تهويد ودولة بلا حدود

  غازي العريضي

 

أعلن مكتب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن “هناك حملة تشويه تستهدف المستوطنين في سياق حملة منسّقة لتشويه صورة إسرائيل والسكان اليهود في الضفة خلال موسم قطاف الزيتون”. والمسألة تتجاوز اقتلاع أشجار الزيتون ومنع أصحاب الأراضي من جني محاصيلهم والزعم “أن الأرض لأصحابها الإسرائيليين والزيتون زيتونهم”. هي أخطر بكثير. إنها اندفاعة إلى تهويد الضفة الغربية، وعملٌ حثيث لتبرير ما يجري واتهام أصحاب الأرض الحقيقيين الفلسطينيين “بالعدوان”، وإخفاء حقائق ما يجري. ويصبّ ردّ مكتب نتنياهو في هذا الاتجاه، بعد سلسلة من الاعتداءات، طاولت دبلوماسيين أوروبيين وبريطانيين وإعلاميين، وخرجت إلى العلن، وتفاعلت بقوة، فاضطر المسؤولون الإسرائيليون إلى شنّ حملة مضادّة لن تنجح، لأنهم متورّطون مباشرة في ما يجري، ويساندهم المسؤولون الأميركيون وكل شيء موثّق.
أدلى وزير خارجية بلجيكا، مكسيم بريفو، بتصريحٍ، أشار فيه إلى هجوم مستوطنين ملثمين في بلدة الطيبة بالضفة الغربية المحتلة، واستهدف فلسطينيين “وقنصلنا العام” ودبلوماسيين فرنسيين وبولنديين، بالإضافة إلى ممثلين للكنيسة الكاثوليكية ورئيس بلدية فرنسي، وإلى الهجوم الذي استهدف دبلوماسيين أوروبيين في أثناء تجولهم في الضفة”. وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو: “نشعر بقلق كبير إزاء تلك الصور وما نراه. طلبنا من الإسرائيليين، ونواصل مطالبتهم باتخاذ إجراءات لردع تلك الأمور”. وجاء هذا الموقف، بعد الإعلان عن الاعتداء على المصوّرة الصحافية الأميركية، هايدي ليفين، التي كانت تغطي ما يجري لمصلحة صحيفة واشنطن بوست، وروت بالتفصيل ما جرى معها، وأظهرت الكسور والكدمات في أنحاء جسمها بعد خروجها من المستشفى على كرسي نقّال، لأنها غير قادرة على التحرّك بفعل ما تعرّضت له.
طالب السفير الأميركي في إسرائيل، مايك هاكابي، السلطات الإسرائيلية بملاحقة المسؤولين عن “العمل الإرهابي” (مضطراً لاستخدام هذا التعبير)، ولم يذكر الجهة المسؤولة. وليست المرّة الأولى التي يحاول فيها إخفاء الحقائق والتعميم في كلامه، بل ذهب أحياناً الى تبرير ما تقوم به إسرائيل “لأن الله وعدها بالأرض واختارها”. وقال مرّة: “إذا لعنّا إسرائيل لعننا الله ولعنّا أنفسنا”. وقبل الاعتداء على ليفين، تعرّض مصوّر وكالة الصحافة الفرنسية، جعفر اشتية، للضرب على أيدي مستوطنين في أثناء تغطيته موسم حصاد الزيتون. ضرب بأعقاب البنادق وجنود إسرائيليون يحمون المعتدي. واعتقل مراسل مؤسسة إعلامية برتغالية مستقلة، ريكاردو ديستيفيس، في بلدة رنتيس قرب رام الله وتمّ ترحيله. وبعد يومين، اعتدت قوات إسرائيلية على الصحافي الفلسطيني عصام الريماوي بالرصاص المطاطي خلال مواجهات بسبب اعتداءات المستوطنين.

