
بعد 15 عاماً من الأحداث التي عاشها السوريون، اختلفت نظرتهم إلى بعضهم بعضاً؛ فمنهم من وجد في التعارف المباشر فرصة لتجاوز الصور النمطية واكتشاف قواسم مشتركة، ومنهم من خلّفت تجارب السنوات الماضية لديه مخاوف وشكوكاً بشأن إمكانية استعادة الثقة.
ورغم اختلاف تجاربهم وذكرياتهم، تتقاطع شهاداتهم حول تساؤلات تتعلق بالتعايش وقبول الآخر، وإمكانية بناء هوية مشتركة تجمع السوريين رغم ما مرّوا به من أحداث.
لم تكن صورة السوريين عن بعضهم دائماً ناتجة عن معرفة مباشرة، إذ ساهمت العائلة والمجتمع والإعلام في تشكيل تصورات مسبقة عن مناطق وبيئات مختلفة، قبل أن تتيح الدراسة والعلاقات الشخصية والنزوح واللجوء فرصاً للتعارف غيّرت بعض هذه التصورات، في حين عمّقت الأحداث التي شهدتها البلاد مخاوف لدى آخرين.
بالنسبة إلى سماح، وهي مهندسة معمارية من السويداء، كان التعامل المباشر مع سوريين من مناطق مختلفة خلال سنوات الدراسة الجامعية فرصة لاكتشاف قواسم مشتركة لم تكن تتوقعها.
تقول إنها كانت تعرف عن البيئات السورية الأخرى من خلال ما تسمعه في المنزل وتشاهده على التلفاز، وكانت تعتقد أن اختلاف المناطق يعني اختلافاً كبيراً في التفكير والشخصية، لكنها اكتشفت لاحقاً أن الناس أقرب إلى بعضهم مما كانت تتصور.
وتوضح أن الجامعة غيّرت جانباً من نظرتها، بعدما تعاملت يومياً مع أشخاص من خلفيات مختلفة، لتجد أن من توقعت اختلافه عنها قد يشاركها التفكير والهموم وطريقة التعامل مع الحياة.
وتضيف: “القواسم المشتركة كانت أكبر بكثير من الاختلافات. الخوف نفسه، الحنين نفسه، الاهتمام نفسه بالعائلة، والرغبة نفسها في أن يعيش الإنسان بأمان وكرامة”.
وتؤكد سماح أن هذه التجارب عززت قناعتها بأن الأخلاق والتربية، لا الدين أو المنطقة، هي ما يحدد طريقة تعامل الإنسان مع الآخرين، مشيرة إلى أن كل جماعة تضم أشخاصاً مختلفين، ولا يمكن تعميم صفات محددة على جميع أفرادها.
من الصور المسبقة إلى معرفة الآخر
تجربة مشابهة ترويها سعاد، وهي طالبة علوم صحية من حمص، التي تقول إن معرفتها بالسوريين من المناطق والبيئات المختلفة عنها كانت محدودة في البداية، واعتمدت إلى حد كبير على ما كانت تراه وتسمعه في الإعلام السوري.
وتوضح أنها كانت تدرك وجود اختلافات بين السوريين في التفكير والأحلام والأفكار، لكنها لم تكن تعرف كثيراً عن أصحاب هذه الاختلافات، معتبرة أن الإعلام والنظام المخلوع ساهما في تكريس المسافة بين السوريين وإبقاء معرفتهم ببعضهم محدودة.
وتقول: “كان المطلوب أن نرى بعضنا مختلفين، وأن نبقى لا نعرف شيئاً عن بعضنا بعضاً. وعندما بدأت أتعامل مع أشخاص من خلفيات مختلفة، اكتشفت أنهم هم أيضاً لا يعرفون عنا شيئاً”.
لكن الاحتكاك المباشر غيّر هذه الصورة، إذ اكتشفت سعاد، بحسب تعبيرها، أن المخاوف والطموحات التي يحملها السوريون تتشابه رغم اختلاف خلفياتهم، من الخوف من عدم الاستقرار والفقد والجوع وغياب حرية الرأي، إلى الرغبة في العيش ضمن بلد آمن يتمتع باقتصاد جيد وثقة بين الناس ومؤسسات الدولة.
وتشير إلى أن هذا التحول لم يرتبط بموقف واحد، بل جاء نتيجة لتراكم العلاقات والتجارب، ولا سيما خلال الدراسة الجامعية والمشاركة في العمل المجتمعي بعد التحرير، حيث تعرفت إلى أشخاص من دير الزور والحسكة ودمشق وإدلب، ومن خلفيات دينية وقومية مختلفة، بينهم أكراد.
وتختصر أثر هذه التجربة بقولها: “كانت الجامعة فعلاً هدماً لكثير من الأحكام المسبقة”.
وتوضح أن أكثر ما فاجأها كان استعداد الأشخاص الذين التقتهم للحوار ومناقشة التصورات التي يحملها كل طرف عن الآخر، معتبرة أن توفير مساحة آمنة للنقاش يساعد على اكتشاف جوانب مشتركة قد تبقى غائبة في ظل الأحكام المسبقة.
وتقول إنها أصبحت أكثر ميلاً إلى الاستماع ومراجعة أحكامها، ولم تعد تنظر إلى أبناء المناطق السورية بوصفهم جماعات تحمل صفات واحدة، مضيفة: “سوريا ليس لها شكل واحد، والسوريون ليسوا شيئاً واحداً. هم مختلفون، وهذا التنوع جميل”.
أما الطبيب السوري المقيم في ألمانيا محمد رشدي شربجي، فيرى أن التعامل مع الأشخاص باعتبارهم أبناء مناطق أو طوائف لا يكون عادلاً بالضرورة، لأن الاختلافات الفردية بينهم كبيرة، وأن الظروف الاقتصادية والسياسية قد تكون أكثر أهمية في فهم تجاربهم.
ويتحدث شربجي عن تغير دلالات الانتماء تبعاً للمكان، قائلاً: “في داريا أنا ابن الشربجي وفي المعضمية أنا ديراني وكلانا في دمشق من الريف وكلنا في حلب شوام وجميعنا في مصر سوريون وكلنا مع المصريين في ألمانيا أجانب”.
ويقر بأنه حمل سابقاً تصورات عن أبناء طوائف مختلفة، قبل أن تتيح له علاقاته الشخصية التعرف إلى تجارب وأفكار جديدة، مستذكراً علاقته بأصدقاء أكراد لأخيه الأكبر، وما فتحته أمامه من فرص للتعرف إلى أفكار وكتب لم يكن يعرفها.
ويقول إنه بات أقل حساسية تجاه الاختلافات الدينية والطائفية والعرقية، في حين يحاول إبقاء علاقاته مع المختلفين عنه فكرياً ضمن دائرة الاحترام.
ورغم سنوات التجربة، لا يدّعي شربجي أنه أصبح يعرف جميع السوريين، مشيراً إلى أنه ما يزال يكتشف جوانب جديدة عنهم، وأن علاقاته مع السوريين المقيمين في ألمانيا لا تعكس بالضرورة تجارب السوريين في أماكن أخرى.
وعن أهم ما ينبغي تغييره في المجتمع السوري، يختصر إجابته بعبارة: “قبول المختلف“.
ومن حمص أيضاً، يتحدث عصام محمد، خريج الهندسة الميكانيكية، عن تحول نظرته إلى السوريين بسبب المعايشة والاحتكاك المباشر بأشخاص من بيئات اجتماعية ومناطقية مختلفة.
ويقول إن اتساع دائرة معارفه خلال الدراسة والحياة اليومية وسنوات الثورة ساعده على تجاوز تصورات سابقة، خصوصاً تلك المرتبطة بالفوارق بين أبناء المدن والأرياف والعشائر.
ويستعيد تجربته بين دمشق وحمص والشمال السوري، موضحاً أنه عاش في دمشق منذ بداية حياته، ثم مر بتجربة الحصار في حمص، قبل أن يصل إلى الشمال السوري في ظروف حرب النظام على السوريين والحصار والتهجير.
ويشير إلى أن تعامله مع أشخاص من بيئات مختلفة خلال هذه المراحل ترك لديه انطباعات إيجابية لم تكن تتوافق دائماً مع الصور التي حملها سابقاً، إذ وجد لدى كثيرين طيبة وشفافية وارتياحاً في التعامل.
ويرى عصام أن معرفة الإنسان للآخرين عن قرب تكشف الفارق بين الانطباعات العامة وحقيقة الأشخاص، وأن التجارب اليومية، لا الأحكام الجاهزة، ينبغي أن تكون الأساس في بناء العلاقات.
ويعتقد أن السنوات الماضية أتاحت فرصاً للتقارب بين مكونات المجتمع السوري، رغم الانقسامات والشروخ التي خلّفتها السنوات الفائتة، مشدداً على ضرورة تجاوز التصنيفات المناطقية والاجتماعية والحكم على الأفراد من خلال سلوكهم ومواقفهم.
اختلاف التجارب لا يلغي المشتركات
ترى سماح أن السنوات الماضية دفعت كثيرين إلى إدراك أن الاختلاف لا يعني بالضرورة العداء، وأن الإنسان قد يجد نفسه قريباً من شخص كان يعتقد أنه مختلف عنه تماماً.
وبالنسبة إليها، لا تتطلب الهوية السورية المشتركة أن يصبح الجميع متشابهين، بل أن يتمكن أشخاص مختلفون من الاجتماع ضمن مساحة واحدة.
وتقول إن السوريين، رغم اختلاف تجاربهم، تجمعهم ذاكرة وارتباط بالأرض والعائلة واللغة والثقافة، وإنهم يستطيعون العثور على نقاط مشتركة عندما يتحدثون عن حياتهم وذكرياتهم.
لكنها تشدد في الوقت نفسه على ضرورة الاعتراف باختلاف ما عاشه الناس، موضحة أن تجربة شخص في مدينة أو منطقة قد تختلف تماماً عن تجربة شخص آخر، ولذلك لا يمكن مطالبة الجميع بحمل الذاكرة نفسها أو المشاعر نفسها.
وتتمنى أن تتغير طريقة تعامل السوريين مع بعضهم، وأن يصبح الاستماع إلى التجارب الشخصية سابقاً للأحكام المرتبطة بالانتماء، قائلة: “أتمنى أن نتعلم أن يسمع بعضنا بعضاً قبل أن نحكم. وأن يصبح سؤالنا الأول: ماذا عشت أنت؟ بدلاً من أنت من أين؟”.
وتتقاطع هذه النظرة مع تجربة سعاد، التي ترى أن الاختلافات الدينية والقومية والسياسية لا ينبغي أن تبقى موضوعات يخشى السوريون الحديث عنها، بل يمكن مناقشتها بصورة طبيعية إذا توفرت الرغبة في الاستماع والاحترام المتبادل.
وتقول: “لماذا نخفي اختلافنا؟ أنت من طائفة معينة وأنا من طائفة أخرى، وهناك من هو عربي أو كردي أو غير ذلك. الاختلاف ليس مؤذياً بالضرورة، بل يمكن أن يكون إيجابياً، والمهم ألا يتحول إلى مشكلة بيننا”.
وتستشهد بالمبادرات المجتمعية التي شاركت فيها فئات سورية مختلفة في حمص بعد التحرير، معتبرة أن التعاون في الأنشطة والمشاريع المشتركة أظهر قدرة الناس على التضامن بعيداً عن انتماءاتهم.
وتضيف: “الاختلاف لم يكن عائقاً أمام أن يتكاتف الناس ويتضامنوا ويساعد بعضهم بعضاً. أعتقد أن السوريين بدؤوا يدركون أننا لا نملك إلا بعضنا”.
وتعتقد سعاد أن التواصل المباشر قد يكون أكثر فاعلية في تقريب السوريين من النقاشات التي تجري عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن أنشطة بسيطة، مثل المباريات الرياضية أو مشاهدة الأفلام أو اللقاءات الترفيهية، قد تتيح فرصاً للتعارف وكسر الحواجز.
وتقول إنها فوجئت بأن بعض الحواجز التي اعتقدت أنها تحتاج إلى سنوات لتجاوزها يمكن أن تتراجع بعد جلسة حوار أو نشاط مشترك، لأن جزءاً منها نشأ أساساً نتيجة لغياب المعرفة المباشرة.
ومن جانبه، يرى شربجي أن السوريين يستطيعون الاختلاف حول مختلف القضايا من دون أن يتحولوا إلى أعداء، بشرط الاتفاق على رفض القتل والإكراه واحترام حرية الناس في عقائدهم وآرائهم.
ويقول إن سوريا تمر حالياً بمرحلة اكتشاف السوريين لأنفسهم، وهي مرحلة يعتقد أنها ستحتاج إلى عقود، مؤكداً تمسكه بالحرية بوصفها أمراً لا يستطيع التخلي عنه في سوريا المستقبل.
العدالة والمواطنة أساساً للعيش المشترك
لا يقتصر الحديث عن تجاوز الانقسامات لدى أصحاب هذه التجارب على التعارف وقبول الاختلاف، بل يمتد إلى الشروط التي يرون أنها ضرورية لبناء الثقة وضمان عدم تكرار ما عاشه السوريون.
فبالنسبة إلى عصام، لا يمكن الحديث عن مجتمع قادر على العيش المشترك من دون تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي شهدتها البلاد.
ويقول إن سنوات حرب النظام والحصار والتهجير خلّفت جروحاً لا يمكن تجاوزها بمجرد الدعوة إلى المصالحة، خصوصاً إذا بقي أشخاص متهمون بالمشاركة في القتل والتهجير من دون مساءلة.
لكنه يشدد على ضرورة الفصل بين محاسبة المسؤولين عن الجرائم وتحميل جماعات أو طوائف كاملة مسؤولية أفعال أفراد منها، معتبراً أن الثورة، من وجهة نظره، كانت مواجهة مع نظام الأسد المخلوع، وليست صراعاً مع طائفة بعينها.
ويرى أن الاختلاف بين السوريين يجب ألا يمنعهم من العيش معاً، لكنه يؤكد في الوقت نفسه رفضه أن يتولى أشخاص يثبت تورطهم في قتل السوريين أو تهجيرهم مناصب في إدارة البلاد من دون محاسبة.
ويضع عصام تقبّل السوريين بعضهم بعضاً وتقديم مصلحة البلاد على الحسابات الشخصية ضمن التغييرات التي يأمل أن يشهدها المجتمع، منتقداً ما يصفه بالتبعية العمياء لشخصيات أو جهات من دون التحقق من أفكارها ومواقفها.
ويعتقد أن بناء الثقة يحتاج إلى وعي اجتماعي وتفكير نقدي، إلى جانب العدالة، حتى لا تتحول الدعوات إلى العيش المشترك إلى وسيلة لتجاهل ما تعرض له السوريون من انتهاكات.
أما سعاد، فتضع الاعتراف بحق جميع السوريين في الانتماء والمشاركة والتعبير ضمن الحد الأدنى الذي ينبغي الاتفاق عليه، بصرف النظر عن الاختلافات الدينية والقومية والمذهبية.
وتقول: “المسيحي سوري، والسني سوري، والكردي سوري، والعلوي سوري، والشركسي سوري، والإسماعيلي سوري… وغيرهم.. كلنا لنا حق في سوريا، وكلنا لنا الحق في التعبير عن رأينا فيها”.
وترى أن تحقيق العدالة وضبط العنف والسلاح من الشروط الأساسية أيضاً، إلى جانب بناء دولة قانون تعتمد على الكفاءات بدلاً من الواسطة، وتتيح للشباب والنساء فرصاً للمشاركة في الحياة العامة.
وتتمنى أن تتجه طاقات المجتمع السوري نحو بناء السلام والحوار والمشاريع المستدامة، لا أن تبقى محصورة في مواجهة الأزمات المعيشية اليومية.
وفي تصورها لسوريا المستقبل، تريد سعاد بلداً يحترم الإنسان بغض النظر عن انتمائه، ويستطيع أفراده التعبير عن آرائهم والمشاركة في صنع مستقبلهم، من دون أن تتحول اختلافاتهم إلى مصدر للخوف أو العنف.
أحداث عمّقت الخوف وأضعفت الثقة
في مقابل التجارب التي ساعدت على تجاوز الصور المسبقة، تكشف شهادات أخرى عن مخاوف نشأت أو تعمقت نتيجة للأحداث التي شهدتها البلاد، وانعكست على العلاقات الشخصية والشعور بالأمان.
سميرة، البالغة من العمر 26 عاماً، وتعمل في مجال العناية بالأظافر وتنحدر من السويداء، تقول إنها كانت تمتلك دائرة واسعة من الأصدقاء من طوائف ومناطق سورية مختلفة، ولم يكن الانتماء الطائفي حاضراً في علاقاتها معهم.
لكن أحداث تموز التي شهدتها السويداء شكّلت، بحسب روايتها، نقطة فاصلة في عدد من هذه العلاقات، بعدما فوجئت بمواقف أشخاص لم تتوقع منهم تأييد من تصفهم بـ”القاتل أو المجرم”، أو التشكيك في روايتها عما يجري في المحافظة.
وتوضح أن هذه المواقف شكّلت صدمة بالنسبة إليها، لأن علاقاتها السابقة مع هؤلاء الأشخاص لم تكن توحي بوجود نزعات طائفية من هذا النوع، ما جعلها تعيد النظر في الثقة التي كانت تمنحها لبعض من تعرفهم.
أما ياسمين، البالغة من العمر 25 عاماً، وهي خريجة اقتصاد ومسيحية، فتقول إنها لم تعد تشعر بالأمان بعد الأحداث التي شهدتها البلاد، وترى أن نقاط الاختلاف بين السوريين باتت أكبر من المشتركات التي يمكن البناء عليها.
وتعتقد أن جزءاً من تعقيد الوضع يعود إلى تمسك كل طرف بمظلوميته الخاصة، والنظر إلى ما تعرض له باعتباره مختلفاً عما عاشه الآخرون، رغم أن أطرافاً متعددة تعرضت للأذى.
وبحسب ياسمين، تصبح هذه الحالة أكثر صعوبة عندما يبقى كل طرف أسير روايته، في ظل ما تعتبره غياباً لمساعٍ جدية لمعالجة الانقسام.
ورغم ذلك، تشير إلى وجود رغبة مشتركة لدى السوريين في التخلص من الحروب وإنهاء الاقتتال، لكنها ترى أن الخلاف يبدأ عند البحث عن الطريق المؤدي إلى هذه النهاية، إذ يحمل كل طرف تصوراً مختلفاً عن الآخر.
المواطنة والهجرة في ظل غياب الأمان
وتظهر مسألة الأمان أيضاً في شهادة عمار، البالغ من العمر 23 عاماً، وهو طالب هندسة مسيحي، الذي يرى أن السوريين لا يعيشون اليوم في ظروف متساوية من حيث الحقوق والواجبات.
ويعتبر عمار أن المسيحيين يمثلون “الحلقة الأضعف” في البلاد، رابطاً ذلك بعدم امتلاكهم السلاح مقارنة بأطراف أخرى، ومعبّراً عن مخاوفه من التمييز على أساس الانتماء الطائفي وتجدد أعمال العنف.
ويقول إن مفهوم المواطنة والمساواة ما يزال ضعيفاً في الواقع الحالي، وإن غياب الشعور بالأمان والضمانات الكافية للحماية يدفعه إلى التفكير في مغادرة سوريا.
ويضيف أن معظم الشباب الذين يعرفهم من أفراد عائلته وأصدقائه الموجودين في البلاد يسعون أيضاً إلى السفر، في حين لا يعتبر حمل السلاح خياراً مطروحاً بالنسبة إليهم.
ولا تقتصر المخاوف من استمرار الانقسامات على أصحاب هذه الشهادات، إذ تقر سماح أيضاً بأن السنوات الماضية جعلتها أكثر حذراً في التعامل مع الآخرين، رغم التجارب الإيجابية التي عاشتها.
وتقول إنها أصبحت تعتقد أن الثقة يجب أن تُبنى على المواقف، لا على الانتماء أو الكلام، لكنها تشعر أحياناً بالصدمة من مستوى الوعي في المجتمع، وتخشى استمرار الخوف وعدم الثقة وانتقال الأحكام المسبقة بين الأجيال.
وتعبّر عن قلقها من بقاء آثار الأحداث عالقة في الذاكرة، وما خلفته من فقدان وشرخ بين السوريين، متسائلة عما إذا كان حب الوطن قادراً على المساعدة في تجاوز هذه التجارب.
وتشاركها سعاد جانباً من هذه المخاوف، إذ تحذر من استمرار الشك بين السوريين على أسس مناطقية وطائفية، وترى أن بقاء هذه الأحكام سيعرقل قدرة المجتمع على التطور وإعادة بناء العلاقات بين أفراده.
كما تخشى استمرار ثقافة الواسطة والمحسوبيات في التعيينات والوظائف، معتبرة أن تجاوز ممارسات الماضي ينبغي أن يشمل المؤسسات وطريقة التعامل مع المواطنين، لا العلاقات الاجتماعية وحدها.
وبينما يأمل عصام في استعادة سوريا التي يتذكرها بوصفها بلداً للمحبة والتعايش، فإنه لا يريد عودة مشاهد القصف والتدمير والحصار والتهجير التي عاشها، ويرى أن إعادة بناء المدن لا تنفصل عن ترميم العلاقات بين السوريين وتحقيق العدالة.
ذاكرة لا تورّث العداوات
وسط اختلاف المواقف والمخاوف، تبرز مسألة نقل الذاكرة إلى الأجيال الجديدة في شهادة سماح، التي ترى أن الأطفال يستطيعون معرفة ما جرى لعائلاتهم من دون أن يرثوا العداوات نفسها.
وتقول إن من حق الطفل معرفة ما حدث، لكن ذلك لا يعني أن يحمل الغضب تجاه جماعة كاملة بسبب أفعال أشخاص أو جهات محددة.
وتوضح أنها تحاول الحديث عن التجارب المؤلمة بما يتناسب مع عمر الطفل، والتركيز على ما عاشته العائلة ومشاعرها، من دون نقل الخوف أو الكراهية إليه.
وتضيف أن ما لا تريد أن يرثه الأطفال هو الخوف من الآخر، معتبرة أن تذكّر الأحداث والاعتراف بالألم لا يتطلبان استمرار العداوات بين الأجيال.
وفي حديثها عن سوريا التي تشتاق إليها، تستذكر سماح الحياة البسيطة والزيارات العائلية والشوارع والأماكن المرتبطة بالذكريات، لكنها لا تريد عودة الخوف الذي يجعل الإنسان ينظر إلى المختلف عنه باعتباره تهديداً.
أما شربجي، فيقول إنه لا يشتاق إلى سوريا التي عاشها بقدر اشتياقه إلى أشخاص وذكريات مرتبطة بها، مؤكداً أنه لا يريد عودة الدولة الأمنية التي عرفها سابقاً.
ويرى أن من أبرز المخاوف التي قد تستمر في المجتمع السوري الطائفية، في حين يأمل أن تسهم تجارب السوريين في المجتمعات المضيفة في اكتساب خبرات وأساليب جديدة.
وتتقاطع هذه المواقف مع تأكيد عصام أن التعايش لا يعني نسيان الماضي أو التغاضي عن الجرائم، بل التمييز بين المسؤولية الفردية والانتماء الجماعي، بما يتيح محاسبة المتورطين من دون تحويل الألم إلى أحكام عامة على فئات كاملة من السوريين.
هل يمكن بناء مساحة مشتركة؟
تتباين آراء السوريين بشأن حجم القواسم المشتركة بينهم وإمكانية تجاوز آثار ما شهدته البلاد، لكنها تلتقي عند أهمية الأمان والعدالة والمساواة واحترام الحقوق والحريات، ورفض العنف والإكراه والتصنيفات المسبقة.
ويرى بعضهم أن استعادة الثقة تتطلب المحاسبة والاعتراف بحق الجميع في المشاركة والتعبير، وفتح مساحات للحوار والتعارف وقبول الاختلاف، في حين يشكك آخرون في كفاية الرغبة بإنهاء الحروب لتجاوز الخلافات حول مستقبل سوريا، خصوصاً في ظل التجارب التي تركت آثاراً عميقة على العلاقات الاجتماعية.
وبين هذه المواقف، تبرز الحاجة إلى ضمانات تحمي الأفراد، وإلى التعامل مع السوريين بعيداً عن انتماءاتهم، بما يسمح بالتعايش رغم الاختلاف، من دون أن يتحول إلى مصدر للخوف أو العنف.
المصدر: تلفزيون سوريا






