بين الذاكرة العمرانية وقرارات التأهيل:               قراءة في إشكالية تمثال صلاح الدين ومحيط قلعة دمشق

 د. م. أمين صعب

​تتأرجح النقاشات العامة في مدننا التاريخية عند التعامل مع أي تغيير حضري بين ثنائيات متطرفة من التأیید أو الاعتراض، وغالباً ما تغيب المقاربة المهنية الرصينة التي تفكك الطبقات المكانية والرمزية التي تكوّنت عبر الزمن. وخير مثال على ذلك الجارح والدقيق ما يثيره موضوع نقل تمثال القائد صلاح الدين الأيوبي من محيط قلعة دمشق، وهو نقاش يستحق عمقاً أبعد من ردود الفعل الآنية، خصوصاً عندما يُطرح من منظور الحفاظ على التراث العمراني والمشهد الحضري التاريخي.

​التمثال.. من عمل نحتي إلى معلم بصري في الذاكرة الجمعية

————————————————————–

​صحيح أن التمثال ليس أثراً تاريخياً من الحقبة الأيوبية، ولكنه يحمل قيمة فنية ورمزية واجتماعية اكتسبها خلال العقود الماضية، ليصبح جزءاً لا يتجزأ من الصورة الذهنية لدمشق والذاكرة الجمعية لسكانها.

​فالمدن التاريخية ليست مجرد مجموعة من المباني والأوابد الصامتة، بل هي تراكمات حية من الذاكرة والتجارب اليومية والعلاقات الإنسانية التي ينسجها الناس مع المكان. وهنا تبرز الأهمية القصوى لمفهوم “السياق المكاني” ؛ فلم تعد العلاقة بين التمثال والقلعة مجرد علاقة عابرة بين عنصر نحتي وفراغ عمراني، بل تحولت إلى تواصل بصري ورمزي بين معلم تاريخي وقراءة فنية معاصرة لشخصية محورية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتاريخ دمشق.

​النقل المؤقت مقابل النقل الدائم: فروق جوهرية

——————————————————-

​في قراءة هذه القضية، لا نرى أن نقل التمثال مؤقتأً لأغراض الصيانة الضرورية أو لإعادة تأهيل البنية التحتية لمحيط القلعة يمثل مشكلة بحد ذاته، طالما أنه يستند إلى ضرورة هندسية وتقنية واضحة وموثقة.

​لكن من الضروري بمكان التمييز بدقة بين:

​النقل المؤقت: الذي يخضع لضرورات التأهيل والتوثيق بغرض إعادة التقييم أو الإرجاع.

​النقل الدائم: الذي يمثل قراراً جراحياً يغير من هوية الفراغ العمراني ويحتاج إلى تقييمات بصرية وأثرية عميقة ومنهجية.

​إن الحفاظ على التراث لا يعني بالضرورة تجميد المشهد التاريخي ومنع أي تطور فيه؛ فقد تكشف الدراسات التخطيطية أن وضعية التمثال الحالية تؤثر أحياناً على قراءة الأسوار التاريخية أو تحجب بعض محاور الرؤية الأساسية للكتلة الأيوبية، وهي اعتبارات معمارية مشروعة تستحق البحث والدراسة الهادئة.

​نحو مقاربة علمية متكاملة

——————————————————-

​وفقاً لمفاهيم الحفاظ الحديثة، لا ترتبط القيمة التراثية بعمر العنصر وأصالة مادته وحدها، بل تمتد لتشمل قيمته الاجتماعية والرمزية وعلاقته الحية بالفراغ المحيط. لذلك، فإن السؤال الأهم الذي يجب أن يوجه دفة القرار ليس: هل ننقل التمثال أم نبقيه؟ بل:

​ما القيم الإضافية التي اكتسبها هذا المعلم من موقعه؟

​وما الذي سنخسره أو نكسبه عمرانياً وبصرياً وثقافياً عند أي تغيير مقترح؟

​إن كل تغيير في المشهد التاريخي لا يُعد بالضرورة خسارة تراثية، كما أن أي مشروع تجميل أو إعادة تأهيل لا يُعتبر تحسيناً تلقائياً ومضموناً. الأهم هو أن يستند القرار إلى دراسة متكاملة تراعي القيمة التاريخية للقلعة، والقيمة الرمزية للتمثال، والهوية البصرية للمكان.

​في الختام، إن حماية التراث العمراني في مدننا لا تقتصر أبداً على حماية المباني التاريخية الصماء، بل تسعى لفهم العلاقات والذكريات والمعاني الإنسانية التي جعلت من هذه المباني ومحيطها جزءاً حياً لا يتجزأ من هوية المدينة وكرامتها البصرية. وهذا يتطلب دائماً شراكة حقيقية بين المختصين (من معماريين ومخططين ومؤرخي تراث) والمجتمع المحلي الواعي، لتظل قراراتنا تعبيراً صادقاً عن احترام الماضي واستشراف المستقبل.

محاضر جامعي وباحث في التراث _ استشاري نقابي

أمين سر ايكوموس سورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى