الفعل غير المؤجل لحرية السوريين

نزار السهلي

من الأمور البدهية أن يكون لكل شعب ثقافته ونظامه السياسي الخاص، لكن هذا الأمر البدهي يشكل تحدياً رئيسياً بالنسبة للسوريين الذين هُجّروا داخل البلاد وخارجها، ولمن يعيش فيها، والذين انقسم جزء منهم إلى مجموعات بشرية كبيرة، فُرضت على بعضها حالة من العزلة الجغرافية بفعل التغيير الديمغرافي الذي طرأ عليها بسبب سلوك النظام الأسدي وأساليبه وجرائمه، التي أدت إلى انقطاع أي تفاعل مادي يومي بينها، وإن كان بينها تفاعل عاطفي ومعنوي شديد لتقاسمها المعاناة نفسها التي حلّت بها، وفرضت حالة من التشتت هددت مقومات المجتمع السوري كشعب واحد، يحمل وحدة التصور والعمل في سبيل إعادة بناء ذاته وقدراته، أمام كل المخاطر التي تجعل وجود ثقافة وتربية وطنية ديمقراطية أمراً ذا أهمية قصوى، لأنها تلعب دوراً حاسماً في المحافظة على مكتسبات زوال النظام الاستبدادي، وحفظ الشخصية السورية لتكوين إنسان سوري جدير وقادر على المساهمة الفعالة في إنجاح عملية التغيير والبناء.

إن خلق الإنسان السوري الذي يحمل هذه المواصفات لا يأتي ارتجالاً أو عفوياً، إنما عبر عملية شاقة وطويلة تلعب فيها الثقافة الديمقراطية والمواطنة دوراً أساسياً، لأن المجتمعات لا تتكون «بالطبيعة»، وإنما تخضع لعملية تكوين موجّهة تتخللها صراعات وتفاعلات عديدة تصل في النهاية إلى «شكل ما» أو «ترتيب ما» للمجتمع، لكن هذا الشكل أو الترتيب سرعان ما يتغير تدريجياً بفعل القوى الجديدة، أو ينهار كلياً بفعل التغيير الثوري العنيف. وبالتالي، إذا أردنا مجتمعاً سورياً يتوجه بكليته للبناء والعدالة والحرية السياسية والمواطنة، فلا بد من الدخول في صراع كبير مع أنفسنا ومع محيطنا الخارجي لبناء مثل هذا المجتمع. وبما أن صراع الذات قطع مسافة طويلة للوصول إلى التحرر من الاستبداد والظلم والقهر، فإن مسألة بناء المؤسسات المسؤولة عن عملية التغيير تمثل أكبر التحديات لمواجهة أخطار المحيط الخارجي، لأنه يتكون منها لدى الإنسان السوري الإطار المرجعي الذي يعود إليه في تصرفاته وسلوكه واتخاذ قراراته حول الإقدام على عمل ما أو الإحجام عنه.

القيم الاجتماعية تبقى حقائق اجتماعية تؤثر في السلوك الإنساني، وفي علاقات الناس ببعضهم بعضاً، والحقائق الاجتماعية السورية تميل إلى الاستمرار، حتى بعد تعرضها للتدمير، وهي لا تسقط إلا بعد خلق حقائق اجتماعية جديدة تنمو تدريجياً..

بناء الإنسان السوري بعد كل هذا الحطام الذي أصابه يتطلب مواصفات وتوجهات ومسؤولية معينة، تقع في الدرجة الأولى على عاتق السلطة القائمة، بتوفير بيئة متكاملة لأجيال السوريين المصابين بأضرار الحقبة الأسدية، وربطهم بشكل وثيق بواقع التغيير ووضع أهدافهم المباشرة نصب أعينهم. المجتمعات المستقرة تبني أجيالاً تسهم في تنميتها الاقتصادية والسياسية، وفي تطوير نفسها حضارياً وثقافياً، والسوريون لديهم المهارات والكفاءات اللازمة لدفع عجلة التغيير والبناء إلى الأمام، واكتسبوا من ثراء المعرفة وضخامة المعاناة ما يكفي من متطلبات التعافي لاستخدامها في إعادة بناء وطنهم ومجتمعهم. وبالتالي، لا يُعقل أن يتم تحويل ثراء السوريين إلى إفلاس، وتقزيم ضخامة المعاناة إلى شلل في القدرة على المساهمة في الانتقال الديمقراطي والتعددية السياسية، وبناء مواطنة تتقن مهارات الدفاع عن حريتها وحقوقها وذاتها، لتكون لها حياة حرة وكريمة.

