إزالة الأنقاض دون طمس الأدلة: مبادئ توجيهية حقوقية وقانونية لإدارة إزالة الأنقاض في المرحلة الانتقالية في سوريا

أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان اليوم تقريرًا بعنوان إزالة الأنقاض دون طمس الأدلة: مبادئ توجيهية حقوقية وقانونية لإدارة عمليات إزالة الأنقاض في المرحلة الانتقالية في سوريا. وخلص التقرير إلى أنَّ الأنقاض المتراكمة في المدن والبلدات والقرى السورية منذ عام 2011 نتجت أساسًا عن القصف الجوي والمدفعي، وحدّد نظام الأسد بوصفه الجهة الرئيسة المسؤولة عن أعمال التدمير والهدم. ويرى التقرير أنَّ القرارات التنفيذية المتخذة من عمليات إزالة الأنقاض ستحدّد، إلى حد بعيد، طبيعة المعلومات التي ستكون متاحة للمحققين والنيابات العامة وآليات البحث عن المفقودين وعائلات الضحايا والمجتمعات المتضررة.

يتسم التقرير بطابع نظري وتحليلي، ويشير إلى أنَّ الأنقاض قد تخفي رفاتًا بشرية ومخلّفات حرب قابلة للانفجار وعبوات ناسفة بدائية الصنع، وأنَّ الحطام الموجود في مواقع الهجمات قد يحتفظ بشظايا الذخائر ونقاط الارتطام وأنماط الانهيار واتجاهات الانفجار، وأنَّ الأنقاض الموجودة في مراكز الاحتجاز والمواقع الأمنية السابقة ومواقع الدفن قد تحتوي على أدلة تتعلق بالإخفاء القسري والتعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء.

يحدّد التقرير إطارًا قانونيًا وسياساتيًا مركبًا ذا صلة بإزالة الأنقاض، ويوضح أنَّ القانون الدولي لا يتضمن واجبًا عامًا ومطلقًا بالحفاظ عليها. ويستند هذا الإطار إلى المادتين 48 و57 من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف، اللتين تُلزمان أطراف النزاع بالتمييز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، وبإيلاء عناية مستمرة أثناء الهجمات؛ وإلى القاعدة 158 من القانون الدولي الإنساني العرفي، التي تُلزم الدول بالتحقيق في جرائم الحرب التي يُدّعى أنَّ رعاياها أو قواتها المسلحة ارتكبوها، أو التي ارتُكبت على أراضيها، وبملاحقة المشتبه فيهم قضائيًا عند الاقتضاء؛ وإلى القواعد 112 و113 و115 و116 من القانون الدولي الإنساني العرفي، المتعلقة بالبحث عن الموتى، ومنع سلب جثثهم، والتعامل مع الرفات على نحو يحترم حرمتها، وتسجيل المعلومات اللازمة لتحديد الهوية. ويحدّد التقرير بروتوكول مينيسوتا بوصفه المرجع الرئيس للأمم المتحدة في التحقيق في حالات الوفاة التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة، بما يتضمنه من معايير لإدارة مسرح الجريمة، والفحص الشرعي، والتوثيق، وسلسلة حيازة الأدلة. كما يستشهد بأركان الجرائم المعتمدة لدى المحكمة الجنائية الدولية بشأن جريمة الحرب المتمثلة في مهاجمة الأعيان المدنية، بموجب المادة 8(2)(ب)(2)، لتوضيح المتطلبات الإثباتية التي قد يتعيّن استيفاؤها في أي ملاحقة قضائية مستقبلية، دون أن يعني ذلك إقرار اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بشأن سوريا، إذ يتطلب هذا الاختصاص إحالةً من مجلس الأمن، أو انضمام سوريا إلى نظام روما الأساسي، أو توافر أساس اختصاصي آخر.

وفي الجانب الفني، يشير التقرير إلى المذكرة الفنية للأعمال المتعلقة بالألغام رقم 10.10/03 لعام 2018، الصادرة عن دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام ومركز جنيف الدولي لإزالة الألغام للأغراض الإنسانية، وإلى دليل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الحطام والذخائر المتفجرة: دليل إرشادي لعام 2026، بوصفهما مرجعين تنفيذيين معترفًا بهما دوليًا لتقييم مخاطر الذخائر المتفجرة وإدارتها في عمليات إزالة الحطام.

ويستخلص التقرير من هذا الإطار مبدأً توجيهيًا مفاده أنَّ القرارات المتعلقة بمكان إزالة الأنقاض وتوقيتها وكيفيتها ينبغي أن تستند إلى الأدلة، وأن تقوم على تقييم المخاطر، وأن تقترن بتوثيق كافٍ. ويوضح أنَّ هذا المبدأ لا ينطوي على حظر شامل لإزالة الأنقاض، وأنَّه عندما يشكّل التأخير خطرًا حقيقيًا على الأرواح، أو عندما تتطلب المخلّفات المتفجرة معالجة فورية، يجب أن تُعطى الأولوية لحماية الحياة والسلامة.

ويقترح التقرير، بوصفه إطارًا للسياسات لا معيارًا قانونيًا مقررًا بموجب معاهدة، تقييمًا للموازنة يستند إلى خمس متغيرات: الخطر المباشر على الحياة؛ واحتمال تلوث الموقع بالذخائر المتفجرة؛ ووجود رفات بشرية أو احتمال وجودها؛ واحتمال احتواء الموقع على أدلة تتعلق بجرائم دولية خطيرة؛ ومدى توافر كوادر مدرّبة في مجالات الطب الشرعي، والتخلص من الذخائر المتفجرة، والادعاء العام، والتوثيق، ضمن الإطار الزمني ذي الصلة. كما يقترح تصنيف المواقع ضمن خمس فئات: عمليات الاستخراج الطارئة لإنقاذ الأرواح؛ والإزالة العاجلة لأغراض السلامة العامة؛ والإزالة المخطط لها في سياق إعادة الإعمار؛ والمواقع المشتبه في احتوائها على أدلة بشأن جرائم دولية؛ والمواقع التي تحتوي، أو يُشتبه في احتوائها، على رفات بشرية أو ذخائر متفجرة. وقبل تنفيذ أي إزالة آلية في غير حالات الطوارئ، يشترط التقرير اتخاذ حد أدنى من التدابير يتناسب مع تصنيف الموقع، ويشمل تحديد الموقع وتفاصيل التدخل، وإجراء تقييم لمخاطر الذخائر المتفجرة على يد أفراد مؤهلين، والتسجيل البصري للموقع وإعداد خرائط له، وحفظ المواد المادية والرقمية وفقًا لإجراءات الأدلة الجنائية الرقمية، وتحديد هوية الشهود مع مراعاة ضمانات الموافقة والحماية، والاحتفاظ بسجلات سلسلة حيازة الأدلة.

وقال فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان: «إنَّ الطريقة التي تُزال بها الأنقاض في سوريا ستؤثر فيما سيتمكن المحققون والمدعون العامون وعائلات المفقودين من إثباته بشأن الانتهاكات المرتكبة منذ عام 2011. وعلى امتداد أكثر من أربعة عشر عامًا من التوثيق، تعلّمنا أنَّ الإزالة التي تُنفذ من دون توثيق متناسب قد تؤدي، بصورة لا رجعة فيها، إلى تدمير أدلة أو تلويثها، رغم أنَّها كان يمكن أن تسهم في كشف الحقيقة، وتحديد الهوية، وتحقيق المساءلة«.

ويحدّد التقرير أخطارًا بعينها تنشأ عن إزالة الأنقاض بصورة غير منظّمة. فقد يؤدي تدمير الآثار المادية والرقمية أو تلويثها إلى إضعاف الأدلة ذات الصلة بتحديد الطابع المدني أو العسكري للعين المستهدفة، بحسب مقتضى الحال، ونوع السلاح المستخدم، واتجاه الهجوم، ومدى الامتثال لالتزامات التناسب والاحتياط، وقصد الجاني أو علمه، والمسؤولية المحتملة للقادة. وقد تؤدي إزالة الأنقاض التي تحتوي على رفات بشرية من دون تدخل مختصي الطب الشرعي إلى حرمان العائلات بصورة دائمة من إمكانية تحديد هوية موتاها، كما تمس مباشرةً الحق في معرفة مصير المختفين وأماكن وجودهم. وتشكل إزالة الأنقاض في البيئات الملوثة بالذخائر المتفجرة خطرًا مباشرًا على العمال والسكان والنازحين العائدين.

