طوفان الأقصى وحمدين صباحي

محمود حسنى رضوان

أنا لا أكتب هذا الرد كخصم سياسي لحمدين صباحي، أكتب كشخص يعرف حمدين صباحي معرفة شخصية وثيقة، حتى على المستوى الأسري، منذ حديثه الشهير مع أنور السادات على الهواء مباشرة فى استراحة السادات فى القناطر الخيرية في لقاء اتحاد الطلاب عام 1977 حين وقف طالب في كلية الإعلام (22 سنة) يقول للرئيس: “كيف تبيعون مصر”!!.

منذ تلك اللحظة تابعت حمدين، دخلت بيته في بلطيم والقاهرة، جلست مع أسرته، وكان أبا لأولادي .. وكنا إخوة حقيقيين حتى عام 2013.. عرفت حمدين الشاب الناصري الصادق الذي كان ينام على الأرض في المعتقل، وعرفت حمدين الذي تحول بعد ذلك إلى ظاهرة صوتية تعيش على الشعارات !!.

ولهذا بالذات ، تصريحك يا حمدين في مايو 2024 بأن “طوفان الأقصى هو النصر الأهم في تاريخ أمتنا وبه انتهى عصر توسّع الكيان” صدمني ، لأنه لا يصدر عن جاهل بالسياسة ، بل عن شخص يعرف معنى الهزيمة والنصر، لكنه قرر أن يزور الحقيقة. !!

وهذه الحقيقة كما هي بالأرقام بعد ثلاث سنوات كاملة من أكتوبر 2023 حتى أكتوبر 2026:

(1)- “النصر الأهم”.. بأي مقياس يا حمدين

أنت يا حمدين عشت معنا هزيمة 67 وكنت تردد أن عبد الناصر لم يعتبرها نصرا بل تحمل مسؤوليتها ، كيف تعتبر اليوم هذه الكارثة نصرا

نعم ، 7 أكتوبر كان صدمة تكتيكية للاحتلال.. لكن الرد كان:

(أ). أكثر من 74 ألف شهيد وأكثر من 175 ألف جريح في غزة حتى 4 أكتوبر 2026

​(ب). دمار 82% من مباني غزة، وتقدير الخسائر بـ 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات

(ت). استُشهد واحد من كل 30 فلسطيني وأصيب واحد من كل 13، و90% من السكان نزحوا مرارا ويعيشون في أقل من 40% من مساحة القطاع

الصورة التي وضعتها أنت تحت تصريحك تفضحك يا حمدين: رجال غزة عراة جالسين على الأرض تحت حراب الاحتلال، يُنقلون في شاحنات !!.. هل هذا مشهد نصر.. هذا مشهد نكبة ثانية أنت تصفق لها من استوديو مكيف. !!

النصر في قاموس عبد الناصر لم يكن أبدا أن تترك شعبك بلا بيت ولا مستشفى ولا جامعة.. النصر الذي يفقدك 74 ألف من أبناء أمتك ليس نصر الأمة، بل نكبتها. !!

(2)- كذبة “انتهى عصر توسع الكيان”.. وأنت تعرف أن العكس هو الصحيح

هنا الفضيحة الموثقة التي لا يمكن لصديق قديم أن يسامحك عليها ، لأنك تعرف جيدا خريطة فلسطين.

بعد الطوفان الذي سميته نهاية التوسع، ماذا حدث

التوسع تضاعف 5 مرات:

البؤر الاستيطانية: 18 في 2023، و51 في 2024، و89 في 2025، و42 خلال أول 6 شهور من 2026 فقط

في 2025 وحدها أقرت حكومة الاحتلال إنشاء 54 مستوطنة جديدة، وهو أعلى رقم في عام واحد منذ عقود

نتنياهو تفاخر أمام قادة المستوطنين أن حكومته منذ أواخر 2022 صادقت على 104 مستوطنات و160 بؤرة استيطانية

تقرير الاتحاد الأوروبي في يوليو 2026 قال بالنص: تصاعد غير مسبوق في النشاط الاستيطاني يعكس انتقال السياسة من التوسع التدريجي إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي

أُعيد الاستيطان في مستوطنات أُخليت عام 2005 مثل حومش وسانور، وخُصصت 1.3 مليار شيكل لبناء 34 مستوطنة جديدة. وفي غزة نفسها، لم تنسحب إسرائيل، بل أقامت مواقع عسكرية دائمة وسيطرت فعليا على 53-65% من القطاع.

يا حمدين، أنت الذي كنت تحفظ خريطة فلسطين شبرا شبرا.، كيف تقول انتهى التوسع وهو يلتهم الضفة وغزة أمام عينك

(3)- أين الأمة التي انتصرت

أنت تتحدث عن نصر الأمة.. أنا أسألك كصديق عرفك منذ السادات حتى 2013: أين كانت هذه الأمة

الجيوش العربية بقيت في ثكناتها. معاهدات السلام مع مصر والأردن بقيت قائمة.. مصر رفضت التهجير وهذا موقف وطني سليم.، لكنها لم تفتح جبهة.. حزب الله الذي كنت تراهن عليه تدمرت قيادته ، وإيران قُصفت ، وسوريا سقط نظامها ودخلتها إسرائيل حتى جبل الشيخ. !!

الثمن دفع بالكامل من دم الفلسطيني وحده ، بينما اكتفينا نحن في العواصم بالشعارات والبيانات.. هذا ليس نصر أمة ، هذا ترك غزة وحدها تدفع الفاتورة بينما نحن نصفّق لها عن بعد.. !!

الخلاصة من صديق قديم

يا حمدين، صداقتنا انتهت في 2013 ليس لأني تغيرت ، بل لأنك تغيرت. !! تحولت من مناضل يعترف بالهزيمة ليعيد بناء مشروعه ، إلى خطيب يعتبر أي كارثة نصرا ليبرر وجوده السياسي. !!

حمدين الذي عرفته في 77 كان يقول للسادات الحقيقة في وجهه ولو على الهواء .. حمدين اليوم يقول للشعب المصري والعربي وهما يرى غزة مدمرة أن هذا هو النصر الأهم. !!

الحقائق الموثقة تقول:

(1)- غزة لم تتحرر بل دُمر 82% منها.

(2)- الضفة لم تتحرر بل ابتلعها الاستيطان بأعلى معدل منذ عقود.

(3)- الكيان لم ينكمش بل وسّع سيطرته في غزة والضفة وسوريا.

ما قلته ليس تحليلا استراتيجيا يا صديقي القديم ، بل خطاب تعبوي يرفض الاعتراف بالواقع ، ويستخدم دماء 74 ألف شهيد ليبني أمجادا وهمية !!.

والحقائق لا تُهزم بالشعارات، حتى لو قالها صديق عزيز.

المصدر: صفحة جهاد مسوتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى