أميركا… العرب والمسلمون للتصويت للديمقراطيين

  محمود الريماوي

كان في وسع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يتصرف بقليل من الاتزان في الحملة الانتخابية للكونغرس بمجلسيه، بيد أنه لم يفعل، وربما لو فعل.. لو أبدى قدراً من الاتزان، لما كان هو نفسه، لكنه أطلق حملة شعواء على الطبيب عبدول (عبد الرحمن) السيد، المترشح عن الحزب الديمقراطي في ولاية ميتشغان، وادّعاء أن ذاكرته لا تحتفظ باسم الرجل (مع أنه استعاد الاسم) فسمّاه متهكّماً محمد “يناديه بعضهم عبدول، وأنا أناديه محمد… أنا الرئيس، ويحقّ لي أن أناديه بالاسم الذي أريد”.. يحق للرئيس أن ينادي أي أحد بالاسم الذي يلاقي هوى في نفس الرئيس، يا لها من عظمة. وألصق به اتهامات خُرافية من قبيل إنه “جهادي متطرّف”، وعضوٌ كامل في جماعة الإخوان المسلمين. وهو ما حمل الطبيب من أصل مصري على نفي الاتهامات بصورة تامة. يكشف ترامب بهذا، مجدّداً وبغير مواربة، عن مناصبته العداء للإسلام والمسلمين، رغم أنه يزهو بعلاقته القوية ببلدان مسلمة، ويمتدح بعض قادتها المسلمين. وقد سارع، ومن غير أن يرفّ له جفن، إلى نسبة موجة الاحتجاجات العنيفة في فرنسا إلى الإسلام. وقد رد الرئيس إيمانويل ماكرون بالقول إن “اليسار المتطرّف” وراء ما جرى، وإنه لم يكن هناك تدخل أجنبي في أحداث بلاده. لم يعلن ترامب بعد على الملأ موقفه من المسلمين في بلاده، وإن لم يسبق له أن تطرق إليهم باحترام سوى قبيل انتهاء حملته الانتخابية لولايته الأولى.

ليس ترامب علمانياً ولا هو بالمتديّن المتزمت، يؤمن بسلطة المال والقوة العارية ولا شيء غيرهما. وباستثناء المسلمين (زهاء ملياري شخص)، يتجنّب الاحتكاك بأتباع الديانات الأخرى، التوحيدية أو غيرها، داخل الولايات المتحدة أو خارجها. وهو أمر يستحق التأمل من ممثلي المسلمين في العالم، ويقتضي الاعتراض عليه.

وقد نالت مرشّحة الحزب الديمقراطي في ولاية مينيسوتا إلهان عمر نصيبها من حملات ترامب، مترافقة مع ضغوط تعرّضت لها للتشكيك بوضعها القانوني. واستهداف هذه السيدة الشابة من أصول صومالية من ثوابت الرئيس الذي لا يتوانى عن نعتها بـ”قمامة”، داعياً إياها للعودة إلى بلدها الأم، في تحدٍ تام لحقوقها الدستورية وحصانتها المعنوية على الأقل، باعتبارها نائبة في الكونغرس. وقد عبّرت عن هذا بقولها “على مدى عشر سنوات، استهدفني ترامب بأكاذيب لا أساس لها وبحملات تشهير؛ وما هذا إلا تصعيد جديد في حملته القائمة على الترهيب السياسي”.

ليس ترامب علمانياً ولا هو بالمتديّن المتزمت، هو يؤمن بسلطة المال والقوة العارية ولا شيء غيرهما

وسّع ساكن البيت الأبيض، قبل أيام، دائرة حملته ضد من يزعم لنفسه أنهم أعداؤه، أو أشباحه السياسيون، فقد شن أخيراً هجوماً حادّاً على الحزب الديمقراطي، واتهم الحزب ومرشّحيه ومناصريه بالاستعداد لرفع العلم الفلسطيني في قلب ولاية كانساس مع تدنيس العلم الأميركي. وقد ورد هذا الإبداع الجديد للرجل بعد يوم على إعلان دعمه بنيامين نتنياهو في انتخابات الكنيست التي تجري الثلاثاء المقبل. وهو سلوك يمتنع عنه قادة الدول إزاء مناسبة انتخابية في بلد آخر، وقلما صدر عن رؤساء أميركيين في أثناء رئاسة أحدهم، بيد أن ترامب يعتقد أن منصبه يخوله أن يقول وأن يفعل ما لم يقله ولم يفعله رؤساء أميركيون سابقون. وبما يتعلق برفع العلم واضح أن الرجل يقصد في المقام الأول الأعداد الهائلة من المحتجين الأميركيين الذين خرجوا خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة احتجاجاً على دعم الرئيسين جو بايدين ودونالد ترامب حرب الإبادة في غزّة. ولا يتردّد الرجل في تقمص شخصية صهيوني متطرّف في تطيّره الشديد من علم فلسطين، رغم أن ترامب للحق ليس صهيونياً كسلفه بايدن، لكنه لا يخلو من عنصرية بما يقرّبه إلى الصهاينة حد الالتصاق بهم.

هذه الحملة النكراء على ثاني دين سماوي من حيث عدد معتنقيه، وعلى رمز وطني يخص شعباً يرزح تحت الاحتلال، تستحقّ ردّاً من الأميركيين المسلمين ومن هم من أصل عربي، علماً أن كثرةً من هؤلاء قد أوصلوه بأصواتهم إلى البيت الأبيض قبل نحو عامين، وهو ما يتعمَّد تناسيه. ومع قرب إجراء انتخابات مجلس النواب (435 نائباً)، وانتخاب 35 مرشحاً لمجلس الشيوخ، فإن من حق الجمهور العريض المستهدَف ومن واجبه أن يُحسن الاختيار، بمنح أصواته لمرشّحي الحزب الديمقراطي. وهو تقدير لا يصدر من الخارج، بل يتم التعبير عنه داخل الولايات المتحدة، كما فعل رجل الأعمال والناشط السياسي بشارة بحبح، والذي كان حتى بداية العام الجاري من مؤيدي ترامب، وقد سبق له ان ترأس جمعية باسم “العرب الأميركيون من أجل ترامب” لدعم الرجل قبل عامين في انتخابات الرئاسة، وقد جرى في غضون هذا العام تغيير اسم الجمعية إلى “العرب الأميركيون من أجل السلام”. لا يتردد بحبح، وهو مسيحي، في القول هذه الأيام وبالفم الملآن إن ترامب “خان أصوات العرب والمسلمين بتأييده لنتنياهو” (“القدس العربي”، 22 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري)، مُقرّاً بأن اتجاه الناخبين العرب والمسلمين اليوم يميل نحو الحزب الديمقراطي. وهذا تطوّر متوقع، بعدما أدركت هذه الشرائح العريضة في المجتمع الأميركي أن الجمهوريين المترشحين لانتخابات الأسبوع المقبل، ويقودُهم الرئيس الحالي، لا يستحقّون ثقتها.

يشهد الحزب الديمقراطي تحوّلات عميقة في مواقف ممثليه، إلى درجةٍ بات فيه معظم هؤلاء ينأون بأنفسهم عن دعم لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) لهم

وتطفو إلى الذاكرة واقعة تأييد المرشح الديمقراطي جو بايدن، في الانتخابات الرئاسية قبل الأخيرة، من جمهورٍ واسعٍ من شرائح الأميركيين المسلمين، ومن هم من أصول عربية، مع التساؤل إن كان يتم الانزلاق إلى ارتكاب الأخطاء مرّة تلو مرّة، غير أن هذا الانطباع يفنّده أن الانتخابات برلمانية هذه المرّة وليست رئاسية، وأن الحزب الديمقراطي يشهد تحوّلات عميقة في مواقف ممثليه، إلى درجةٍ بات فيه معظم هؤلاء ينأون بأنفسهم عن دعم لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) لهم، باستثناء أقلية من بينهم، وإن أعداداً متزايدة منهم تساند تقييد دعم تل أبيب بالسلاح، وتدين حرب الإبادة التي انخرط فيها بايدن وترامب، رغم كلامهما المعسول عن السلام والازدهار، وهو ما انتقل صداه وتأثيره إلى أقليةٍ يزداد عدد المعبرين عنها في أوساط الجمهوريين غير الترامبيين، وحتى لدى بعض من ما زال ولاؤهم لترامب في حركة ماغا.

بانتظار أن يرد الناخبون الأميركيون بعد أيام على اندفاع الإدارة الحالية في التحالف مع مجرمي الحرب في تل أبيب، ومع المدمنين على شن الحروب في الشرق الأوسط لمصلحة دولة أجنبية، ومن يسهمون في إفقار شرائح واسعة من الجمهور الأميركي، وفي إذكاء الانقسامات العرقية والثقافية في أوساط هذا الجمهور وفي عشرات الولايات.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى