نوبل المسيسة.. هل تذهب دائماً إلى مستحقيها في العالم؟

عبد الرحيم خليفة

فازت القاضية والحقوقية الجنوب إفريقية نافي بيلاي بجائزة نوبل لهذا العام 2026، “لجهودها الاستثنائية في تعزيز السلام وترسيخ القانون الدولي والدفاع عن العدالة وحقوق الإنسان”. وكما في كل عام، تثير هذه الجائزة جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والأدبية والثقافية، دوناً عن الأوساط العلمية الأخرى، فهي تُمنح في قضايا وجهود السلام والأدب والطب والكيمياء والفيزياء، إضافة إلى العلوم الاقتصادية.

هذا العام، بدأ الصخب حول الجائزة، والفائزة بها عن قضايا السلام، من الولايات المتحدة الأميركية، التي يعتقد رئيسها دونالد ترامب أنه يستحقها أسوة بسابقيه روزفلت، ويلسون، كارتر، واوباما، وهو الأولى بها، ما دفعه إلى مهاجمة المحكمة الجنائية الدولية التي تنتمي إليها نافي بيلاي، وحتى فرض عقوبات عليها، وليس بعيداً عن ذلك، بالطبع، موقف ترامب وأميركا الداعم لما تفعله إسرائيل بما يخص الهولوكوست في غزة.

على كل حال، في كل عام، عند منح جائزة السلام، تنجح اللجنة النرويجية، ومثلها الأكاديمية السويدية المختصة بالآداب، في مفاجأة الرأي العام العالمي بعيداً عن التوقعات والترجيحات، وحتى المراهنات، ومع كل ذلك يُفتح باب للنقاش يستمر طويلاً، وربما لا يتوقف إلا مع اقتراب موعد منح الجائزة في العام الذي يليه، وذلك لأهميتها ومكانتها، وليس فقط لقيمتها المادية.

لا شك في أننا نحن العرب لدينا “مظلومية” كبيرة مع هذه الجائزة، ومثلنا الكثير من الدول والشعوب، وعلى سبيل المثال لا الحصر: الهند والصين واليابان، فالجائزة أوروبية، أو غربية، بأكثر مما هي عالمية، رغم سمعتها في الخافقين، وأي جردة حساب لجنسيات من حصلوا عليها تُبيّن الأمر بوضوح شديد لا يقبل الجدل، فأولى الدول الولايات المتحدة الأميركية، تليها المملكة المتحدة.

وتحل ألمانيا في المركز الثالث، وهذا ليس فقط لتراجع دور العرب ومكانتهم عن الإسهام في ركب الحضارة العالمية، فنحن نتحدث عن السلام والآداب فقط، وليس عن المجالات العلمية الأخرى التي تجاوزنا فيها العالم كثيراً وتخلفنا عنه أشواطاً. أيضاً، من نال الجائزة من العرب، خصوصاً للسلام، كالرئيس المصري الراحل أنور السادات (1978) والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات (1994)، نالوها مناصفة مع من هم خصومهم (إسرائيليون)، وتحت دوافع حولها الكثير من الجدل تتعلق بالعدو الصهيوني.

وأما توكل كرمان فلم تنل سوى ثلث الجائزة عام 2011، مع بدء الربيع العربي، كجائزة ترضية، أو كموقف دعم لهذا الربيع، وهي الأنثى العربية التي نالت حظ الفوز بالجائزة، والدكتور محمد البرادعي، الذي نالها هو أيضاً مناصفة مع الهيئة الدولية للطاقة الذرية (2005)، التي كان يرأسها، وذلك عن دوره في التفتيش على العراق، كما توحي كل المؤشرات، وعلى السردية التي ثبت عدم دقتها أو صحتها حتى الآن، إضافة إلى الرباعي التونسي الراعي للحوار الوطني عام 2015.

أما في الآداب، فلم ينلها سوى الروائي المصري الراحل نجيب محفوظ، الذي برع في تصوير الحياة الاجتماعية في أحياء مصر وإيقاع الحياة اليومية بأدق تفاصيلها، ولم يتخذ موقفاً سياسياً واحداً في حياته يمكن أن يضع إشارة استفهام واحدة على شخصه أو أدبه، خصوصاً فيما يتعلق بقضية فلسطين.

أما في الكيمياء، فنالها الدكتور أحمد زويل المصري_ الأميركي، إضافة إلى بعض الأسماء من أصول عربية في مجالات العلوم المختلفة، كبيتر مدور اللبناني_ البريطاني في مجال الطب، وعبد الرزاق قرنح التنزاني البريطاني اليمني في الآداب.

مؤشرات كثيرة إلى تسييس الجائزة وعدم نزاهتها بشكل كامل، مثل الكثير من الجوائز العالمية، بل وتكريس خطيئة صاحبها ألفريد نوبل، مخترع الديناميت، مادة القتل والموت الأولى، وربما هذا ما دفع شخصيات كبيرة عالمية إلى رفض استلامها، بعد إعلان فوزهم بها، إضافة إلى أسباب أخرى، كما فعل ذلك الفرنسي جان بول سارتر، والبريطاني برنارد شو، والروسي بوريس باسترناك، وهو ما يطرح العديد من الأسئلة اليوم حول كل ما يتعلق بالجائزة، وهي أسئلة الأمس وربما الغد.

كما هو معروف، مُنحت الجائزة للعديد من المنظمات الدولية المحترمة، مثل: أطباء بلا حدود، والعفو الدولية، وقوات حفظ السلام، وحظر الأسلحة الكيميائية، وبرنامج الأغذية العالمي، ولم تُمنح لمنظمات أو جهات عربية أو سورية خلال سنوات الثورة وما بعدها، يشهد العالم على نبلها وتفانيها في قضايا السلام وحقوق الإنسان، وعملت في أسوأ الظروف وبأقل الإمكانات، كما منظمة الخوذ البيضاء والشبكة السورية لحقوق الإنسان، إضافة إلى العديد من الشخصيات التي لا تقل في مستواها عمن استحقوها من بلدان ودول أخرى، ولا نريد هنا ضرب أمثلة ربما يُقال إنها تحمل مجاملة أو ترويجاً لذويها.

أما في الأدب، فلا شك أن عالمنا العربي مزدحم ومكتظ بمن يستحقون هذه الجائزة، خصوصاً أن قراءه يتجاوز عددهم 500 مليون إنسان، وقد مُنحت لروائيين وأدباء يكتبون بلغاتهم المحلية أو الوطنية، التي يعتبر المتكلمون بها محدودي العدد وضعيفي التأثير في الثقافة والتراث العالميين.

هذا العام، من المرات غير القليلة التي نال فيها الجائزة مستحقوها عن جدارة وكفاءة، كما هو الأمر مع نافي بيلاي بعد مشوارها الحافل في دعم “النظام القانوني العالمي” في رواندا وميانمار وغزة، مع أمل أن يتكرس ذلك نهجاً لدى الأكاديميتين السويدية والنرويجية، وتوسعا نظرتهما وتخرجا من مركزيتها، وبما قصده وأراده صاحبها ألفريد برنارد نوبل.

العرب في مجالي الأدب وقضايا السلام يستحقون نظرةً أكثر حياديةً وموضوعيةً ممن يمنحون جائزة نوبل سنوياً، لاعتبارات عديدة.

المصدر: صحيفة الثورة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى