
ليست المشكلة في أن الإسلاموفوبيا موجودة في الغرب؛ هذه حقيقة بات من الصعب إنكارها. المشكلة الأعمق أن المسلمين، رغم عقود من الحضور الديموغرافي والاقتصادي والاجتماعي، لم ينجحوا بعد في بناء بنية قوة سياسية وإعلامية وفكرية توازي البنية التي تنتج الصور النمطية عنهم، وتعيد تدويرها، وتحوّلها عند الحاجة إلى رأي عام وسياسات وتشريعات.
لهذا، لم يعد السؤال: كيف ندافع عن الإسلام؟ بل كيف نبني القوة التي تجعل التحريض على المسلمين أكثر صعوبة وأكثر كلفة؟ فالإسلاموفوبيا ليست مجرّد مشاعر سلبية يحملها أفراد تجاه الدين الاسلامي. إنها، في أحيانٍ كثيرة، منظومة كاملة لإنتاج المعنى: سياسي يصنع من الخوف من المسلمين قاعدة انتخابية، وإعلامي يحول الصدام الثقافي إلى مادة استهلاكية، ومراكز أبحاث تنتج سرديات أمنية وسياسية، ومؤثرون في وسائل التواصل الاجتماعي يحضّون جمهورهم على الاستفزاز، وخوارزميات تكافئ الخطاب الأكثر غضباً وتطرفاً.
ومع دخول الولايات المتحدة وأوروبا في دورات انتخابية جديدة، يعود الإسلام والمسلمون في كل مرّة إلى سوق السياسة بوصفهم مادّة جاهزة للتخويف والاستقطاب. تتغيّر الوجوه والأحزاب والشعارات، لكن اللعبة تكاد تكون واحدة: صناعة “آخر” ثقافي، تضخيم الخوف منه، ثم تحويل هذا الخوف إلى أصوات ومكاسب سياسية. وكلما ارتفعت حرارة المنافسة، أُعيد تقديم المسلم لا باعتباره مواطناً له مصالح ومواقف وانتماءات متعددة، بل “مشكلة”: مرّة باسم الهجرة، ومرّة باسم الأمن، ومرّة باسم الهوية، ومرة باسم الاندماج.
… لقد استنزف المسلمون سنوات طويلة في إثبات أمور لم يكن ينبغي أصلاً أن يُطلب منهم إثباتها: أنهم مسالمون، وقادرون على الاندماج، ومخلصون للدول التي يحملون جنسيتها، وأنهم ليسوا مسؤولين جماعيّاً عن كل جريمة يرتكبها شخص يحمل اسماً مسلماً في أي مكان من العالم.
هذه المعادلة يجب أن تنتهي، فالمواطن لا يحتاج شهادة حسن سلوك دينية متجدّدة حتى يتمتع بحقوقه، والمواطنة التي تجعل الإنسان مطالباً بالاعتذار المستمر عن اسمه أو دينه أو أصله تتحول تدريجيّاً من حقّ إلى عقد قبول مشروط. لذلك يجب قلب السؤال نفسه. بدلاً من أن نسأل: كيف نقنعهم بأننا لسنا خطراً؟ يجب أن نسأل: لماذا نقبل أصلاً بأن تُبنى علاقتنا بالمجتمع داخل هذه الفرضية؟ ولماذا نقبل أن يحدّد آخرون الاتهام والسؤال والمصطلحات، ثم يمنحونا مساحة للدفاع عن أنفسنا؟
من يملك المنبر لا يملك الكلام فقط؛ يملك القدرة على صياغة الأسئلة. ومن يحدّد الأسئلة يرسم حدود الإجابات. وإذا دخل المسلم النقاش داخل إطار صاغه خصمه، فقد بدأ المباراة متأخّراً. لذلك لا نحتاج فقط متحدثين يدافعون عن المسلمين بعد كل أزمة، بل إلى حضور طبيعي وفاعل في الإعلام والجامعات والقانون والسياسة، ومراكز الفكر، والمنصّات الثقافية، والتكنولوجيا. ليس المطلوب بناء عالم إسلامي موازٍ، بل أن يصبح المسلم جزءاً من العالم الذي تُنتج داخله الأفكار والقرارات والروايات.
حين يحرض سياسي ضد المسلمين، ينبغي ألا يجد أمامه موجة غضب تستمر يوماً ثم تختفي. يجب أن يواجه بالحقائق والتوثيق والصحافة والمساءلة القانونية
… يجب أن يتغير مفهوم النجاح لدى الجيل الجديد الذي ولد وعاش في الغرب، لا يكفي أن يكون هناك أطباء ومهندسون ورجال أعمال ناجحون؛ بل الحاجة كذلك إلى صحافيين وقانونيين وباحثين وأكاديميين وسياسيين ومنتجين وخبراء في التكنولوجيا والسياسات العامة. وخصوصاً تجاوز الدور الذي يُخصص للمسلم في المجال العام. فلا يظهر في التلفزيون فقط عندما يكون الموضوع الإسلام، ولا يُستدعى الباحث المسلم فقط عند وقوع اعتداء إرهابي، ولا يُنظر إلى السياسي المسلم باعتباره “ممثل المسلمين”. المسلم ليس ملفاً متخصصاً اسمه الإسلام والهجرة والاندماج. تبدأ المشاركة الحقيقية عندما يناقش المسلم الاقتصاد والتضخم والطاقة والذكاء الاصطناعي والسياسة الخارجية ومستقبل الديمقراطية. المطلوب الانتقال من كون المسلمين موضوعًا للنقاش إلى أن يصبحوا من صناع النقاش نفسه.
حين يحرض سياسي ضد المسلمين، ينبغي ألا يجد أمامه موجة غضب تستمر يوماً ثم تختفي. يجب أن يواجه بالحقائق والتوثيق والصحافة والمساءلة القانونية حين يقع انتهاك للقانون، وبالعمل المدني والسياسي المشروع. وحين تنشر مؤسّسة إعلامية معلومة كاذبة لا تكفي مهاجمتها على وسائل التواصل الاجتماعي. يجب تصحيح المعلومة ومخاطبة جمهورها واستخدام المعايير المهنية والقانونية المتاحة. حين تكون صناعة الكراهية منظمة، لا يمكن أن تكون مواجهتها ارتجالية.
وحين تتحوّل الإسلاموفوبيا إلى أداة انتخابية، فالرد ليس المزيد من الوعظ، بل التنظيم المدني والسياسي المشروع. النقابات تنظم مصالحها، والشركات تدافع عن مصالحها، والحركات الاجتماعية تبني شبكاتها، والجماعات المختلفة تشارك في المجال العام. فلماذا يُطلب من المسلمين وحدهم أن ينتظروا إنصاف الآخرين؟
… تحتاج المواجهة الجادّة إلى وضوح فكري. نقد السلوكيات والتصرفات حقّ، والتحريض على المسلمين شيء آخر. ومن حقّ أي شخص أن ينتقد كما يريد. المجتمع الحر لا يحمي الأفكار من النقد؛ بل يحمي الإنسان وحقوقه وحرية اعتقاده وتعبيره. وعلى المسلمين أن يكونوا واضحين في الدفاع عن هذا المبدأ. لا يمكن المطالبة بحرّية الاعتقاد لنا ثم رفض حرية الآخرين في نقد معتقداتنا. المعادلة أقوى وأبسط: انتقد كما تشاء، لكن لا تنتقص من مواطنتي بسببها.
لا يمكن المطالبة بحرّية الاعتقاد لنا ثم رفض حرية الآخرين في نقد معتقداتنا
تبدأ المشكلة عندما ننتقل من نقد فكرة إلى إدانة جماعة، ومن مناقشة نصوص إلى التشكيك في حقوق مواطن، ومن رفض دين إلى المطالبة بمعاملة أتباعه باعتبارهم مواطنين أقل درجة. هنا تنتهي المناظرة الفكرية ويبدأ التمييز. والمسلمون في أوروبا والولايات المتحدة ليسوا ضيوفاً مؤقتين. أجيال منهم وُلدت هناك، وتعلمت هناك، وتعمل وتدفع الضرائب وتشارك في الاقتصاد والثقافة والسياسة. ومع ذلك ما يزال بعض المسلمين يتعاملون مع وجودهم بعقلية الجماعة التي تنتظر اعتراف المجتمع بشرعيتها.
ولا يحتاج المسلم الأميركي إلى إذن لكي يكون أميركيّاً، والمسلم البريطاني لا يحتاج إلى تزكية حتى يكون بريطانيّاً، والمسلم الفرنسي ينبغي ألا يقضي حياته في إثبات أن وجوده لا يتناقض مع الجمهورية. ليست المواطنة منحة يمنحها تيار سياسي حين يرضى ويسحبها حين يغضب. لكن الخروج من عقلية الأقلية يفرض مسؤولية مقابلة. لا يكفي أن نطالب بالمشاركة ثم نبقى على هامش المجال العام. المواطنة ليست فقط حماية الحقوق، بل المشاركة في صناعة المجتمع ومستقبله.
وهنا يجب أن يتغير السؤال من جذوره. بدلاً من أن نبقى أسرى سؤال: ماذا يقولون عنا؟ يجب أن نسأل: ماذا نقول نحن عن العالم؟ ماذا نقدم للاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا والسياسة الخارجية والعدالة الاجتماعية ومستقبل الديمقراطية؟ … حين يصبح المسلم حاضراً في هذه الإشكالات يتغير موقعه. لا يعود “ملفّا” داخل النقاش الوطني، ولا يصبح ظهوره مرهوناً بأزمة حجاب أو مسجد أو اعتداء، بل يصبح مواطناً يقدّم أفكاراً وحلولاً للمجتمع كله.
وتكمن النقلة المطلوبة من حماية الجالية إلى المشاركة في قيادة المجتمع، ومن الدفاع المستمرّ عن الهوية إلى إنتاج المعرفة، ومن ردة الفعل إلى المبادرة، ومن انتظار الإنصاف إلى استخدام أدوات المواطنة نفسها.
الصوت الذي لا يجد من يوصله يبقى صرخة، والعدد الذي لا يتحول إلى مشاركة يبقى إحصاءً
ليس المطلوب مواجهة الإسلاموفوبيا بغضب ديني مضاد، ولا بناء جدار بين المسلمين والمجتمعات التي يعيشون فيها، ولا تحويل كل نقد للإسلام إلى كراهية. ذلك سيكون هروباً من المشكلة لا مواجهة لها. المطلوب أن يتوقف المسلمون، خصوصاً الذين يعيشون في الغرب، عن مكافأة التحريض بالصمت، وعن مواجهة التنظيم بالارتجال، والسياسة بالمواعظ. لا تتركوا الآخرين يحتكرون الحديث عنكم، ولا تسمحوا بأن يبقى المسلم حاضراً فقط عندما يقرّر الآخرون أن يجعلوه موضوعاً للنقاش.
لا تديروا الخد الآخر، ولا ترفعوا القبضة، ابنوا القوة المشروعة، قوة المعرفة والقانون والإعلام والتنظيم والتحالفات والمواطنة. فالصوت الذي لا يجد من يوصله يبقى صرخة، والعدد الذي لا يتحول إلى مشاركة يبقى إحصاءً، والحق الذي لا يُدافع عنه قد يبقى نصاً جميلًا في كتاب القانون.
الإسلاموفوبيا لا تُهزم بالصمت، ولا بالكراهية المضادة؛ تُهزم عندما يتوقف المسلم عن انتظار أن ينصفه الآخر، ويصبح شريكاً كاملاً في صناعة الفكر والمعرفة والرأي والسياسة والتنمية والمستقبل.
المصدر: العربي الجديد