ويدعو التقرير السلطات السورية في المرحلة الانتقالية إلى اعتماد سياسة وطنية لإزالة الأنقاض تدمج مبدأ الإزالة القائمة على الأدلة والمخاطر والتوثيق؛ وإنشاء هيئة تنسيقية تضم الوزارات المسؤولة عن الأشغال العامة والعدل والداخلية والصحة، إلى جانب السلطات البلدية والنيابة العامة والجهات الفنية المختصة؛ وإصدار إجراءات تشغيل موحدة تستند إلى تصنيف المواقع ضمن الفئات الخمس. كما يدعو إلى وضع المواقع التي تحتوي، أو يُشتبه في احتوائها، على رفات بشرية، والمقابر الجماعية، ومراكز الاحتجاز السابقة، والفروع الأمنية السابقة، تحت إشراف خبراء الطب الشرعي، واعتماد بروتوكولات تتسق مع بروتوكول مينيسوتا والإرشادات الجنائية الشرعية الصادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

ويدعو التقرير السلطات القضائية وسلطات الادعاء العام السورية إلى إصدار توجيهات لأعضاء النيابة العامة وقضاة التحقيق بشأن التعامل مع الإخطارات الواردة من عمليات إزالة الأنقاض، والتنسيق مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، ضمن نطاق ولايتها المتمثل في المساعدة على التحقيق مع الأشخاص المسؤولين عن أشد الجرائم خطورة بموجب القانون الدولي، المرتكبة في سوريا منذ آذار/مارس 2011، وملاحقتهم قضائيًا.

ويدعو التقرير منظمات المجتمع المدني السورية إلى تطبيق إرشادات يوروجست، وشبكة الإبادة الجماعية، ومكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بمنظمات المجتمع المدني في جميع أنشطة التوثيق المتعلقة بالأنقاض ومواقع الحوادث. كما يدعو إلى تطبيق بروتوكول بيركلي في التحقيقات الرقمية مفتوحة المصدر. وحصر أعمال التنقيب الجنائي والتعامل مع الذخائر والرفات بالجهات المختصة، مع إحالة المواقع ذات الأهمية الجنائية إلى السلطات الوطنية أو الهيئات الدولية عند الاقتضاء. واعتماد نماذج موحدة لتوثيق المواقع، مع ضمان الموافقة المستنيرة، وحماية المصادر، والتخزين الآمن للبيانات، والحفاظ على سلامة المواقع.

كما يدعو التقرير دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وسائر الوكالات العاملة في إدارة الأنقاض في سوريا، إلى إدماج تقييم مخاطر الذخائر المتفجرة، والحد الأدنى من متطلبات التوثيق، وبروتوكولات الإبلاغ الخاصة بالمواقع التي قد تكون لها قيمة إثباتية، في جميع برامج إزالة الأنقاض. ويدعو مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية إلى تقديم المشورة الفنية، كلٌّ ضمن نطاق ولايته. ويوصي بإشراك المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في المسائل المتعلقة بالمفقودين، والتواصل مع العائلات، وإدارة المعلومات، والتعامل مع الرفات البشرية وتحديد هويتها، ضمن ولايتها الإنسانية. كما يدعو إلى توجيه دعوة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر واللجنة الدولية لشؤون المفقودين لدعم بناء القدرات الوطنية في مجال الطب الشرعي.

ويدعو التقرير الدول المانحة إلى ربط تمويل برامج إدارة الأنقاض وإعادة الإعمار غير الطارئة في سوريا بتطبيق ضمانات إزالة الأنقاض القائمة على الأدلة، من دون تأخير عمليات الإنقاذ المنقذة للحياة، أو الإجراءات العاجلة للحد من مخاطر الذخائر المتفجرة، أو وصول المساعدات الإنسانية الأساسية.

دمشق، 13 تشرين الأول/أكتوبر 2026 –

المصدر: الشبكة السورية لحقوق الانسان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى