لن يصنع التاريخ بيديه (أو بحذائه كما انتوى) ولكن لأن منطق التاريخ أراد أن يقع تحوُّل في الجغرافيا، فلها أن تنكسر صاغرة. حين وقف رئيس وزراء إسرائيل، مرَّة في المنظمة الأممية ومرَّة في البرلمان الأميركي، ينشر أمام الملأ خريطة لأقدار دولته التوراتية، فقد أراد أن يُذكِّر أنَّ مساحتها تمتدّ رقعتها من النيل إلى الفرات، وليكتب الشتات لمن دارت عليه الدوائر الصهيونية. هاهُم مَن استوطنوا أرض فلسطين قسراً، جاؤوا ليتملّكوا أرضاً وعِدوا بها، سقوفها وزياتينها وخرافها ومياهها، وليحمل أهل فلسطين مفاتيح بيوتهم وذكريات أيامهم وحيرتهم، إلى شتاتهم الجديد.
ترَى من يُحدِّث عن قضية ٍعربيةٍ تحمل ملفاتها شعوبٌ عربية مغلوبة على أمورها؟. … لتنظر هذه الشعوب العربية أحوالها وأهـوالها، فليسَ أمامها، في حقـبة تاريخها الماثل، سِـوى مَن هُم في مثل هـيئة هولاكو وجنكيزخان، بل وأشدّ بطشا واستكبارا: ينهبَ مالك ويأكل َمن مائدتك، ثمَّ يذبحك ذبح الشّاة.
المصدر: العربي الجديد