الهدف الأساسي لأي عملية بناء بعد التغيير في سوريا هو الحفاظ على كرامة الإنسان السوري وحمايته، والاهتمام بكل جوانب حياته حتى يستطيع حمل روح وفكر وعقل وقيم ومهارات تصنع الفارق المنشود. إن هذا العبء ليس بالبسيط أبداً، فالنظم الديمقراطية المبنية على المواطنة تتحمل جانباً أو جانبين من هذه الجوانب، بينما على النظام السوري القائم الآن أن يهتم بكل الجوانب، وألا يغفل أو يقفز عن أساسيات وبديهيات صدح بها السوريون. وقد قيل كثير عن الولادة السورية بعد التحرير وهروب الطاغية، وتحطيم الأسس التي منحته دهراً من فرض القمع وتكميم الأفواه ومنع بناء الإنسان الحامل قيماً تقوده لاكتساب المواطنة والحرية وممارسة الديمقراطية في حياته السياسية التي كانت ممنوعة من التداول.

فالقيم الاجتماعية تبقى حقائق اجتماعية تؤثر في السلوك الإنساني، وفي علاقات الناس ببعضهم بعضاً، والحقائق الاجتماعية السورية تميل إلى الاستمرار، حتى بعد تعرضها للتدمير، وهي لا تسقط إلا بعد خلق حقائق اجتماعية جديدة تنمو تدريجياً، وتتلاءم مع طبيعة التحدي الذي تواجهه. وإطلاق المجال العام أمام الحريات السياسية وحرية التفكير والتعبير والمناقشة، وعدم الاستهزاء بقيم الديمقراطية والمواطنة والتعددية، هي من الأمور التي تشكل طاقة بشرية لا غنى عنها في عملية البناء، التي تعطي ملمساً أولياً عن التغيير في سوريا، ولأنها تلعب دوراً مهماً في إكمال بناء نظام سياسي متعدد الأحزاب، يشارك في عملية نهضة المجتمع وبناء الدولة والحفاظ على سيادتها واستقلالها.

طريقة التمثيل السياسي التي رُسمت للسوريين في العقود الأسدية الطويلة أسفرت عن خراب طال المجتمع والنظام برمته، لارتباط التمثيل بالنظام الحاضن له، ودخوله في دوامته ومصالحه، والنتيجة الماثلة والحاسمة في تعطيل الحياة السياسية كانت في ثورة السوريين. أما اليوم، مع اختلاف الظروف ودفع كل الأثمان، ونشوء أوضاع سياسية وأمنية واقتصادية وثقافية واجتماعية جديدة، فيُفترض ألا تحجب ضرورة إشراك التمثيل السياسي المنتخب، كصفة مميزة لعملية ديمقراطية حرة، تنتهج القيم التي أشرنا إليها. وحتى لا تتبع السلطة الحالية أسلوب منح التمثيل السياسي لممثلي الشعب والأحزاب والقوى، هناك طريقة مختلفة تقبع في طبقة المثقفين السوريين والنخب الفكرية والثقافية والسياسية، الذين لا يحتلون المكان الطبيعي اللائق في التمثيل السياسي، على اعتبار أن الوقت لم يحن بعد للسوريين غير المحسوبين على «ثوريي» السلطة الحالية للانخراط في المجال العام. فطرح السلطة الحالي أعجز عن استيعاب أبعاد قضايا عديدة تهم السوريين، وكأنها غير متفهمة لحيوية العدالة التي تنطوي عليها الحرية السياسية وتعددها.

ثمرة القطاف المؤجلة للنضال الطويل والشاق الذي خاضه السوريون، والذي قدموا لأجله أغلى التضحيات، وواجهوا أصعب العراقيل والتحديات، بحجة التخويف من الديمقراطية والمواطنة والتعددية السياسية والعدالة..

لذلك، يجد السوريون أنفسهم أمام مفارقة ليست فريدة من نوعها، هي خلاصهم من الحقبة الأسدية بكل ما حملته، والإشادة بما أنجزته إرادتهم وتضحياتهم، وبين مفارقة من يسعى لتفريغ تلك الإنجازات من مضمونها، بتتويج شعار «قدرتنا على هزيمة الطاغية ونقطة انتهى»، لكن من قال إن فجر سوريا الجديد لم يعد بحاجة إلى الإضاءة على زوايا العتمة؟

ثمرة القطاف المؤجلة للنضال الطويل والشاق الذي خاضه السوريون، والذي قدموا لأجله أغلى التضحيات، وواجهوا أصعب العراقيل والتحديات، بحجة التخويف من الديمقراطية والمواطنة والتعددية السياسية والعدالة، تُسجّل على أنها تقاعس وعجز وانعدام الثقة بالمجتمع في مرحلة لا يمكن فيها قبول العجز والتراجع، ولا يمكن الركون لفهلوة و«شطارة» السلطة والحكومة بنجاح 22 شهراً من الإنجازات، بالرغم من كل ما قاموا به من جهود يُشكرون عليها، لأنها أولاً وأخيراً نتيجة لتضحيات السوريين التي يترتب عليها حقوق والتزامات على أي سلطة لتحقيق معنى الحرية كنقيض للاستبداد المحطم بفعل غير مؤجل.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى