
ما إن أعلن عن ترميم الجامع الأموي الكبير في حلب، جامع سيدنا زكريا، حتى ظهرت روايات حول المنبر الأثري فيه، وكيف تمت حمايته، ولأنها قصة نجاح فهي قصة ليست يتيمة، وككل قصة نجاح كل من كان له صلة فيها، مهما كانت ضعيفة، فإنه يسعى لإظهارها، وهذا طبيعي، ولكن في سياق التزاحم على أبوة النجاح تضيع كثير من التفاصيل وتغيب كثير من الأدوار الرئيسية، وغالبًا ما تكون الروايات أجزاء من زوايا نظر مختلفة يمكن أن تكمل بعضها بعضًا، وانطلاقًا من ذلك أسرد في هذا المقال من زاويتي الخاصة ووفقًا لسجل المحادثات الذي أحتفظ به منذ ذلك التاريخ، كيف ولدت الفكرة وكيف تطورت وتحولت، ليس الغرض من هذه الرواية التقليل من جهد أحد، على قدر ما هي بيان لجوانب لم تذكر في الروايات التي نشرت.
البداية كان يوم 24/4/2013 حين دمرت مئذنة الجامع الأموي بحلب، وثارت اتهامات متبادلة بين قوات النظام المخلوع وبين فصائل الجيش الحر الثورية حول المسؤولية التي يتحملها كل طرف عن ذلك، وللمئذنة وحجارتها قصة تستحق أن تروى، خصوصًا وأنه تم إعادة بناء المئذنة بطريقة مختلفة وحجارة مختلفة، لكنني أؤجلها إلى وقت آخر، كان لسقوط المئذنة صدًا مدويًا، وقد جاء بعد عدة أعمال عسكرية داخل حلب المدينة القديمة، أدت لتدمير معالم أثرية كثيرة، وغيرت في معالم النسيج العمراني لمدينة حلب القديمة، مع هذا الحدث الكبير وتوسع الدمار في المناطق الأثرية وجدنا أن علينا القيام بشيء ما لحماية ما تبقى، وبخصوص الجامع حماية ما يمكن حمايته من عناصر أثرية لا تزال سليمة داخله.
تحدثت مع سامر سريو، وهو مهندس معماري حول الأمر، بدأنا نناقش الأمر في مجموعة صغيرة على الماسنجر أنشأت لهذا الغرض، كنا أربعة أشخاص، أنا وسامر ومحمد خير الدين الرفاعي، أحد الخبراء بالمباني الأثرية، توصلنا بالنتيجة إلى أنه لا بد من التحرك عاجلًا لحماية ما يمكن من الجامع مما يصعب تعويضه، أولًا تفكيك المنبر الأثري ونقله إلى مكان آمن، وكذلك ما بقي من أبواب الجامع، وثانيًًا حماية الحجرة النبوية لمقام نبي الله زكريا قرب المحراب، بوضع أكياس من الرمل أمام الحجرة، وبناء جدار من البلوك أمامها، وثالثًا حماية الساعة الشمسية في صحن الجامع بالطريقة ذاتها في حماية الحجرة النبوية.
وفي يوم 5/5/2013 وبعد اعتماد طريقة الحماية، أنشئت مجموعة أخرى ضمت بالإضافة لي وسامر كل من ورد فراتي (أحمد الحاج حميد)، وعبد الله معمار (محمد زكور)، وأبو محمود المعماري (أحمد المصري) كان هدف هذه المجموعة البحث عن آلية تنفيذية للخطة، قررنا أن يكون التنفيذ من خلال “منظمة إعادة إعمار سوريا” و”الجمعية السورية لحفظ الآثار”، وتم الفك بإشراف محمد زكور من منظمتنا، والنقل والحفظ بإشراف الأستاذ عزام خانجي رئيس مكتب التعليم في مجلس محافظة حلب. كنا قد أنشأنا منظمة إعمار سوريا في آذار/مارس 2012 وكنت رئيسًا لها، وهي فرع لتنسيقية المغتربين السوريين، ولاحقًا حين أصبحت قضية حفظ الآثار والجامع الأموي التي طرحناها أسست مجموعة من المهندسين “الجمعية السورية لحفظ الآثار والتراث” في وقت الحديث.
