الطب النفسي في سوريا.. الواقع والآمال

عبد الرحيم خليفة

يعاني قطّاع الطب النفسي في سوريا نقصاً حاداً في الأطباء من ذوي الاختصاص والكوادر، رغم الحاجة الماسة والمتزايدة إلى تنشيط هذا القطاع وتفعيله ودعمه بشكل كبير، نتيجة لانعكاسات ما حصل خلال سنوات الثورة السورية على الإنسان السوري، جراء تدمير الحواضن الشعبية، واقتلاع المواطنين، ومحاولات قطع كل سبل الحياة أمامهم، إضافة إلى الاعتقال والتعذيب والاغتصاب، وكافة الانتهاكات الأخرى، وزيادة الحاجة إلى علاج الكثير من الأمراض التي تفشت والحالات التي انتشرت نتيجة لذلك.

قبل الثورة في عام 2011، كان هذا القطاع يعاني الكثير من الإهمال والقصور من قبل الجهات المعنية، وهو ما يعكس دنو مكانة الإنسان، وعدم احترام آدميته ومكانته، وذلك لجهة العدد المحدود من الأطباء المختصين، وأماكن العلاج (3 مشافٍ تخصصية فقط في سوريا، اثنتان في دمشق وريفها وواحدة في حلب، والعديد من المراكز العلاجية)، وطبيعة الطرق العلاجية المستخدمة، والخلط بين الأمراض النفسية والعقلية.

هذا، إضافة إلى النظرة السلبية تجاه المرضى الراغبين في العلاج عند طبيب مختص، وكذلك الأمر بالنسبة لحال الأطباء المختصين في هذا المجال، على قلتهم، من ناحية المردود المادي مقارنة باختصاصات أخرى، والأسباب الاجتماعية والثقافية المتعلقة بالأمر، والطاقة الإيجابية الهائلة التي يجب أن يتمتع بها هؤلاء الأطباء في علاقتهم مع المرضى، والنتائج البطيئة التي يتوخونها على مدى زمني طويل.

في 10 أكتوبر من كل عام، يحيي العالم اليوم الدولي للصحة النفسية، في إشارة إلى أهمية هذا اليوم على مستويات عديدة، وفي سوريا الجديدة، هذا العام، أُعلن في هذه المناسبة من قبل مدير الصحة النفسية في وزارة الصحة وائل الراس عن تقديم خدمات الدعم النفسي والرعاية من خلال 764 مركزاً للرعاية الصحية الأولية، موزعة على كافة المحافظات.

ولا شك أن هناك جهوداً كبيرة ومهمة تُبذل في هذا الشأن في سوريا الجديدة، تعكس تحولاً في مكانة الإنسان وقيمته، ولكن الأمر يحتاج إلى جهود أخرى أبعد من ذلك، مجتمعية وثقافية وتربوية، إضافة إلى الجهود الطبية والعلمية، ولعلنا ندرك حجم الأزمة على هذا المستوى إذا ما علمنا أن عدد الأطباء المسجلين في هذا الاختصاص في سوريا في عام 2024 فقط 104 أطباء، حسب الدكتور مازن الخليل رئيس رابطة الأطباء النفسيين، ولا نعلم على وجه الدقة إن كان جميعهم يزاولون المهنة ويقيمون على الأراضي السورية ولم يغادروها في السنوات الماضية، أو غادروها وعادوا، وكذلك متوسط أعمارهم.

وإحدى إشكاليات هذا القطاع المهم والحساس وجود من يزاولون الاختصاص وهم، في الأساس، مختصون في أمراض وجراحة الأعصاب، في حالة خلط غير علمية وغير مفيدة إطلاقاً. اليوم، معظم من يغطون هذا النقص الحاد هم من أصحاب الاختصاص في الإرشاد النفسي أو علم النفس الإكلينيكي، الذي يدرس السلوك البشري والعمليات العقلية والشخصية، وتفسير أنماط السلوك.

من المهم بمكان، اليوم، وصولاً إلى إنسان سليم ومعافى، ومجتمع تتوفر فيه سبل العلاج للخلاص من العقد والأمراض، الفصل بين الأمراض النفسية التي تعالج الاكتئاب والقلق والإدمان، وحتى الوسواس القهري، والأمراض العقلية (الذهان) التي تعالج قضايا الانفصام عن الواقع وعدم التمييز بينها وبين الخيال، والتي يمكن أن تتحول إلى حالات خطرة تهدد المريض بإيذاء نفسه أو الغير، وحتى الانتحار، وهذا الفصل ليس على مستوى الأطباء بل حتى في أماكن العلاج والاستشفاء.

سمحت لي ظروف خاصة بين عامي 2003 و2006 أن أكون شاهد عيان على تجربة العلاج في مشفى ابن خلدون في حلب (إحدى المشافي الثلاث في سورية)، وكانت كل الطرق العلاجية للمرضى المقيمين تقوم على فكرة “الهجيع” التي تعني القتل أو الموت البطيء للمريض، من خلال ما يُعطى له، وليس علاجه ومحاولات إعادته إلى الواقع واتزان تفكيره وسلوكه، هذا عدا عن مسائل العنف وعدم النظافة، بل وسرقة المخصصات والاغتصاب للقادمات حديثاً.

تحتاج سورية الجديدة إلى إيلاء هذا الاختصاص أهمية قصوى بالنظر إلى حجم الانتهاكات والكوارث التي ارتكبها النظام البائد، ومقاومة السوريين للبقاء على قيد الحياة، خصوصاً الأطفال والنساء، من مثل التشجيع على هذا الاختصاص وتقديم الحوافز المطلوبة وزيادة الاهتمام به منذ النشأة، وفي برامج التربية والتعليم، باعتباره مرضاً مثل كل الأمراض الأخرى، لا عيب فيه، ولا نقيصة، ووفق ما تقوله الدراسات والأرقام، فإن أكثر من يرتادون عيادات الطب النفسي هم أبناء المجتمعات المتحضرة، ولأسباب مختلفة.

نتيجة النقص الحاد، تشير بعض المصادر إلى الحاجة إلى آلاف الأطباء المختصين لتلبية التداعيات الكبيرة، والوفاء بمبتغيات سورية الجديدة التي نحلم بها.

قطاع الطب النفسي يحتاج إلى زيادة في عدد المشافي والأطباء في عموم الأراضي السورية، وزيادة مراكز معالجة الإدمان والمخدرات التي عمل النظام البائد على تفشيها وهزيمة المجتمع من ذاته، ومن نافل القول إن هؤلاء، أي الأطباء، هم المخولون بكتابة الوصفات الطبية التي تُعطى للمرضى، والأمر لا يحتمل الفوضى والعبث بحيوات المرضى.

المصدر: صحيفة الثورة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى