
في الشهر الماضي، اتصل بي ناشط هولندي يعمل في منظمة تضامنية مع فلسطين، بعدما علم أنني أقيم في أمستردام باحثًا زائرًا. أخبرني أن خلافًا يدور داخل مجلس أمناء مؤسسة هولندية مناصرة لإسرائيل، تُعرف باسم مركز التوثيق حول إسرائيل.(CIDI) فثمة مجموعة، وإن كانت صغيرة، ترى ضرورة نقد السياسات الإسرائيلية، والاستماع إلى الأصوات الفلسطينية التي تحاول أن تروي ما يحدث اليوم في فلسطين/إسرائيل. وقد أبدت هذه المجموعة رغبتها في تنظيم حوار يجمع فلسطينيًا وإسرائيليًا لمناقشة الحريات الأكاديمية الإسرائيلية والصراع العربي-الإسرائيلي.
رغم دفعي من هذا المناصر للمشاركة، لم أتخذ قراري على الفور. فكّرت في الأمر، واستشرت بعض الناشطين في هولندا، ووازنت بين المخاطر السياسية والأخلاقية التي قد تنطوي عليها المشاركة وبين ما يمكن أن تتيحه من إمكانات. وانتهيت إلى أن هذه قد تكون فرصة للوصول إلى جمهور جديد، جمهور لا يسمع بالضرورة الرواية الفلسطينية، أو لا تتاح له فرصة الإصغاء إليها إلا من خلال سرديات جاهزة ومهيمنة. ولا أخفي عليكم أنني كنت خائفا من هذا الجمهور ولذا أصريت على صديق لبناني يعيش في لاهاي للحضور، ربما يحميني في حالة عنف ضدي. فالحوار، في نظري، لا تكون له قيمة حقيقية حين يجري بين أشخاص متفقين سلفًا، وإنما حين نجرؤ على مخاطبة من نختلف معهم، ونسعى إلى خلخلة يقينهم، كما نعرّض يقيننا نحن بدورنا للمساءلة. فالحوار ليس تصديقًا على مواقف الطرف الآخر، ولا شهادة حسن سلوك تمنحها له بمجرد الجلوس معه. إنه، في أفضل أحواله، دخول إلى فضاء محفوف بالتوتر والاختلاف، حيث لا نملك مسبقًا ضمانة بأننا سنقنع الآخرين أو بأنهم سيقنعوننا. لكنه يظل فرصة لقول ما لا يُقال، وطرح الأسئلة التي لا تصل إلى الجمهور، وكشف التناقضات التي قد لا تظهر إلا عندما نخرج من دوائرنا المغلقة.
وفعلًا، شاركت في الندوة. وكان من بين ما ناقشته فيها بالتفصيل أولا أهمية المقاطعة الأكاديمية، ولا سيما في ضوء المبادئ التي تتبناها حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، التي تركز أساسًا على مقاطعة المؤسسات المتواطئة مع الاحتلال، بدلًا من استهداف الأفراد لمجرد هويتهم أو جنسيتهم. أما مقاطعة الأفراد، فتستدعي النظر في السياق، وطبيعة المشاركة، ومواقف الشخص وأفعاله، وإجراء ما يمكن تسميته محاكمة أخلاقية للحالة المحددة، بدلًا من تطبيق قاعدة آلية لا تميّز بين الحالات المختلفة. وتحدثت طويلا عن الإبادة الجماعية الإسرائيلية لغزة وأن طبيعة الصراع هو بين استعمار احلالي والفصل العنصري وبين مستعمَرين.
ويعبّر بيان حركة المقاطعة عن هذا المبدأ بوضوح: “لا تدعو حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) إلى مقاطعة الأفراد لمجرد أنهم إسرائيليون أو لأنهم يعبّرون عن آراء معينة. وبالطبع، لكل فرد الحرية في أن يقرر مع مَن يختار التعامل أو عدم التعامل”. وهذا تحديدًا ما حاولت الدفاع عنه. فمن تابع النقاش حتى نهايته، وهو متاح على يوتيوب، سيجد أنني دافعت عن الطلاب الهولنديين الذين قاطعوا عالمة الاجتماع الفرنسية-الإسرائيلية إيفا إيلوز، التي كان من المقرر أن تتحدث عن نظريتها في «الرأسمالية العاطفية»، في حين أنها تتبنى مواقف مؤيدة بشدة للحرب الإسرائيلية على غزة، التي أصفها بالإبادة الجماعية، كما تدين الطلاب الذين رفعوا شعار «الحرية لفلسطين من النهر إلى البحر». لم أعتبر أن صفتها الأكاديمية أو مكانتها الفكرية تمنحانها حصانة من المساءلة، ولم أعتبر في المقابل أن جنسيتها الإسرائيلية وحدها تكفي لتبرير مقاطعتها. كان السياق السياسي ومواقفها المعلنة هما ما ينبغي أن يدخل في التقييم لمنعها.
من الاختلاف السياسي إلى ثقافة الإلغاء
من هذا المنطلق، أبرر أهمية مشاركتي في تلك الندوة. لذلك يؤسفني أنني تعرضت لحملة من وسائل إعلامية ومن ناشطين في حملة المقاطعة في لبنان، اتُّهمت خلالها بأن مشاركتي تمثل تطبيعًا. كان بإمكان هؤلاء أن ينتقدوا قراري، وأن يسألوا عن طبيعة المؤسسة المنظمة، وأن يناقشوا ما إذا كانت المشاركة قد حققت غايتها أم أسهمت، على العكس، في منح المؤسسة شرعية لا تستحقها. كان يمكن أن يدور نقاش سياسي جاد حول هذه الأسئلة. لكن اختزال المشاركة في تهمة واحدة (التطبيع)، وتقديمها بوصفها دليلًا قاطعًا على موقف صاحبها، يثير سؤالًا أوسع: متى تتحول المناقشة السياسية إلى ممارسة للإلغاء؟
ما أعنيه هنا هو ما يُعرف بـثقافة الإلغاء (Cancel Culture) وأقصد بها نمطًا من الممارسة يقوم على التشهير، والنبذ الاجتماعي، ومصادرة حق الشخص في تفسير موقفه، والسعي إلى حسم القضايا السياسية والأخلاقية المعقدة انطلاقًا من يقين أخلاقي مطلق. وفي هذا النمط، لا يعود المطلوب مناقشة الفعل أو نقد القرار، بل إدانة الشخص برمّته، وكأن خطأً واحدًا، أو مشاركة واحدة، أو عبارة واحدة، كافية لإلغاء تاريخه الفكري والسياسي كله. تتجلى هذه الثقافة، على نحو خاص، حين يُختزل موقف شخص في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أو في فقرة مقتطعة من مقال، أو في صورة عابرة من حدث ما، بصرف النظر عن السياق الذي ورد فيه ذلك الموقف، وعن الاتجاه العام لأعماله ومواقفه والتزاماته. تتحول الفقرة إلى ملف اتهام، ويصبح الاقتباس المبتور بديلًا من قراءة العمل بأكمله، وتُستبدل مناقشة الأفكار بإصدار الأحكام على أصحابها.
ولست أقول ذلك دفاعًا عن نفسي وحدي، بل دفاعًا عن مبدأ أراه ضروريًا لأي حركة تحررية تريد أن تحافظ على قدرتها النقدية. فأنا معروف بمواقفي الواضحة في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وقد دافعت في محافل أكاديمية وسياسية عديدة، في المنطقة والعالم، عن حق الفلسطينيين والعرب في مقاومة الاستعمار، وعن مشروعية أشكال المقاومة المختلفة، بما فيها المقاومة المسلحة، ما دامت لا تستهدف المدنيين. كما نظرت أن إسرائيل بأنها دولة استعمار إحلالي ونظام فصل عنصري، ووصفت ما يجري في غزة بالإبادة الجماعية في مقالاتي وفي ندون لاهاي. ولا يحتاج القارئ إلى جهد بحثي استثنائي ليتحقق من ذلك، فيكفي البحث في غوغل.
حين يُلغى أصحاب المواقف المناهضة للعنصرية
ليست هذه الظاهرة محصورة في تجربتي الشخصية. فقد رأينا، في سياقات أكاديمية مختلفة، حملات تستهدف باحثين وكتّابًا بسبب مواقف أو عبارات تُنتزع من سياقاتها، أو بسبب خلافات حول حدود التعبير المقبول سياسيًا وأخلاقيًا. ومن الأمثلة التي أثارت جدلًا واسعًا قضية عالم الأنثروبولوجيا اللبناني غسان الحاج، الذي واجه مطالبات بإبعاده عن معهد ماكس بلانك في ألمانيا على خلفية منشورات على فيسبوك. وتزداد المفارقة حدة حين نتذكر أن الحاج قدّم في أعماله الأكاديمية نقدًا واسعًا لأشكال العنصرية بما فيها معاداة السامية. ويظهر منطق مشابه في الجدل الذي أحاط بمواقف زهران ممداني من القضية الفلسطينية. فقد عُرف ممداني بدفاعه عنها، لكنه، بصفته رئيسًا لبلدية نيويورك، شارك في مناسبة لإحياء ذكرى ضحايا الهجمات التي وقعت في إسرائيل في 7 أكتوبر، وهو ما أثار احتجاجات ضده. وينطبق الأمر أيضًا على الإعلامي المصري باسم يوسف، الذي واجه انتقادات بسبب دخوله في حوار مع شخصية من اليمين المتطرف.
في علم الاجتماع، نميّز عادةً بين باحث الكرسي (armchair researcher) الذي يكتفي بالتنظير من مكتبه، والباحث الذي ينزل إلى الميدان، ويحتك بالناس، ويختبر أفكاره في مواجهة الوقائع وتعقيداتها. وربما نحتاج، في المجال السياسي أيضًا، إلى تمييز مشابه بين ناشط «الكرسي»، الذي يصدر الأحكام من مسافة آمنة، والناشط الذي يتحرك في فضاءات سياسية محفوفة بالمخاطر، ويحاول أن يفتح ثغرة في جدار السرديات المهيمنة. يمكن للناشط الذي يجلس في مقاهي الحمراء أن يصوغ موقفًا سياسيًا متماسكًا، وأن ينتقد قرارات الآخرين من موقع أخلاقي واضح. لكن الناشط الذي يتحرك في بلد تهيمن فيه سردية إسرائيلية على قطاعات واسعة من الإعلام والسياسة، ويحاول مخاطبة جمهور لا يسمع الرواية الفلسطينية أو لا يتعاطف معها، يواجه معادلة مختلفة. إنه لا يختار بين خيارات مثالية، بل بين إمكانات محدودة، لكل منها مخاطرها وتكاليفها واحتمالات نجاحها أو فشلها. هذا هو السياق الذي أضع فيه مشاركتي في الندوة الهولندية. لقد اجتهدت في تقدير الموقف، ورأيت أن المشاركة قد تتيح لي مخاطبة جمهور جديد، مع الاحتفاظ بحقي في نقد المؤسسة والسياسات الإسرائيلية والدفاع عن الحقوق الفلسطينية. وشعرت بعد ذلك بأنني أخطأت في حساباتي فانا لم أنم ليلتها من توتري وشعوري بفظاعة الخطاب الذي سمعته وقدرة المجموعة الرئيسية لCIDI بالتلاعب بالبوستر واحضار ممثل عن السفارة الإسرائيلية، ولكنني اجتهدت و«من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر». سنبقى دائما نختلف في الإجراءات حول كيف نقاطع الاستعمار الإحلالي والأبارتايدي والإبادة الجماعية ولكن نتفق على جوهر وأهمية المقاطعة. كان من الاحرى أن نوجه سهامنا في هذه الأيام لعدو يقوم بقصفنا ويجرف الأرض والمدن والقرى يوميا في فلسطين وسوريا ولبنان ، لا أن نعمل حملة إلغاء مع مناضل يتفق ممع حركة المقاطعة.
من يقرأ كتابي ضد الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع تحاوري سيجد أن نقد ثقافة الإلغاء يتصل اتصالًا مباشرًا بأحد الأسئلة المركزية التي يشغلني: ماذا يحدث حين تتحول المبادئ الليبرالية إلى شعارات أخلاقاوية، منفصلة عن الممارسة التي يفترض أن تمنحها معناها؟ وقد تناولت في كتابي حالات لإلغاء متحدثين في الجامعات في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، محاولًا فهم الآليات التي يتحول بها الخلاف الفكري إلى ضغط لإقصاء المتكلم. وفي بعض الحالات التي درستها، كان لافتًا أن متحدثين من اليسار تعرضوا لمحاولات منع أو إلغاء من بعض الطلبة والأساتذة اليساريين أنفسهم، ممن أصفهم بالليبراليين الرمزيين. لا يعني ذلك أن اليسار كتلة واحدة، أو أن اليمين أقل ميلًا إلى الإقصاء؛ فمحاولات إسكات الخصوم موجودة في اتجاهات سياسية مختلفة. مثالا هناك منع النسوية الناقدة للجندر وهي نسويه يساريه مؤلفه عاده من المثليين الذين لا يشكك في شرعية وجود الأشخاص المتحولين جنسيًا، ولكنه يشير إلى تضارب حقوقهم مع مجموعات ذات ميول جنسية أخرى. إن عدم التسامح مع سماع تلونات مختلفة من الحركة النسوية أمر شائع.
للختام، هنا تحديدًا تتضح أهمية علم الاجتماع التحاوري: إنه لا يدعو إلى تعليق الحكم الأخلاقي، ولا إلى مساواة الضحية بالجلاد، ولا إلى منح كل خطاب شرعية متكافئة. بل يدعونا إلى الجمع بين الالتزام الأخلاقي والاستعداد لفهم السياقات، وبين الدفاع عن المظلومين ورفض تحويل العدالة إلى ذريعة لإغلاق النقاش. إنه يقتضي أن نعرف متى يكون الحوار ضرورة، ومتى تكون المقاطعة موقفًا مشروعًا، ومتى يصبح أي منهما غطاءً لممارسة الهيمنة أو الإقصاء.
المصدر: المدن






