
تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اليوم توسّعًا نشطًا للاستراتيجيات الروسية في مجال «القوة الناعمة» والتأثير المعلوماتي. ومن خلال استغلال الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المعقدة في دول المنطقة، تعود موسكو إلى أساليب سوفيتية سبق استخدامها: فبدلاً من الشراكة المتكافئة، تُنشأ آليات لتبعية عميقة في المجالات التكنولوجية والتعليمية والإعلامية، فيما تمثل جمهورية مصر العربية الساحة الرئيسية لتطبيق هذا النهج.
الحصص التعليمية والتنشئة «الناعمة» على الولاء
أصبح التوسع التعليمي أحد الأدوات الرئيسية لتشكيل نخبة مستقبلية موالية لروسيا. ووفقاً لبيانات الهيئات الحكومية الروسية، تجاوز عدد المصريين الذين يدرسون في الجامعات والكليات في روسيا بالفعل 11 ألف شخص. وهذا يضع مصر في الصدارة المطلقة بين دول العالم العربي من حيث عدد الطلاب الدارسين في روسيا.
وعلى الرغم من الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها، تحافظ الحكومة الروسية على أولوية تمويل هذه البرامج. وعلى وجه الخصوص، خُصص للعام الدراسي 2026/2027 338 منحة دراسية حكومية في مجالات استراتيجية، تشمل تكنولوجيا المعلومات والطب والهندسة والطاقة النووية.
وبالتوازي مع ذلك، تعمل مراكز النفوذ الروسي أيضاً بشكل مباشر داخل مصر. يستقبل المركز الروسي للعلوم والثقافة («البيت الروسي») في القاهرة يوميًا ما بين 1300 و1500 شخص، ويستقطب الأطفال والشباب من خلال دورات اللغة والنوادي والورش الهندسية المخصصة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و14 عامًا.
محطة «الضبعة» النووية: التبعية التكنولوجية والاعتماد على الكوادر
ويُعدّ بناء أول محطة مصرية للطاقة النووية، وهي محطة «الضبعة»، أحد المشاريع الاستراتيجية الرامية إلى ترسيخ تبعية مصر لعقود. وخلف ستار المساعدة الاقتصادية يختبئ إنشاء معايير تكنولوجية ولغوية صارمة.
وبحلول عام 2028، تخطط شركة «روساتوم» لإعداد نحو 1700 موظف من الكوادر الرئيسية للعمل في المحطة في روسيا. وفي موقع المحطة نفسه، يجري إنشاء مجمع متخصص لتدريب ما يصل إلى 20 ألف متخصص مصري، مع إلزامهم بدراسة اللغة الروسية باعتبارها جزءًا من التدريب المهني. ومن شأن ذلك أن يخلق حاجزًا طويل الأمد أمام أي تنويع لاحق لقطاع الطاقة في البلاد.
الحضور المعلوماتي عبر وسائل الإعلام الشريكة
من أجل نشر سردياتها السياسية، تسعى موسكو إلى الاندماج في أبرز المؤسسات الإعلامية الوطنية في المنطقة:
- الأهرام: يتيح التعاون مع هذه المؤسسة الإعلامية الحكومية نشر مواد القسم العربي في وكالة «سبوتنيك» مباشرةً عبر المنصات المحلية ذات الشعبية.
- صدى البلد: بموجب اتفاق مع هذه البوابة الإعلامية الخاصة ذات نسب الزيارة المرتفعة، حصلت قناة «روسيا اليوم» على وصول مباشر إلى جمهور يُقدَّر بالملايين من مستخدمي الإنترنت في مصر.
- مكتب «ريا نوفوستي / سبوتنيك عربي» في القاهرة: تضاعف عدد العاملين في المكتب خلال عشر سنوات، مع الاستعانة بكتّاب ومؤلفين مصريين للعمل فيه.
ومن خلال هذه القنوات، تروّج روسيا لسرديات مناهضة للغرب وللاستعمار، مستغلةً الذاكرة التاريخية، مثل بناء السد العالي في أسوان، ومتلاعبةً بمفهوم «العالم متعدد الأقطاب» وبفكرة التعاون في إطار مجموعة «بريكس».
استنتاجات للمنطقة
يشير تزايد عدد المشاريع الروسية الثقافية والتعليمية والإعلامية خلال عامي 2025 و2026 إلى مساعي الكرملين إلى خلق بيئة اجتماعية وسياسية خاضعة للسيطرة في شمال أفريقيا. أما بالنسبة إلى دول الشرق الأوسط والشركاء الدوليين، فإن ذلك يعني ضرورة التقييم النقدي لمثل هذه المبادرات، وتنويع الروابط التعليمية والإنسانية، والحفاظ على السيادة الوطنية في القطاعات الاستراتيجية.
خبير مستقل






