الدولة لا تحتاج إلى شعب مثالي.. بل إلى سلطة يحكمها القانون

بشار الحاج علي

يتردد في أدبيات الانتقال السياسي، ولا سيما في المجتمعات الخارجة من أزمات ممتدة، سؤال يبدو بديهيًا: كيف تُبنى دولة بهذا المجتمع؟ ويقوم السؤال على افتراض ضمني مفاده أن الدولة تأتي ثمرةً لانضباط اجتماعي سابق عليها، وأن القانون يستقر في السلوك اليومي قبل أن تتشكل المؤسسات التي تحميه. غير أن هذا الافتراض يقلب ترتيب العلة والمعلول؛ فالدولة لم تنشأ لأن الناس بلغوا كمال التنظيم الذاتي، بل نشأت لأنهم لم يبلغوه!

فالمجتمع الإنساني، في بنيته الأولى، فضاء تتعدد فيه المصالح، وتتباين الرؤى، وتتفاوت القدرات والموارد. وما يراه طرف حقًا مشروعًا قد يراه طرف آخر اعتداءً، وحرية الفرد تلتقي عند حدٍّ ما بحرية غيره، والموارد محدودة. والاختلاف هنا ليس عارضًا يمكن استئصاله، بل معطى ثابت يستدعي إطارًا ناظمًا. ومن هذه الحاجة تبلور التنظيم السياسي للمجتمع: القانون قاعدةً تنقل الخلاف من منطق الغلبة المفتوحة إلى علاقة قابلة للضبط، والسلطة العامة أداةً تملك القدرة على إنفاذ تلك القاعدة. غير أن هذا التطور يحمل في طياته سؤاله المؤسس: إذا كانت السلطة تنظّم حياة الناس، فمن ينظّم السلطة؟

من هذه الزاوية، يُعاد فهم النظام العام؛ فهو ليس منظومة عقوبات يخشاها الناس، بل حالة قانونية واجتماعية يعرف فيها الفرد حدود حر  يته، وتعرف فيها المؤسسة حدود سلطتها، ويطمئن فيها الجميع إلى أن القواعد المشتركة لا تتبدل بتبدل قوة الشخص أو قربه من مركز القرار.

عند هذا السؤال تبدأ الفكرة الحديثة للدولة؛ ففكرة العقد الاجتماعي، في جوهرها، لا تقوم على تسليم الأفراد حرياتهم للسلطة تسليمًا مطلقًا، بل على قبولهم قيودًا محددة على حريتهم الطبيعية في مقابل نظام عام يصون الحقوق ويضبط العلاقات. وهو بذلك التزام متبادل: يخضع المواطن للقانون، وتخضع السلطة له أيضًا، ويُطلب من الفرد ألّا يعتدي على حقوق غيره، ولا يجوز للمؤسسة العامة أن تتجاوز حقوقه باسم الصلاحية. وبهذا المعنى، ليست الدولة قوةً قادرة على فرض النظام فحسب، بل نظامٌ يُخضع القوة نفسها للقاعدة.

ويكتسب هذا التمييز أهميته القصوى في لحظات التأسيس وإعادة البناء؛ لأن الخلط بين الدولة والسلطة ينتج نتيجة بالغة الخطورة: أن يُحسب كل فعل للسلطة فعلًا للدولة، وأن يُعدّ كل اعتراض على ممارسة بعينها اعتراضًا على الدولة ذاتها. والحال أن الدولة أوسع من الحكومة، وأبقى من القائمين على السلطة في لحظة بعينها، والسلطة في الدولة الحديثة ليست مالكة للدولة، بل إحدى وظائفها ومؤسساتها.

ومن هذه الزاوية، يُعاد فهم النظام العام؛ فهو ليس منظومة عقوبات يخشاها الناس، بل حالة قانونية واجتماعية يعرف فيها الفرد حدود حريته، وتعرف فيها المؤسسة حدود سلطتها، ويطمئن فيها الجميع إلى أن القواعد المشتركة لا تتبدل بتبدل قوة الشخص أو قربه من مركز القرار.

ولعل في إشارة المرور مثالًا كاشفًا؛ فالالتزام بها يبدأ عادةً من خشية الغرامة، لكنه لا يقف عندها، إذ يقوم أيضًا على يقين بأن الآخرين ملتزمون، وأن الطريق لا يصح أن يتحول إلى ساحة تفاوض بين إرادات فردية متنازعة، وأن المخالفة لا يقتصر أثرها على صاحبها. ومع الزمن، ينتقل الالتزام من كونه استجابة للعقوبة إلى كونه سلوكًا مألوفًا.

وهنا تتجلى أهمية ما يمكن تسميته «ثقافة الالتزام»؛ فالقانون يحدد الحد الأدنى الذي لا يجوز النزول دونه، والمؤسسة تضمن إنفاذه، والعقوبة ترفع كلفة المخالفة. غير أن المجتمع المستقر يحتاج إلى ما يتجاوز ذلك كله: أن يغدو احترام القاعدة جزءًا من الذوق العام، فلا يُمتنع عن إلقاء النفايات في الطريق خوفًا من الغرامة وحدها، ولا يُحترم الدور خشية العقاب وحده، بل لأن الفضاء العام ليس ملكًا لأحد دون سواه، ولأن للآخرين حقوقًا مساوية.

وفي هذا تقوم قاعدة أساسية في بناء الدولة: القانون لا يستطيع أن يضع شرطيًا خلف كل مواطن.