رفعت سواتر قماشية للتعمية على القناصين، وفي أثناء العمل، أصيب أحد أعضاء الفريق التنفيذي بطلقة نارية من قناص تابع النظام في يده، تركنا عملية التنفيذ للشباب، الذين كان معظمهم من “الجمعية السورية لحفظ الآثار والتراث”، وحين تمت عملية تفكيك المنبر، نقل المنبر الخشبي بإشراف مجلس محافظة حلب إلى منطقة آمنة بسرية تامة، لم نكن نحن نعلم مكانه، وتم تمويل العمل من قبل منظمتنا (منظمة إعادة إعمار سوريا)، من حيث المواد والعمال والنقل، وحللنا المنظمة بعد ذلك في شهر حزيران/يونيو 2013.
حصلت بعض الأمور قبل ذلك بعدة أشهر، لم يكن بالإمكان التحكم بها، قبل شروعنا في حفظ آثار المسجد، بسبب الظروف الصعبة للغاية وقتها، مثلًا بعض مقاتلي الجيش الحر لم يدركوا القيمة الآثارية لأثاث المسجد، قاموا بحرق الباب الجنوبي للمسجد بغرض التدفئة في الشتاء القارس! كان لهذا الباب “سقاطة” مملوكية حديدية، صرنا نبحث عنها، وبعد جهد استطعنا الوصول إليها وحفظها، أما أبواب الجامع المتبقية فقد طلبنا من المقاتلين حمايتها، وقد فعلوا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وكذلك طلبنا حماية حجارة المئذنة من السرقة، التي قام فريق هندسي بترقيمها.
بعد ثلاث سنوات ونصف سيطر النظام المخلوع على كامل مدينة حلب في 22/12/2016، دخل إلى المسجد الأموي وأزال الحماية عن الحجرة النبوية والساعة الشمسية، ولَم يجد بالطبع المنبر الأيوبي (يقال إنه مملوكي)، وبعد أن أفقنا من الصدمة والكارثة التي حلت بحلب، طالبنا مرارًا وتكرارا بإعادة المنبر الخشبي الى الجامع عن طريق تسليمه للهلال الأحمر السوري أو اأي منظمة محلية أو دولية إلى النظام السوري ليعاد تركيبه في مكانه، كانت منظمتنا قد حلت من سنوات، لكن مسؤوليتنا الأخلاقية مستمرة، وبما أننا كنا نجهل أين تم تخبئه المنبر، وكانت مسؤوليتنا انتهت عام 2013 بالتخطيط والتنفيذ، فقد بدأنا رحلة للبحث عن المنبر، وعن الجهة التي تحتفظ به، ومكان وجوده، كان الجميع، وهم ممن نعتقد أن لديهم معلومات عنه، يتهرب من تقديم أي معلومة عن مكانه، استمرت التواصل ومحاولة الوصول للمنبر عبر النداءات لأكثر من عام دون جدوى.
اليوم مع عودة المنبر وترميم الجامع الأموي الكبير، نفخر بما فعلنا، ويستحق كل الذين بذلوا جهدًا لحفظه آثار الجامع كل التقدير، وفي شكل خاص أولئك الذين حفظوا المنبر وحافظوا بأمانة وحرص شديدين على السرية لحمايته، وعلى تحملهم للشكوك غير المنصفة التي أثيرت حولهم في قصة اختفاء المنبر.
بعد ستة أشهر وبعد انتشار منشورات في وسائل التواصل الاجتماعي عن اختفاء المنبر أخبرني المهندس فراس المصري أن من يحتفظ بالمنبر يفاوض به النظام لإطلاق سراح أسير لدى النظام المخلوع، وكان المسؤول عن حفظ المنبر الأستاذ عزام خانجي، تواصلت عبر وسطاء معه، للإفراج عن المنبر، لكن الرد أتاني أنه لا يمكن تسليم المنبر للنظام، وأن هذا ليس هو الوقت المناسب. عرفت لاحقًا أن المنبر محفوظًا في منطقة ما بالريف الشمالي، وكنت شديد القلق ألا يتم تهريبه إلى تركيا، وضمان أن يبقى في الأراضي السورية.
اليوم مع عودة المنبر وترميم الجامع الأموي الكبير، نفخر بما فعلنا، ويستحق كل الذين بذلوا جهدًا لحفظه آثار الجامع كل التقدير، وفي شكل خاص أولئك الذين حفظوا المنبر وحافظوا بأمانة وحرص شديدين على السرية لحمايته، وعلى تحملهم للشكوك غير المنصفة التي أثيرت حولهم في قصة اختفاء المنبر، بما في ذلك المنشورات التي كتبتها أنا في سياق خوفي على ضياعه وخسرانه للأبد، وسعي جهات مختلفة أجنبية أو غيرها للاستيلاء عليه.
المصدر: تلفزيون سوريا






