
الحوكمة الرشيدة مصطلح يهدف لفهم آليات عمل مؤسسات الدولة، وفهم العلاقة بين هذه المؤسسات. وتتضمن هذه العملية معرفة كيف يمكن لها أن توجه الاقتصاد والمجتمع والحياة السياسية في بلد ما لإحداث التقدم في كافة المجالات. وهي تتضمن مجموعة واسعة من القضايا مثل حقوق الإنسان والاندماج في المجتمع وحل النزاعات ومفهوم العقد الاجتماعي بين الافراد والدولة، والشفافية وعدم الفساد وإساءة استخدام السلطة العامة عند المسؤولين، وقضايا الشفافية وعمليات صنع القرار.
ويشير التحليل الموضوعي إلى أنّ ممارسات السلطة المؤقتة قد تمت بعيدًا عن أي تفعيل لمعايير الحوكمة الرشيدة، منذ مؤتمر النصر للفصائل العسكرية المتحالفة مع هيئة تحرير الشام في أوائل عام 2025، حيث كُلّف أحمد الشرع برئاسة المرحلة الانتقالية لمدة خمس سنوات. وبعد اثنين وعشرين شهرًا ظهر تشجيع للولاءات بالفوائد والمزايا إلى حد بعيد، وكذلك الاعتماد على أهل المنهج السلفي من أعضاء هيئة تحرير الشام وحلفائها.
لا تتحول التعددية الطائفية إلى مشكلة تهدد الدولة الوطنية إلا عندما تفتقر الدولة للحوكمة الرشيدة، بما تفرضه من شروط بناء المواطنة المتساوية كإطار لتفاعل الأفراد، وغالبًا ما تحاول هذه الدولة نفسها أن تغذّي العصبيات الأهلية أو تعبئها في سبيل تأمين قاعدة اجتماعية مضمونة لها.
وبسبب الانخفاض في الموارد، ظهرت سياسة تحرير الاقتصاد، بل بيع أراضٍ وممتلكات سيادية إلى شركات ومستثمرين لا هوية واضحة لهم، بهدف محاولة الحفاظ على الديمومة الاقتصادية للسلطة وضخ أموال كافية لإدارة مختلف عملياتها بعيدًا عن أية رقابة ومحاسبة. ومن مظاهر ذلك انخفاض أسعار منتجات المزارعين بل عدم إعطائهم مستحقاتهم المالية، مما يهدد الموسم الزراعي للسنة القادمة، والزيادة المفرطة في أسعار الوقود، في حين تتركز ثروات البلاد في يد القلة من حاشية السلطة، فيما يسمى ” الصندوق السيادي “.
وفي هذا السياق، لا تتحول التعددية الطائفية إلى مشكلة تهدد الدولة الوطنية إلا عندما تفتقر الدولة للحوكمة الرشيدة، بما تفرضه من شروط بناء المواطنة المتساوية كإطار لتفاعل الأفراد، وغالبًا ما تحاول هذه الدولة نفسها أن تغذّي العصبيات الأهلية أو تعبئها في سبيل تأمين قاعدة اجتماعية مضمونة لها. فقد كانت العلاقة بين الطائفية والحوكمة الرشيدة في سوريا الجديدة، تقوى أو تضعف، بحسب رغبة السلطة المؤقتة الذي يتحكم فيها أهل المنهج السلفي وبقائهم في سدة الحكم، ولو على أنقاض مجتمع مفكك وتعفّن مؤسسات الدولة وموتها. ولا شك في أن التعصب الطائفي يحوّل الاختلاف إلى توتر وصراع، ويؤدي إلى تقسيم الدولة إلى مجتمعات متباينة، ومن أمثلة ذلك جريمة قتل علويين على طريق حمص – مصياف مؤخرًا، إذ لم تكن مجرد حادث أمني ينبغي أن يمر كغيره من الحوادث. فحين يكون جميع الضحايا، وفق ما أوردته مصادر حقوقية، من أبناء الطائفة العلوية، يصبح من المشروع
أن نتساءل: هل نحن أمام جريمة عابرة، أم أمام مؤشرات على عودة العنف ذي الطابع الطائفي؟
هذه الجريمة لا يمكن فصلها عن سياق الجرائم الطائفية التي شهدتها البلاد بعد انهيار السلطة البائدة، خصوصًا مجازر الساحل والسويداء، والجرائم التي استهدفت الأفراد على خلفيات طائفية، ومنها خطف النساء، وجريمتي السقيلبية وطرطوس مؤخرًا. والنتيجة أنّ السلطة لا تستطيع أن تطلب من المواطنين أن يثقوا بها، في حين يشعر بعضهم أنّ دماءهم يمكن أن تُراق من دون أن يعرفوا من قتلهم ولماذا.
وفي هذا السياق، فإنّ غياب الحوكمة الرشيدة عن سياسات السلطة سوف يساعد على تفكك المجتمع السوري، ودفعه إلى الهويات الفرعية ما قبل الوطنية. بعد أن تميزت المرحلة الانتقالية بغياب الرشد في التعامل مع المكوّنات الطائفية والمذهبية والقومية، حيث أصبحت الطائفية تلعب دورًا جوهريًا في سياسات السلطة على كل الأصعدة، وكان هذا واضحًا في حالة المجتمعات العَلوية والدرزية والمسيحية بشكل خاص.
إنّ السكوت عن الجرائم الطائفية، لا يحمي السلم الأهلي، بل يهدده. كما أنّ استخدام هذه الجرائم للتحريض على جماعة بكاملها لا يحمي الضحايا بل يفتح الباب أمام ضحايا جدد.
وفي هذا السياق، يأتي مفهوم الحوكمة الرشيدة ليضبط هذه القضية، ويحدد علاقتها بالسلطة، من خلال سياساتها، وضبط طرق الإدارة في مؤسسات الدولة. بعد أن تميزت المرحلة الانتقالية بغياب الرشد في التعامل مع المكوّنات الطائفية والمذهبية والقومية، حيث أصبحت الطائفية تلعب دورًا جوهريًا في سياسات السلطة على كل الأصعدة، وكان هذا واضحًا في حالة المجتمعات العَلوية والدرزية والمسيحية بشكل خاص.
ولا شك أنّ أسباب الحروب الأهلية تعود إلى الظروف الهيكلية التي تركز بوضوح على عوامل المظلومية والجشع في آن واحد، وفي طبيعة الحال فإنّ عامل التظلم يركز على سياسات الحكومة والاستراتيجيات التي يقوم عليها النظام الحاكم، الذي يعد أمرًا مهمًا للغاية في تحديد نوع ومدى شدة التوتر او الصراع الذي يترافق مع تصاعد دوافع الحرب الاهلية.
وهكذا، فإنّ السكوت عن الجرائم الطائفية، لا يحمي السلم الأهلي، بل يهدده. كما أنّ استخدام هذه الجرائم للتحريض على جماعة بكاملها لا يحمي الضحايا بل يفتح الباب أمام ضحايا جدد.
إنّ ما تحتاجه سوريا اليوم هو دولة تقول بوضوح: الحماية للجميع، والقانون على الجميع، والعدالة للجميع. فهل تستطيع السلطة المؤقتة أن تمنع عودة الجرائم الطائفية إلى الشارع، قبل أن تتحول من حوادث متفرقة إلى واقع اجتماعي وسياسي يصعب الخروج منه؟
المصدر: تلفزيون سوريا






