
لا تُقاس متانة الشراكة التركية ـ الأذربيجانية بتطابق مواقف أنقرة وباكو فقط، بل بقدرتهما على إدارة الخلاف حين تتباعد حساباتهما الإقليمية. ومن هنا، لا تكفي قراءة مسألة الحجاب في المدارس الأذربيجانية بوصفها سجالاً حول قواعد الزي والعلمانية، كما لا يصح ربطها بخلفية جيوسياسية من دون العودة إلى أساسها الداخلي.
تكتسب الأزمة دلالاتها الأوسع بحسب كثيرين من اختلاف مساري البلدين تجاه إسرائيل. فبينما واصلت أذربيجان تطوير علاقاتها مع تل أبيب، انتقلت تركيا بعد حرب غزة إلى إجراءات سياسية واقتصادية بلغت وقف التجارة المباشرة في أيار 2024. ولم يمنع هذا التباين استمرار الشراكة بين أنقرة وباكو، لكنه يطرح سؤالاً: هل كشفت أزمة الحجاب اختلافاً قائماً بين الحليفين، أم تحولت إلى ساحة يتقاطع فيها الجدل الداخلي الأذربيجاني مع التباعد التركي ـ الإسرائيلي؟
تُظهر الوثيقة الرسمية الأذربيجانية أن قرار 21 أيلول 2026 بشأن قواعد الزي المدرسي استند إلى تعديلات قانونية أُقرت في تموز المنصرم، لتنظيم اللباس وفق قرارات موحدة. وهذه الخلفية ضرورية لفهم منشأ الأزمة، لكنها لا تستنفد دلالاتها السياسية بعدما تجاوز السجال قواعد الزي إلى السيادة الوطنية والعلاقات الخارجية.
لم يكن افتتاح أذربيجان سفارتها في تل أبيب في آذار 2023 بداية علاقاتها بإسرائيل، بل تتويجاً لمسار بدأ عام 1992 وتوسع ليشمل الطاقة والتعاون الأمني والعسكري والتقني.
لم يكن افتتاح أذربيجان سفارتها في تل أبيب في آذار 2023 بداية علاقاتها بإسرائيل، بل تتويجاً لمسار بدأ عام 1992 وتوسع ليشمل الطاقة والتعاون الأمني والعسكري والتقني. ولم تؤد حرب غزة إلى مراجعة هذا المسار؛ إذ واصلت باكو إدارة علاقاتها مع تل أبيب وفق مصالحها الاقتصادية والأمنية والإقليمية.
وتعززت القيمة الاستراتيجية لهذه العلاقة بفعل حسابات أمنية، في مقدمتها التوتر مع إيران، إلى جانب التعاون العسكري الذي اكتسب أهمية ملموسة خلال حرب قره باغ. فقد أسهم السلاح والتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية في تعزيز القدرات الأذربيجانية، ما جعل العلاقة تتجاوز الشراكة الدبلوماسية والاقتصادية إلى تعاون أمني ودفاعي. وبذلك، لا تنظر باكو إلى علاقتها بإسرائيل باعتبارها امتداداً لعلاقتها بتركيا، بل جزءاً من شبكة مصالحها الخاصة.
أما أنقرة، فقد رتبت حساباتها تجاه إسرائيل على نحو مختلف بعد حرب غزة، وانتقلت من تقييد الصادرات في 9 نيسان 2024، ضمن 54 مجموعة من المنتجات، إلى وقف التجارة المباشرة في 2 أيار، بعدما أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان التخلي عن تبادل تجاري سنوي بلغ نحو 9.5 مليارات دولار.
تكمن الدلالة الاستراتيجية في أن هذا التباين لم يمنع استمرار الشراكة التركية ـ الأذربيجانية، لكنه يطرح سؤالاً عن حدود قدرتها على استيعاب اختلاف الأولويات.
التحقت مؤخرا شخصيات من الحزب الحاكم في تركيا بالسجال حول قواعد الحجاب في المدارس الأذربيجانية، وفي مقدمتها أوكتاي سارال، كبير مستشاري الرئيس أردوغان، الذي اعترض في 12 تشرين الأول على حرمان الطالبات المحجبات من التعليم. وردّ حزب أذربيجان الجديدة الحاكم في باكو في اليوم التالي، مدافعاً عن القانون والعلمانية وسيادة البلاد، ورافضاً التدخل في شؤونها الداخلية، قبل أن يستحضر علاقات أذربيجان بإسرائيل بوصفها قائمة على المصالح المتبادلة. وهكذا تجاوز الرد حدود الخلاف حول الزي المدرسي إلى خيارات باكو الخارجية، وأدخل العلاقة مع تل أبيب صراحة في السجال بين الحليفين.
تكمن الدلالة الاستراتيجية في أن هذا التباين لم يمنع استمرار الشراكة التركية ـ الأذربيجانية، لكنه يطرح سؤالاً عن حدود قدرتها على استيعاب اختلاف الأولويات.
ولا يعني ذلك أن أنقرة اعترضت رسمياً على علاقة باكو بإسرائيل في سياق هذه القضية، أو أن تلك العلاقة تسببت في قرار الزي المدرسي. لكن استدعاءها في الرد الأذربيجاني يكشف أن الخلاف لم يعد محصوراً في تفسير قواعد داخلية، بل بات يمسّ أيضاً استقلال القرار وحدود التضامن السياسي. وهذه هي النقطة الأهم: ليس مطلوباً من الحليفين تطابق خياراتهما الخارجية، لكن انتقال التباين إلى خطاب السيادة والتدخل يجعل احتواءه أكثر حساسية.
وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، خلال زيارته باكو للمشاركة في القمة الآسيوية، أن اختلاف المقاربات أمر ممكن، لكن ينبغي عدم السماح باستغلاله لإضعاف العلاقات الاستراتيجية. وبعد مباحثاته مع إلهام علييف، أشار إلى أنه استمع إلى وجهة نظره، وشدد على مناقشة الاختلافات بصورة حضارية بدلاً من تحويلها إلى مادة للدعاية على وسائل التواصل الاجتماعي. وتعكس هذه الرسالة حرص أنقرة على احتواء السجال والحفاظ على الشراكة، من دون أن تثبت التوصل إلى تسوية.
لا تكتسب التباينات التركية ـ الأذربيجانية حساسيتها من اختلاف المواقف تجاه إسرائيل وحده، بل من وقوعها داخل شراكة أمنية وسياسية وثيقة، تعززت بدعم أنقرة لباكو في نزاع قره باغ، وانتقلت إلى إطار تحالفي رسمي مع إعلان شوشا عام 2021. وتستند هذه الشراكة إلى مصالح استراتيجية متبادلة، تتقاطع فيها حسابات الأمن والتحالفات مع المواقف من الحرب على غزة.
ولا يتعلق الاختبار هنا بالتباعد تجاه إسرائيل وحده، بل بقدرة أنقرة وباكو على التوفيق بين شراكة أمنية وثيقة واستقلال حساباتهما الإقليمية. فتعاظم موقع أذربيجان بعد حرب قره باغ، واستمرار علاقاتها الدفاعية مع إسرائيل، يعكسان اتساع هامش خياراتها، من دون أن يعني ذلك تراجع حاجتها إلى تركيا. التحدي أمام الطرفين هو الانتقال من تطابق المصالح إلى إدارة اختلافها داخل التحالف نفسه.
المسألة لا تتعلق بفرض نموذج تركي على باكو، ولا بمطالبة أنقرة وباكو بتوحيد خياراتهما السياسية، بل بقدرة كل دولة على إدارة خياراتها الداخلية والخارجية من دون أن تتحول الشراكة الاستراتيجية إلى مطالبة بتطابق المواقف.
وظهر هذا التباين بوضوح خلال قمة باكو، حين استقبل الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف نظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في 14 تشرين الأول، وبحث معه تطوير العلاقات الثنائية، بينما غادر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان والوفد المرافق القاعة عند بدء خطاب هرتسوغ في اليوم التالي. ولا يثبت هذا التزامن أن لقاء علييف وهرتسوغ استهدف أنقرة، أو أن مغادرة الوفد التركي كانت رسالة إلى باكو، لكنه يقدم مؤشراً ملموساً إلى اختلاف مقاربات الطرفين تجاه تل أبيب. فباكو تواصل إدارة علاقاتها مع إسرائيل وفق حساباتها الخاصة، فيما تعبر أنقرة عن رفضها السياسي لسياسات الحكومة الإسرائيلية، من دون أن تتخلى أي منهما عن شراكتها مع الأخرى.
لا تختزل أزمة الحجاب في أذربيجان في خلاف حول العلمانية أو الزي المدرسي، كما لا تكفي العلاقة مع إسرائيل لتفسير مسارها. لكنها تكشف حساسية التداخل بين الخيارات الداخلية للدول وعلاقاتها الخارجية .
ويضيف الجدل الذي عرفته تركيا حول الحجاب بُعداً حقوقياً واجتماعيا إلى المسألة؛ إذ تداخل فيه مفهوم العلمانية مع الحق في التعليم وحرية الاختيار والحضور في المجال العام. ولا يتيح ذلك إسقاط السياق التركي على الحالة في أذربيجان، لكنه يطرح أسئلة تتصل بحقوق الأفراد وحدود سلطة الدولة.
فالمسألة لا تتعلق بفرض نموذج تركي على باكو، ولا بمطالبة أنقرة وباكو بتوحيد خياراتهما السياسية، بل بقدرة كل دولة على إدارة خياراتها الداخلية والخارجية من دون أن تتحول الشراكة الاستراتيجية إلى مطالبة بتطابق المواقف.
المصدر: تلفزيون سوريا