عندما يعترف نتنياهو نفسه بمشروعه الاستراتيجي وأبعاده باستهداف العرب داخل دولة الاحتلال، هل نستغرب ما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزّة؟

تاريخ إسرائيل بالاعتداء على البعثات الدولية ولجان تقصّي الحقائق والمصوّرين والإعلاميين والصحافيين حافل ومسجّل فيه عشرات الشهداء والجرحى وعمليات الطرد والقمع والمنع لإخفاء حقيقةٍ لم يعد أحد قادراً على إخفائها. قبل الاعتداء على الصحافية الأميركية وغيرها، قال رئيس الحكومة السابق، نفتالي بينت، “تقاعس حكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش عن مواجهة الإرهاب اليهودي في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) يفرض علينا عزلة دولية”. وأضاف: “… إسرائيل ذاهبة إلى الانتحار الحتمي والبطيء. في عهد بن غفير وزير الإتاوات ازدادت الجريمة وازداد الرعب وانهارت الدولة”. وقال رئيس حكومة سابق آخر، إيهود أولمرت: “هناك تطهير عرقي بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية”. وأصدر الحاخام الإسرائيلي دوف ليؤور فتوى “تشرعن سرقة الزيتون الفلسطيني في الضفة باعتبارها حقاً دينياً ووطنياً”.
وقال المحلل العسكري في قناة كان 11 روعي شارون: “منذ أسبوعين تشغل العالم قضية الاعتداء على الصحافية الأميركية، التي تتمحور حول قطاف الزيتون في محاولة لعرقلة قطافه وسرقته. أعلن رئيس الأركان أن الجيش سيواصل العمل على إتاحة القطاف، مع الحفاظ على النظام العام، وكأنه يتحدّث عن منطقةٍ خارجةٍ عن سيطرته تماماً. الحقيقة أن ثمّة حملة منظمة لسرقة زيتون الفلسطينيين برعاية دولة إسرائيل ودعمها”. ونظمت قنوات إسرائيلية مؤيدة لنتنياهو نفسه حملات تحت عنوان “حان الوقت لإعادة النظر في مكانة عرب إسرائيل”، “ومتجهون إلى صدام مع عرب الجليل والنقب”. وهذا ما أكده نتنياهو نفسه، عندما ردّ على سؤال عن وجود 14% من اليهود في النقب: “.. أنا قلق جدّاً من هذا. بل أكثر من قلق. ونحن نعمل على هذا الشيء. وسنفعل ما فعلناه في يهودا والسامرة. مزارع ومستوطنات. لأنهم يريدون إقامة دولة فلسطينية، ولن نسمح لها بأن تقوم. أحد العوائق لذلك الاستيطان، وهو حيوي في النقب والجليل. الهدف إيجاد أغلبية يهودية، لأنهم إذا انتصروا (بقي العرب) سيكون لدينا حكم ذاتي عربي في الجليل والنقب، وهذا لن يكون”. وعن الاعتداء في الطيبة على الدبلوماسيين الأجانب قال: “الوفد ضم شخصيات معادية لإسرائيل ودخل منطقة حسّاسة من دون تنسيق”. أليس في هذا تبرير وتبنّ لما جرى؟
وعندما يعترف نتنياهو نفسه بمشروعه الاستراتيجي وأبعاده باستهداف العرب داخل دولة الاحتلال، هل نستغرب ما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزّة، حيث يمنع انطلاق مجلس السلام، وتُمنع الشركات من العمل، والمشروع أطلقه ترامب ويحمل اسمه، ويعتبره واعداً لمستقبلٍ أفضل للفلسطينيين بتحويل غزّة إلى مشروع استعماري، وتحت عنوان استثماري اقتصادي مالي، وإدارة ترامب لا تقول كلمة؟ ويخرُج سموتريتش ليقول: “المفتاح الأكبر لتهجير سكان غزّة أن نسلبهم الأمل، وألا يعتقدوا أن يوماً سيأتي وسيعاد فيه الإعمار هناك. وإذا قمنا بضم المنطقة وأصبحت لنا فستبقى منطقة صغيرة جداً مدمّرة ومكتظة وسيفهم الجميع أن لا جدوى من البقاء فيها. لا يمكننا السماح بوجود مليوني “نازي” أحياء على حدودنا”.

اعترف كثيرون بدولة إسرائيل والدول التي يختلف معها نتنياهو، ويرفع مسؤولوها وأبناؤها شعارات “الحرية لفلسطين”، واعترفوا بدولة فلسطين، وهي دول من أشد المدافعين عن إسرائيل

هل الحاخام ليؤور ونتنياهو وسموتريتش وبن غفير وأجهزة الإعلام المسخّرة لهم والدعوات إلى طرد العرب واستئصالهم من ديارهم حملة مبرمجة لتشويه صورة إسرائيل أم أنها الحقيقة التي يعمل لترسيخها هؤلاء؟ وهل الضجة العالمية ضد إسرائيل وممارساتها مفتعلة، وهي تعمّ مساحات وقطاعات لم نشهد يوماً ولم نتوقع أن نسمع كلمة أو نشهد ما تبثه شبكات الإعلام والتواصل الاجتماعي، ويطّلع عليه كل الناس، ويعترف مؤيدون تاريخيون لإسرائيل ومسؤولون فيها بأنهم “خسروا معركة الوعي”، وأن “إسرائيل منبوذة… معزولة”؟
ها هو الرئيس الأميركي السابق أوباما يعلن: “سبعة ملايين فلسطيني لن يرحلوا عن أرضهم. الفلسطينيون سلبت أراضيهم ومن حقهم المطالبة باستعادتها. والتفوّق العسكري والتكنولوجي لن يضمن لإسرائيل الأمن والاستقرار. حكومة نتنياهو تخلّت عن أرضيتها الأخلاقية بسبب سياساتها تجاه الفلسطينيين”. فردّ عليه نتنياهو بموقف يكشف الحقيقة مرة جديدة ويفضحه: “لسنا محتلّين ولم نسرق أراضي أحد، إنها أرض اليهود أباً عن جد. هذا وطننا. نحن لسنا كالهولنديين في إندونيسيا ولا كالبلجيكيين في الكونغو، نحن يهود في يهودا ونحن مرتبطون بهذه الأرض منذ آلاف السنين. عقبة فرص تحقق السلام لا تكمن في إسرائيل والولايات المتحدة والاعتراف بحق اليهود في إقامة دولة خاصة بهم مهما كانت حدودها”. و”إسرائيل وأميركا تواجهان أعداء مشتركين يرفعون شعار الموت للبلدين، والطرفان يدافعان عن حضارة مشتركة، أي سلام يُبنى على الأوهام سيتحطم على صخور “واقع الشرق الأوسط”. لن تخاطر إسرائيل ببقائها لإرضاء من يرفضون الاعتراف بحقها في الوجود أو يسعون الى استرضاء الإرهاب”. وشمل ردّه على أوباما هولندا وبلجيكا الدولتين اللتين تدينان ما يقوم به المستوطنون، وتعرّض دبلوماسيوهما للاعتداء، وفيه رسائل في كل الاتجاهات، مع إدانة مباشرة واضحة للسياسة الإسرائيلية، والنقطة الأخطر فيه “… دولة خاصة مهما كانت حدودها”.
اعترف كثيرون بدولة إسرائيل والدول التي يختلف معها نتنياهو، ويرفع مسؤولوها وأبناؤها شعارات “الحرية لفلسطين”، واعترفوا بدولة فلسطين، وهي دول من أشد المدافعين عن إسرائيل. والعرب طبّعوا، ووقعوا اتفاقات “سلام” وهمية، وذهبوا بعيداً في الإبراهيميات، وأقرّوا بالإجماع الاعتراف بدولة إسرائيل ضمن حدود 1967، وقدّموا ولا يزالون كل التنازلات. والجواب: عدوان مفتوح، ابتزاز، قتل كل الاتفاقات، عدم الالتزام بشيء إلا بمشروع دولة إسرائيل لا حدود لها. ولهذا السبب، يريدون تهويد الضفة الغربية وقطاع غزّة واستهداف عرب الداخل، واستقدام يهود العالم إلى الأرض الموعودة، واحتلال أجزاء من دول عربية من لبنان إلى سورية والأردن والسعودية والعراق، وتهديد دائم لمصر.

لزّم ترامب المهمّة ضد إيران لنتنياهو في وقتٍ تنتشر فيه معلومات عن دخول إسرائيلي على خط الحروب العربية العربية

هذه هي الحقيقة التي يكشفونها هم بممارساتهم وتصريحاتهم، وبعدوان المستوطنين المفتوح في الضفة، واعتبار الإضاءة عليه حملة لتشويه صورة إسرائيل، كما قال نتنياهو، وهو يعتبر المعتدين “مشاغبين”. ولمّا طالب روبيو بمحاسبة الفاعلين بعد الاعتداء على الصحافية الأميركية ليفين، والإحراج الذي أصاب إدارته، حتى نطق بهاتين الكلمتين، جاءه الجواب من السيناتور كريس فان هولين: “لم يحاسَب أحد على قتل الصحافية الفلسطينية الأميركية شيرين أبو عاقلة، وأصيبت برصاصة في رأسها وقُتلت، عندما كانت تغطي الأحداث قرب مخيم جنين على يد قوة إسرائيلية. كانت شيرين معروفة لدى الملايين بأنها “صوت جيل”، وعندما قُتلت كانت ترتدي سترة زرقاء واضحة تحدّد هويتها صحافية ولم يحاسَب أحد”. وأضاف: “سفارتنا في إسرائيل تتستّر على قتل أميركيين في الضفة، ولا ترسل المعلومات إلى الخارجية، علماً أن وسائل الإعلام تحدثت عن هذا بالصور والوثائق والأسماء”!
قالت عضو مجلس النواب الأميركي، إلهان عمر: “قتلت القوات الإسرائيلية تسعة أميركيين في السنوات الأربع الماضية. نحتاج إلى إجابات. لقد عرقل الجمهوريون في مجلس الشيوخ قراراً يهدف إلى تحقيق المساءلة لعائلاتهم ولآلاف الفلسطينيين الذين يواجهون الإبادة الجماعية، هذا غير معقول”. وقال الإعلامي جينك أويغور: “… لا ينبغي لأي أميركي أن يذهب إلى إسرائيل على الإطلاق. لقد صوّت مجلس الشيوخ لدينا على السماح لهم بقتلك. لقد قتلوا تسعة أميركيين، ولم يعتقل أي شخص. صوّت المجلس لمنع إجراء أي تحقيق ومنح إسرائيل حصانة لقتل الأميركيين”.
هل سمع روبيو هذا الكلام؟ هل فتح تحقيقاً في دور سفارته في إسرائيل، وإخفاء المعلومات عنه وعن إدارته، أم أنه يعلم ويغطي كل شيء؟ هل سمع كلام نتنياهو عن الدولة الـ “بلا حدود”؟ ثمة تغطية كاملة لإسرائيل وأعمالها ومباركة أميركية واستسلام عربي لواقع الحال. صدمة وخيبة من أميركا وإسرائيل “الحامي الأخير”. إنهم عاجزون عن القيام بأي أمر، ونحن في بداية أخطر، وآخر مرحلة لتصفية القضية الفلسطينية، وإحكام السيطرة الإسرائيلية. سيكون هناك “حريق هائل ودمار شامل”. دم، وفوضى وحضور إسرائيلي مباشر على الأراضي العربية تحت عنوان “تقديم الخبرات والمعلومات”. عمليات: إدارة الخراب والدمار والاقتتال العربي العربي. قبل أيام، كانت محاولة أميركية للتأثير في نتائج الانتخابات الإسرائيلية سلفاً، تقوم على إبقاء نتنياهو رئيساً للحكومة سنتين، وتقاسم مدة رئاسة الحكومة مع الجنرال إيزنكوت، لضمان تنفيذ الخطوات المطلوبة في هذه المرحلة.
هاجم نتنياهو المرشّح العربي لانتخابات الكنيست منصور عباس وأيزنكوت وحركة حماس والطيبة وعدة مرشحين ضده، محذّراً من أن سقوطه وفوزهم سيؤدّيان إلى كارثة في إسرائيل. ويؤشّر هذا إلى عدم فوزه. وقال: “حكومة بقيادة المعارضة ستقدم تنازلاتٍ في الملف النووي الإيراني، وتسمح بإقامة دولة فلسطينية. والاختيار هنا مسألة وجودية، إما فلسطين أو اليمين”. ثم خرج ترامب بتصريح خطير دخل فيه مباشرة على المسار الانتخابي الإسرائيلي، فأعلن تأييده الكامل والمطلق لنتنياهو لإعادة انتخابه رئيساً لوزراء إسرائيل. وقال: “إذا تمّ اختيار أي شخص آخر غيره سيكون الزعيم الخطأ، وإذا لم يفز بالانتخابات سنضطر للقيام بالمهمة ضد إيران بأنفسنا، وأنا لستُ ميالاً إلى هذا. كان نتنياهو قوياً وشجاعاً ولامعاً في مواجهة معارضة هائلة، بما في ذلك معارضة من داخل إسرائيل نفسها. وعلى الرغم من ذلك كله صمد، بل وازدهر فعلياً. راقبته خلال أصعب الفترات لم ينهر بل ازداد قوة. هذا نوع من الشريك الذي تطلبه الولايات المتحدة من إسرائيل، الدولة التي قدمت من أجلها الكثير”. كأني به اختار اليمين على فلسطين ومشروع اليمين دولة إسرائيلية بلا حدود. ولزّم المهمّة ضد إيران لنتنياهو في وقتٍ تنتشر فيه معلومات عن دخول إسرائيلي على خط الحروب العربية العربية، وأبرزها اليوم الحرب في اليمن.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى