حين تحكي الشاشة ما تعجز عنه الجيوش.. الدراما وصناعة النفوذ

     محمد برو

 تردد في العقدين الأخيرين تعبير القوة الناعمة ومدى تأثيرها في المجال العام، ولعل أكثر ما جرى الحديث عنه في إعلامنا العربي جرى حول صعود القوة الناعمة التركية ومدى تأثيرها في المزاج العربي والإسلامي على وجه التحديد، علاوة على دورها الكبير في تحشيد الشارع التركي وإيقاظ الروح المتوثبة فيه، حيث لعبت الدراما التلفزيونية وثقافة الشاشة عموماً، كما لعبت منصات البث الفضائي ومواقع التواصل، دوراً مهماً في تشكيل الرأي العام والتأثير عليه، والتسويق عبرها لمؤسسات الدولة الراعية والمنتجة. فالقوة الناعمة هي القدرة على الحصول على ما تريد بالجاذبية، لا بالإكراه ولا بالمال. ولقد شهدنا كمتابعين كيف صدّر النموذج التركي المسلسلات التاريخية منذ عام 2000، تلك الأعمال التاريخية التي تتناغم مع رؤية وسردية السياسة الخارجية وما يسميه بعضهم بالعثمانية الجديدة.

في عام 1990، قدّم جوزيف ناي (1937–2025) كتابه “Bound to Lead”، الذي مهّد به لمفهوم القوة الناعمة، ثم ما لبث أن بلور هذا المفهوم في كتابه التالي “Soft Power” عام 2004، حيث يُعدّ جوزيف ناي واحداً من أبرز علماء العلاقات الدولية والنظرية السياسية في الولايات المتحدة الأميركية، ويمكن اعتباره أحد أهم الرواد في إعادة تشكيل مفاهيم النفوذ والقوة في السياسة الدولية نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين.

يعتقد جوزيف ناي أن القوة الناعمة هي القادرة على تشكيل وصياغة تفضيلات العامة أو الجماهير المتلقية بالجاذبية التي تخلقها تلك القوة الناعمة، دون اللجوء إلى القوة الصلبة التي تعتمد الإكراه عبر المال أو العقوبات أو القوة العسكرية. وقد وُجّهت لهذه النظرية كثير من الانتقادات الجديرة بالنظر، فحسب خصوم هذه الرؤية، فإن تدخل الحكومة ورعايتها يدمران مصداقية العمل.

كما يرى أنصار مدرسة فرانكفورت أن الجاذبية الثقافية تنتج وقائع أو مخرجات سياسية هو “زعم رخو” يحتاج إلى براهين، فكيف يمكننا أن نتخيل أن مسلسل «فريندز» مثلاً يعني تأييداً للعقوبات الأمريكية على بلد ما؟ كما يرى البعض أن التدفقات الثقافية الموجّهة ما هي إلا أدوات للسيطرة لا للجذب الحر، كما أنها تشكّل نمطاً من الإكراه، حيث تشكّل، عن رصد وقصدية منهجية، ما يحسبه الآخرون مرغوباً وطبيعياً.

إن الدراما وعموم الإنتاج والنشاط الفني، وحتى الأدبي والأكاديمي، كانت طيلة العقود الستة الماضية مأسورة بيد أجهزة الأمن السوري ومطوّعة لخدمتها وخدمة وتمجيد النظام الفردي الحاكم..

في التجربة الأمريكية، كان لمؤسسات الدراما وصناعة السينما عظيم الدور فيما سلف الحديث عنه، ففي بدايات الحرب العالمية الأولى، ومع دخول أمريكا تلك الحرب عام 1917، كلّف الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون الإعلامي والصحافي المتميز «جورج إدوارد كريل» (1876–1953) برئاسة «لجنة المعلومات العامة»، والتي سُمّيت يومها بلجنة كريل. كان الهدف من تأسيسها تغيير موقف الشارع الأمريكي من موقف رافض للحرب وحريص على موقف الحياد إلى التأييد، بل وزرع روح الحماس لدى الشباب الأمريكي للتطوع فيها، وتم عبر هذه اللجنة اعتماد مبدأ «التعبير وليس القمع»، وكان من إبداعاتها يومئذٍ شيء يشبه إلى حد كبير ما تفعله المقاطع الصغيرة جداً من ريلز الفيسبوك واليوتيوب وغيرها. لقد ابتكروا ما بات يُسمّى «برجال الدقائق الأربع»، الذين يبثون في كلمات قليلة ودقائق خاطفة روح الحماسة لتأييد الحرب وإلهاب المشاعر الوطنية ضد العدو المحتمل، وتذكر المصادر كيف ساهم فيلم “Top Gun” (1986) في تعزيز اندفاع الشباب للتطوع في صفوف البحرية الأمريكية، واليوم تتولى منصات عالمية للبث، في طليعتها نتفليكس وأمازون وآبل، مهمة الترويج لسياسات بعينها، ويمكن للمتتبع مشاهدة كيف تعيد تلك المنصات صياغة الرؤية التاريخية والتوثيقية لتتماشى مع توجه وأهداف السياسات المشرفة على إدارتها، والتي غالباً ما تكون أمريكية وبنكهة صهيونية في الكثير من الأحيان.

في الحالة التركية، كان الأمر مختلفاً نسبياً، فالقرب الجغرافي ووجود العدد الكبير من المفردات المشتركة بين العربية والتركية، والتي اشتُقّ الكثير منها من العربية أصلاً، والحياة المشتركة التي عاشتها تلك المجتمعات فترة صعود الإمبراطورية العثمانية، والتي طبعت تلك المجتمعات المتجاورة والمتشاركة بعادات اجتماعية ودينية، وحتى على مستوى الموسيقى والفن والمطبخ الذي تنوعت توابله بشكل شديد الغنى، كل هذا مهّد الطريق أمام انتشار وصعود الدراما التركية التي كانت تنسج خيوطها ببراعة على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وحتى عبر إعادة تقديم رواية عثمانية جديدة للتاريخ السياسي والاجتماعي الذي طالما عبثت به الأيدي على مر العقود، بل وتوظيفه بما يخدم الرؤية الوطنية التركية. زاد على ما سلف تدني التكلفة المالية لدبلجة أو ترجمة أو إعادة إنتاج الدراما التركية، وتوفر الكم الكبير من شركات الإنتاج والدبلجة العربية التي وجدت ضالتها التركية مادة سهلة الترويج، وقد لاقت لدى المتابع العربي قبولاً واستحساناً ساهمت فيه جملة من العوامل التي سبق ذكرها، ومن أهمها قرب بيئتها من البيئة الاجتماعية العربية.

في العودة إلى المشهد السوري، فإن الدراما وعموم الإنتاج والنشاط الفني، وحتى الأدبي والأكاديمي، كانت طيلة العقود الستة الماضية مأسورة بيد أجهزة الأمن السوري ومطوّعة لخدمتها وخدمة وتمجيد النظام الفردي الحاكم، خلا استثناءات نادرة استطاعت بمراوغة هنا وحيلة هناك التملص من بين أصابع تلك القبضات الأمنية المرعبة، ولم ينجُ أصحابها من مساءلات وملاحقات متكررة.

ليس مطلوباً من جهة رسمية بعينها أي دعم أو تبنٍّ أو رعاية، بل إن هذا قد يسيء إلى العمل ويطعن في نزاهته واستقلاليته أصلاً..

واليوم نحن كسوريين على أعتاب مرحلة جديدة يمارس فيها السوريون قدراً أكبر من محاولة توسيع فضاءات الحرية بشتى تجلياتها، هذا التوجه الذي يحلم به الكثيرون يواجهه في الجهة المقابلة رافضون تقليديون بذرائع متنوعة، ربما يكون بعضها ذرائع دينية متشددة أو سياسية بذريعة الحفاظ على الأمن وهيبة الدولة والاستقرار. كثير من هذه الشعارات طالما نسجتها أقبية فروع الأمن لكمّ الأفواه، وحريّ بالسوريين اليوم أن يتجاوزوها، وأن يخرجوا من الأطر البيروقراطية الأسدية التي ما تزال إلى ساعتنا هذه تحكم الكثير من المساحات التي يتداخل فيها الشأن العام بالشأن الخاص، كما تتداخل مسؤوليات الدولة باختصاصات هي بالأصل من مهام مؤسسات المجتمع المدني.

تمتلك سورية، وعبر تراكم تاريخي، قدرات استثنائية والمقدرات اللازمة لقيام نهضة درامية تكون عاملاً من عوامل النهضة وسمة مميزة لها، وقد قدّم سوريون مبدعون نصوصاً وإنتاجاً وتمثيلاً وحوارات تؤهلهم للعمل في الصفوف الأمامية لهذه المنظومة المؤثرة، بعيداً عن أوحال التفاهة ومفرزاتها الرخيصة التي تسم معظم الأعمال التي تقدمها المنصات والشاشات على امتداد العالم.

ليس مطلوباً من جهة رسمية بعينها أي دعم أو تبنٍّ أو رعاية، بل إن هذا قد يسيء إلى العمل ويطعن في نزاهته واستقلاليته أصلاً، المطلوب عدم وضع العصي في العجلات، والتخلي عن دور الرقيب الأمني، وعدم الضغط على الحريات بأي ذريعة كانت، ولندع الشارع السوري أو المتلقي العربي يُصدر أحكامه بمعزل عن أي تأثير أو ضغط. ربما يكون هذا حلماً صعب التحقق في المرحلة الراهنة، لكن من الحصافة بمكان أن يبقى هذا الحلم مادة لحوارات ومطالب لا تتوقف قبل إنجازه.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى