الذكاء الاصطناعي ومسألة التقدّم العلمي إنسانياً

محمود الوهب

                   

يتقدّم اختراع الذكاء الاصطناعي كل الاختراعات التي أبدعها الإنسان، ولعله في زمننا تتويج لها، وهو في غاية الأهمية لقدرته الفائقة على تطوير الأدوات والوسائل التي تساهم أساساً في أنشطة الإنسان العملية، وبالتالي، في تقدم حياته، من خلال تطور أدواته، التي أخذت تلامس ميادين إنتاجه كلها! فالذكاء الاصطناعي قابل للاستخدام في غير مجال، وفي كل ما من شأنه أن يلعب دوراً في أسباب تقدّم حياة الإنسان، والارتقاء بها، ما يجعله، مجال تنافس بين القوى الكبرى المرشّحة للتمكّن من تطويره، والشغل عليه.. وهذا ما سوف يحصل، بل هو جاري الحدوث بالفعل. الأمر الذي يجعله قادراً على إيجاد تمايز جديد بين الدول.. وسوف يزيد احتدامه بجعل الصراع التنافسي أكثر حدّة. ما قد يكون له دور في تغيير موازين القوى العالمية..

ومن هذا الجانب يأتي الخوف لا من الذكاء الاصطناعي نفسه، بل من خلال خطأ قد يقوم به الإنسان، فيقود إلى تدمير الحياة وما عليها، أو على أجزاء منها. وعلى هذا، ما هو مطلوب من الإنسان، ومن هيئاته العاملة في المجالات الإنسانية كافة، التمييِز بين أمرين. أولهما: التخوف من الذكاء الاصطناعي، لا على أنه اختراع يثري حياة الناس، بمساهمته في تطوير أفكارهم وأدواتهم، بل من شكل استخدام هذا المخترع العجيب.. فشأنه شأن منجزات كثيرة أوجدها الإنسان تسهيلًا للتغلب على مصاعب أو عثرات توضع في مسار حياته..

الأمر الثاني الأكثر أهمية، فقد يأتي الخلل من استخدام خاطئ، أو من لحظة غضب أحد القادة، أو لدى شعور أحد هؤلاء بهزيمة ما. وكثيراً ما تحدث مثل هذه الأمور. ألم يستخدم الإنسان القنبلة الذرية، في لحظة غضب، أو تحدٍّ، فدمّر ملايين البشر؟! ولا يزال تأثير ذلك إلى يومنا هذا..

حياة الناس اليوم تقاس بمدى استخدام المجتمع للتكنولوجيا المتقدمة، بل إنها تقوم بالاستناد إليها

تقدم الإنسان منوط بموقفه من العلم.. إذ لا يمكن للإنسان أن يقف ضد العلم وما ينتجه، فكل ما يجيء به العلم، من إنجاز يمكن جعله في خدمة الإنسان، وإن عارضه في البداية، أناس كثيرون، فالعلم حصيلة جهد فكري ناجم عن علاقة بين الإنسان المفكر وأحداث الحياة.. وإذا كان الإنسان قد تغلب في تاريخه، ولدى صراعه مع الكثير من العوامل الطبيعية التي كانت تعيق تنمية حياته أو بعض شؤونها! فإن هذا الذكاء هو من اختراعه، وهو الأكثر مضاء من أية وسيلة ترتقي به، وتساهم في تمهيد طريقه نحو قمم جديدة على مستوى تحسين حياته والارتقاء بها..

وهذا الأمر أعني: الصراع بين القديم والجديد أبدي.. والحياة غالباً ما تكتب النجاح للجديد النافع، وتسقط غيره، فالإنسان على ما ألف من حياته، وعلى عداء لما يجهله، إلى أن يخضعه للتجربة.. حياة الناس اليوم تقاس بمدى استخدام المجتمع للتكنولوجيا المتقدمة، بل إنها تقوم بالاستناد إليها. أما الذكاء الاصطناعي فهو أرقى ما جاءت به التكنولوجيا.

العقل الإنساني الذي أوجد هذا النوع من الذكاء كفيل بأن يجد حلولاً لكل ما يمكن أن ينتج عن ذلك الاختراع العظيم

العقل الإنساني الذي أوجد هذا النوع من الذكاء كفيل بأن يجد حلولاً لكل ما يمكن أن ينتج عن ذلك الاختراع العظيم.. أما التخوف منه فمشروع، لما قد ينجم عنه من أخطار في حالات، لم يحسن استخدامه فيها، أو استخدم عن عمد في لحظات حرجة تمر بالناس وبالدول، ولا يتعلق أمر الذكاء الاصطناعي بوصفه اختراعًا تقنيًا فحسب.. ولا بما يتمتع به من التأثير في موازين القوى العالمية، بل لما له من تأثير في حياة الإنسان نفسه! وفي الحقيقة، ليس التخوف، من قدرات الذكاء الاصطناعي! بل من السباق التنافسي الذي يقود القوى العالمية أو بعضاً منها، فمن اتخاذ قرار خاطئ في لحظة انفعال ما أو غضب.. ما قد يدمِّر الحياة على الأرض، ولذلك لا بد من وضع ضوابط. ولا بد هنا من وجوب رؤية الفارق بين الخوف من الذكاء الاصطناعي، كونه قوة شديدة التأثير، ما قد ينتج أخطاراً تهدد البشرية أو جزءاً منها في أقل تقدير، فالمسالة هنا منوطة بطريقة استخدام الإنسان للذكاء الذي صنعه.. وقديماً قيل إن الإنسان صار عبدًا للآلة، لكن الآلة خدمت الإنسان كثيراً، وطورت حياته، ولم يعد الآن قادراً على الاستغناء عنها، ما يعني أن الأمر متوقف على العقل البشري الذي يمكن أن يخطئ أو يتسرع في اتخاذ قراره! فهنا تصبح الضوابط ضرورية وذات أهمية قصوى..

يدخل الذكاء الاصطناعي في مجالات الحياة كافة، ليصبح مستقبل البشرية منوطًا به وبتطوره. ولعل الخطر الأكبر لا يأتي من أن يغدو الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاء من الإنسان في بعض مهامه، بل من أن يهمل الإنسان عقله أحياناً.. وهنا يجب ألا تفوتنا معرفة أن العلاقة جدلية بين عقل الإنسان والآلة.. فإذا ما استخدم الإنسان الذكاء الاصطناعي لتوسيع معرفته، وتنمية قدرته على الإبداع، فقد يكون هذا مكسباً حضارياً وإنسانيّاً.. أما إذا استخدمه لتكريس مبدأ القوة والهيمنة على العالم، وإلغاء مسؤولية الإنسان عن قراراته، فقد يتحوّل التقدّم التقني إلى تراجع إنساني، وقد يقود العالم إلى التهلكة.

لعل الخطر الأكبر لا يأتي من أن يغدو الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاء من الإنسان في بعض مهامه، بل من أن يهمل الإنسان عقله أحياناً

ولعلّ َالأمر يكمن هنا في الابتعاد عن القرارات الفردية، أو التي تتخذ، من خلال جماعة قليلة من القادة تتسرع في قرار ما، فلا بد لذلك من فسحة للتروي، ولمناقشة الأمور من زواياها كافة، وغالبًا ما يتروّى الإنسان بمثل هذه الأمور الاستثنائية، وتبقى الثقة بقوة عقل الإنسان، وبحساسية روحه، تجاه حياة البشرية هما المعيار الفعليّ الواجب الأخذ بهما.

الحل في هذه الحالات الدقيقة والخطيرة ليس في كبح نزوع جماح المعرفة، بل في تطوير المسؤولية الإنسانية، بالتوازي مع السعي إلى اكتساب المعرفة الزائد.. وهذا الأمر بحاجة إلى قوانين ناظمة، وإلى مؤسّسات دولية فعالة، وإلى رقابة على الأسلحة الموصوفة بالتدمير الشامل، وإلى ثقافة سياسية وأخلاقية، تجعل من حياة الإنسان وسلامته معياراً لكل تقدم، لا عدّها مجرد أدوات في صراع القوى.. والإنسان، في النهاية، قادر، كما كان في الماضي، على التوفيق بين التطوّر العلمي وسلامة الحياة البشرية..

وتبقى الإشارة إلى أن تعدّد أصحاب القرار لا يكفي وحده، فقد تتفق مجموعة كاملة على قرار كارثي، أو ربما وقعت تحت ضغط فرد واحد.. لذلك لا بد من الجمع بين تعدّد القرار واستقلال الجهات الرقابية، ووجود قواعد، وقيود شديدة، تأخذ بمصالح البشرية، وبسلامتها، وبالتالي تمكن الحيلولة دون استخدام القوى التدميرية الشاملة. ولعل هذا هو جوهر المسألة: إذ لا ينبغي أن يتحكَّم بمصير البشرية مزاج فرد من بنيها، ولا الاعتماد على اتزانه العقلي، والنفسي في لحظات شديدة الخطورة، بل تقتضي الضرورة الإنسانية بحماية الجماعات البشرية، بعد أن قطعت مشاوير طويلة من الكدِّ والتعب متغلبةً على عوامل طبيعية شديدة الخطورة، قاومتها بعقولها وأظافرها لتصل إلى ما أنجزته من تقدم حضاري ذي مسحة إنسانية.. قد تتطلب المزيد منها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى