
أثار حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حول عدم نيته تعديل الدستور بما يسمح بانتخابه لفترات أخرى بعد نهاية فترته الحالية في عام 2030 جدلا كبيرا في الساحة السياسية المصرية، بين مرحب ومشكك في هذه التصريحات، خاصة أنها طرحت في أعوام سابقة وتم التراجع عنها بموجب تعديلات عام 2019 . لكن ما يلفت الانتباه هو التوجهات التي صاحبت هذه التصريحات، من خلال طرح السيسي رؤاه الشخصية بشأن من يمكن انتخابه رئيساً بعد انتهاء ولايته، وهي سابقة تثير تساؤلات بشأن حدود تدخّل الرئيس في تحديد ملامح المنافسة السياسية المستقبلية. وقد تركزت هذه الرؤى في عدة خطوط عامة، منها تفويض الأكاديمية العسكرية بتأهيل الراغبين في الترشّح، وألا يتجاوز عمرهم 50 عاماً، وأن يكونوا حاصلين على الدكتوراه. وتثير هذه المعايير علامات استفهام كثيرة، باعتبار أنها تطرح آلية جديدة وشروطاً إضافية لا ينصّ عليها الدستور أو قانون الانتخابات ذاته، بما قد يستلزم إجراء تعديلات دستورية وتشريعية لتمريرها وهو ما يتناقض مع تعهد الرئيس بعدم إجراء أي تعديلات دستورية.
وتقدم هذه الاقتراحات تصوراً مضمونه أن المؤهل الأكاديمي أو بلوغ سن معينة كافيان لمنح صاحبهما أهلية الترشح للرئاسة، وهو تصوّر مغلوط، فحصول المرشّح على الدكتوراه لا يعني، بالضرورة، امتلاكه مشروعاً سياسيّاً أو قدرة على التعبير عن مصالح المجتمع وتنوع تياراته. وقد يكون أصحاب تلك الخبرات الأكاديمية خيارات مناسبة لتولي مواقع وزارية أو إدارية أو فنية، لكن الأمر يختلف عندما يتعلق بمنصب ذي طبيعة سياسية، يتطلب امتلاك رؤية عامة وبرنامجاً سياسيّاً واقتصادياً واضحاً. ومن أهم المؤهلات التي ينبغي أن تتوافر في المرشح الرئاسي أن تكون لديه صلة بالعمل العام، وأن يمتلك تصورات سياسية واقتصادية يؤمن بها ويطرحها باعتبارها بدائل للسياسات القائمة، كما يجب أن يضع هذا المشروع أمام الرأي العام للنقاش والتقييم. فالمرشّح للرئاسة لا يمثل نفسه، وليس شرطاً أن ينتمي إلى طبقة التكنوقراط؛ فالحياة السياسية هي التي يأتي من خلالها هؤلاء المرشّحون، ولدينا مثال واضح على ذلك في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 2012، حين كان من بين أبرز المرشّحين من امتلكوا تاريخاً سياسيّاً سابقاً في العمل الطلابي أو الحزبي أو النقابي، أو شغلوا مواقع قيادية داخل تيارات سياسية بعينها، ومثّلت اتجاهات وقواعد لها حضورها في المجال العام، وليس نتيجة اجتياز برامج تأهيل أكاديمي تضعها جهة حكومية.
العمل السياسي ليس معزولاً عن المجتمع، ولا يمكن إنتاجه في المعامل الرسمية
والعمل السياسي ليس معزولاً عن المجتمع، ولا يمكن إنتاجه في المعامل الرسمية، بل هو الذي يفرز كوادر لديها رؤية تحظى بتأييد جماعات المصالح المختلفة. والمثال هنا بشكل واضح في فشل أغلبية الوزراء منذ عام 2014 في تحقيق نجاح ملموس في مناصبهم رغم خلفياتهم الإدارية أو الأكاديمية أو القضائية السابقة ، ولذلك لا ينبغي السماح بأن يتم فرض مرشّحين مدعومين حكوميًا على الحياة السياسية بالطريقة ذاتها التي يجري فيها اختيار المحافظين والوزراء ونوابهم.
الملاحظة الأهم هنا تتعلق بزج الأكاديمية العسكرية في غمار هذا المعترك السياسي، وهو ما يعتبر بمثابة خلق آلية جديدة غير دستورية ، وسبق توجيه انتقادات متزايدة إليها بسبب تدريبه الموظفين المتقدّمين للعمل في أجهزة الدولة، كونها تضع معايير لا تمت بالعلاقة للترشح لتلك الوظائف، بالإضافة إلى أن لديها مكونها التعليمي التي تسعى إلى اعتماده من خلال الحديث عن ما تسمّى “حروب الجيلين، الرابع والثالث”، وترويج الإشاعات وما تسمّيها معركة “الوعي” وفهم معنى الدولة”، وهي أطروحات تثير مخاوف بشأن فرض سردية رسمية واحدة في المجال العام تعتمدها أجهزة الدولة، باعتبار أن أي نقد يوجه يمثّل “بثّاً لأخبار كاذبة”، ولا يدخل في نطاق حرية الرأي والتعبير المنصوص عليها دستورياً، ويعتقد سياسيون كثيرون أن هذا يمثل جزءاً متعمّداً لتدخل المؤسّسة العسكرية في الحياة المدنية. كما أنها توكل لرئيس البرلمان، ومن تسمّيهم مفكّرين سياسيين “موثوقاً بهم”: ووزارتي التعليم العالي والعدل. الأسئلة هنا: من يضع معايير الثقة في هؤلاء المفكرين؟ وهل يمتلك رئيس البرلمان والوزراء المعنيّون تاريخاً سياسيّاً وخبرة مستقلة تؤهلهم للحكم على صلاحية المرشّحين للرئاسة من عدمها؟
بالإضافة إلى هذا، تمثل هذه الشروط شكلاً من أشكال الوصاية من النظام الحالي على الحياة السياسية في ما بعد 2030، إذ يضع نفسه في موقع الخصم والحكم في آن، وهو الذي لا يملك صلاحية وضع قواعد قانونية للانتخابات المقبلة، خصوصاً في ظل فقدان التوازن بين السلطات، وغياب الحد الفاصل بينها في ظل هندسة الانتخابات البرلمانية وما لاحقها من سيل القوانين التي تمرّرها هذه المجالس بدون نقاش حقيقي.
المجتمع من يملك تعديل شروط الترشح للرئاسة من خلال قواه الحية، ممثلةً في الأحزاب السياسية داخل البرلمان أو خارجه
الأمر الآخر أن من يملك تعديل شروط الترشح هو المجتمع من خلال قواه الحية، ممثلة في الأحزاب السياسية داخل البرلمان أو خارجه، وليس استجابة لرغبات النظام. كما يؤكد الدستور على حظر أي تعديل يتعلق بانتخابات الرئاسة، إلا إذا أدّت إلى تعزيز ضمانات الترشح. ويجب أن تعكس هذه الاقتراحات حاجة حقيقية لا مصطنعة، وهو ما يحتاج ابتعاد السلطة التنفيذية والإدارية عن التدخل في فلترة المرشحين، سواء الحاليين أو المستقبليين، كما حدث في انتخابات 2018 و2024.
وإذا أرادت السلطة اتخاذ خطوات إيجابية لدعم الحياة السياسية، فالأجدى أن تركز على أولويات أكثر إلحاحاً، أهمها فتح الباب لحياة سياسية حقيقية تسمح بتمثيل حقيقي لكل التيارات واحترام الحريات والحقوق العامة، بما فيها حرية الرأي والتعبير وحرية التنظيم والتوافق على نظام انتخابي ديمقراطي بعيداً عن تدخّل أجهزة الدولة، وإخلاء سبيل كل المحبوسين وسجناء الرأي الموجودين منذ سنوات في السجون، ووقف كل الإجراءات المعلنة أخيراً، الخاصة بحبس الصحافيين وإحالتهم إلى محاكمات عاجلة.
وأخيراً، تثير هذه المقترحات أسئلة تتجاوز مضمونها المباشر: هل تمثل مجرّد بالون اختبار لتمرير ترتيبات أخرى، أم أنها تعبر عن توجّه حقيقي لدى النظام الحالي لإعادة تشكيل قواعد المنافسة السياسية بعد عام 2030؟ وحده المستقبل سيكشف طبيعة هذه التوجهات، لكن طرحها، في حد ذاته، يستدعي نقاشاً عاماً حول حدود تدخل السلطة في تشكيل الحياة السياسية ومستقبل تداول السلطة في مصر. الأمر الذي يجب تأكيده هنا أن الترشّح في الانتخابات الرئاسية يجب أن يعبّر عن برامج سياسية متنافسة بعيداً عن تدخل مؤسّسات بعينها في اختيار المرشحين أو تحديد أهليتهم السياسية. كما ينبغي أن تكون هذه البرامج ثمرة جهد سياسي واجتماعي جماعي، وأن تخضع للاختبار من خلال طرحها للنقاش أمام الرأي العام. بغير ذلك سيكون هذا بمثابة حرث في البحر، واستمراراً للأزمة السياسية والاقتصادية التي ترهن المجتمع سنوات مقبلة.
المصدر: العربي الجديد