فإذا احتاج احترام النظام في كل مرة إلى رقابة مباشرة وعقوبة فورية، بقيت الدولة في حالة مطاردة دائمة لسلوك المجتمع. أما إذا أنتجت المؤسسات، على مدى زمني، بيئة يصبح فيها الالتزام هو المتوقَّع، انتقلت الدولة من إدارة المخالفات إلى إنتاج النظام.

غير أن هذا الانتقال لا يتحقق بالوعظ، ولا بمطالبة الناس بالصلاح؛ فالسلوك العام ابن بيئته. ومن يرى القانون يسري على الضعيف ويتخطى القوي، والواسطة تعطّل القاعدة، والموظف يتجاوز النص، وذا النفوذ يسلك طريقًا خاصًا خارج المؤسسات، يتعلم درسًا واضحًا: القانون قائم، لكن الالتزام به ليس قاعدة عامة.

وعلى العكس من ذلك، حين يرى المواطن أن القانون واحد، وأن المؤسسة تعمل بقواعد معلومة، وأن للمخالفة نتيجة، وأن السلطة نفسها لا تتحلل من القانون متى شاءت، تتحول علاقته بالدولة من الخوف والحذر إلى الثقة والانتماء القانوني.

ولهذا، لا يكفي تحميل المجتمع وحده وزر ضعف الدولة، كما لا يكفي تحميل السلطة وحدها؛ فالعلاقة بينهما تبادلية. غير أن الدولة تنفرد بأدوات لا يملكها المجتمع منفردًا: التشريع، والمؤسسات، والتخطيط، والتنفيذ، وإدارة الموارد، وضبط النظام العام. ومن ثمّ، تقع عليها المسؤولية الأولى في تهيئة البيئة التي يتشكل فيها السلوك العام.

وعلى هذا الأساس، يتغير السؤال السوري في صياغته.

فبدلًا من: هل المجتمع السوري مهيّأ للدولة؟ يصبح السؤال: أي دولة تلك القادرة على تنظيم المجتمع السوري بكل ما فيه من تعدد واختلاف؟

فالسوريون ليسوا كتلة واحدة، ولا ينبغي لهم أن يكونوا؛ فثمة تباينات سياسية وفكرية ومناطقية واجتماعية واقتصادية، وهي في ذاتها سمة طبيعية للمجتمع السياسي. وإنما تبدأ الإشكالية حين تغيب المؤسسات القادرة على إدارة هذا التباين وفق قواعد مشتركة.

فالدولة الناجحة لا تلغي الاختلاف، بل تحول دون تحوله إلى صراع دائم، ولا تشترط اتفاق المواطنين على كل شيء، بل توفر لهم قواعد تتيح الخلاف دون أن يهدد أحدٌ وجود الآخر، ولا تؤسس النظام العام على الخوف وحده، بل تبني تدريجيًا ثقافة تجعل احترام القانون مصلحة مشتركة.

الدولة لا تقوم حين يكتمل المجتمع، بل حين تقوم مؤسسات تجعل الاختلاف ممكنًا، والحرية مسؤولة، والسلطة مقيّدة، والقانون فوق الجميع، والنظام العام مصلحة مشتركة.

وبناء الدولة، تبعًا لذلك، ليس تغييرًا لطبيعة المجتمع بقرار سياسي، بل مسار طويل لإعادة تنظيم العلاقة بين الفرد والمجتمع والمؤسسة والسلطة: مواطن يعلم أن حقوقه لا تتوقف على مزاج الحاكم، وأن واجباته لا تتبدل بتبدل موقفه من الحكومة، وسلطة تعلم أن لها صلاحيات فعلية لإدارة الدولة، وأنها ليست فوق القانون.

وعلى هذا، فالدولة ليست جائزة تُمنح لمجتمع بلغ كماله التنظيمي، بل وسيلة ينظّم بها المجتمع نفسه. ليست سلطة فوق الناس، وليست مرآة تعكس سلوكهم، بل إطار يجعل اختلافاتهم قابلة للإدارة، وحرياتهم قابلة للتعايش، ومصالحهم قابلة للتنسيق، وسلطتهم السياسية قابلة للمساءلة.

وحين يبلغ هذا الفهم مداه، يتجاوز بناء الدولة معنى تغيير حكومة أو تبديل سلطة، إذ لا يعود السؤال «من يحكم؟» وحده هو المطروح، بل يتسع ليشمل: بأي قواعد يحكم؟ وما حدود سلطته؟ وما الحقوق المصونة للمواطن؟ ومن يراقب المؤسسة؟ وكيف يتحول القانون من نص مكتوب إلى سلوك عام؟

وعندئذٍ فقط يبدأ الانتقال من مجتمع تحكمه العلاقات والأمزجة وموازين القوة إلى مجتمع تحكمه القواعد والمؤسسات، ومن سلطة مضطرة إلى مراقبة كل شيء إلى دولة يصير فيها احترام القانون جزءًا من الحياة اليومية، ومن مواطن ينظر إلى الدولة بوصفها قوة خارجية إلى مواطن يرى نفسه جزءًا من نظام عام له فيه حقوق وعليه واجبات.

فالدولة لا تقوم حين يكتمل المجتمع، بل حين تقوم مؤسسات تجعل الاختلاف ممكنًا، والحرية مسؤولة، والسلطة مقيّدة، والقانون فوق الجميع، والنظام العام مصلحة مشتركة.

ويبقى السؤال الأهم: متى تنتقل القواعد من نصوص تُكتب إلى ممارسة تُصدَّق؟ ومتى تنتقل الثقة من الأشخاص إلى المؤسسات، ومن السلطة إلى القاعدة؟

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى