مصر وسوريا: شركاء أمن الخليج العربي

صفوان جمّو

ليست الحرب بين الحوثيين والسعودية مجرد نزاع يمني على السلطة، ولا مواجهة حدودية يمكن احتواؤها بتفاهمات مؤقتة. إنها، في جانب أساسي منها، امتداد للصراع الإقليمي بين إيران وخصومها، حيث يؤدي الحوثيون دورًا يتجاوز حدود اليمن، وتتحول الأراضي والمنشآت السعودية إلى ساحة لتبادل الرسائل والضغوط. ومن هنا، فإن قراءة هذه الحرب باعتبارها مشكلة يمنية داخلية فقط، أو خلافًا يمكن تسويته بمعزل عن الدور الإيراني، تعني تجاهل أحد أهم أسباب استمرارها.

لقد أظهر استهداف المنشآت الحيوية والمطارات السعودية أن الحوثيين لا يتعاملون مع المملكة بوصفها طرفًا خارجيًا في النزاع اليمني فحسب، بل يسعون إلى رفع تكلفة انخراطها في الحرب، ودفعها إلى التراجع عن دعم الحكومة اليمنية. وهذه الاستراتيجية تمنح طهران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ورقة ضغط إضافية في مواجهة السعودية ودول الخليج، وتتيح لها توسيع نطاق المواجهة من دون أن تتحمل بالضرورة تكاليفها المباشرة كاملة.

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الحرب باعتبارها حرب وكالة، يستخدم فيها الحوثيون قدراتهم العسكرية والجغرافية لخدمة حسابات إيرانية أوسع، حتى وإن كانت لهم حساباتهم ومصالحهم اليمنية الخاصة. فالعلاقة بين الطرفين لا تعني بالضرورة أن كل قرار حوثي يصدر بأمر إيراني مباشر، لكنها تعني أن قدرات الجماعة وتحركاتها باتت جزءًا من معادلة إقليمية لا يمكن فصلها عن مصالح طهران.

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بطبيعة الدور الإيراني وحدها، بل بكيفية تعامل السعودية ودول الخليج مع هذه المعادلة.

منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط الماضي، كان أمام الرياض والعواصم الخليجية مجال أوسع للمبادرة السياسية والاستراتيجية. فبدلًا من الاكتفاء بمراقبة تطورات المواجهة، أو التركيز على تجنب تداعياتها المباشرة، كان يمكن العمل مبكرًا على بلورة موقف خليجي واضح، يربط أمن المنطقة بمواجهة مصادر التهديد، ويحدد طبيعة الدعم السياسي والأمني المطلوب، بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

ولا يعني ذلك أن تدخل السعودية ودول الخليج في الحرب كان ينبغي أن يكون تلقائيًا أو بلا حسابات، فلكل دولة مصالحها ومخاطرها وتقديراتها الخاصة. لكن الحياد العملي، حين تكون تداعيات الحرب مرتبطة مباشرة بأمنها، قد لا يكون كافيًا لحماية مصالحها على المدى الطويل. وكان الأجدى أن تكون دول الخليج صاحبة مبادرة، لا مجرد أطراف تنتظر ما ستقرره واشنطن، وأن تسعى إلى التأثير في مسار الأحداث بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.

ومن هنا، لا يبدو من الحكمة أن تعوّل الرياض على ضمانات أمريكية دائمة، ثم تفاجأ إذا ظهرت في لحظة معينة مؤشرات على تراجع الالتزام الأمريكي أو تقديم واشنطن أولوياتها الخاصة على حساب مصالح حلفائها. فالولايات المتحدة، مثل غيرها من القوى الكبرى، تتخذ قراراتها وفق حساباتها الوطنية، وقد تتقاطع هذه الحسابات مع مصالح الخليج في مرحلة، ثم تختلف عنها في مرحلة أخرى. ولذلك، فإن حماية المصالح الخليجية تتطلب شراكة قوية مع واشنطن، لكنها تتطلب أيضًا قدرة خليجية مستقلة على المبادرة وبناء التحالفات وتوزيع المخاطر.

وفي المرحلة الحالية، لا ينبغي أن يقتصر التحرك على السعودية ودول الخليج. فمصر، بما تملكه من ثقل عربي واستراتيجي، معنية مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب والملاحة الدولية. وأي اضطراب مستمر في هذه المنطقة ستكون له انعكاسات على التجارة والاقتصاد المصريين، فضلًا عن تأثيراته في الأمن العربي عمومًا.

أما سوريا، التي تسعى إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة دورها الإقليمي، فلديها مصلحة في قيام علاقات عربية متينة تقوم على المصالح المشتركة واحترام سيادة الدول. ويمكن لدمشق أن تسهم، بالتنسيق مع الرياض والقاهرة والعواصم الخليجية، في بلورة موقف عربي داعم لأمن السعودية، يرفض استهداف المدن والمنشآت المدنية، ويؤكد أن الخلافات السياسية لا تبرر تحويل أراضي الدول ومرافقها الحيوية إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية.

ولا يعني هذا الدعم بالضرورة الانخراط العسكري المباشر، بل يمكن أن يبدأ بتنسيق سياسي وأمني، وتبادل المعلومات، وتوحيد المواقف الدبلوماسية، ودعم الجهود الرامية إلى الحد من قدرات الجماعات المسلحة على تهديد الدول المجاورة.

إن المطلوب اليوم ليس توسيع الحرب بلا حدود، بل منع إيران والحوثيين من فرض معادلة يصبح فيها أمن السعودية والخليج ثمنًا للتفاهمات الإقليمية. وهذا يحتاج إلى سياسة تجمع بين الردع والتحرك الدبلوماسي، وبين الشراكة مع الولايات المتحدة وبناء قدرة عربية أكثر استقلالًا.

فأمن الخليج ليس مسؤولية أمريكية حصرية، كما أن استقرار اليمن لا يمكن أن يتحقق بإنكار مصالح اليمنيين أو تجاهل الدور الإيراني. وبين هذين الأمرين، تبرز الحاجة إلى مبادرة سعودية وخليجية أوسع، تجد دعمًا مصريًا وسوريًا وعربيًا، وتعيد التأكيد أن أمن المنطقة مسؤولية مشتركة، وأن انتظار الآخرين لاتخاذ القرارات نيابة عنها ليس استراتيجية كافية لحماية المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى