متى تلتحق سوريا بحلف مكة؟

سمير صالحة

تنظر دمشق، التي تعيد بناء مؤسسات الدولة وقدراتها وعلاقاتها الإقليمية، إلى أي ترتيب دفاعي باعتباره جزءاً من حساباتها الأمنية الجديدة. هي تتابع في الوقت نفسه مسار حلف مكة، الذي يعمل على استكمال بنيته المؤسسية وآليات عمله وخطوات التوسعة.

أعادت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة إلى الرياض سؤال توقيت العضوية السورية إلى الواجهة، خصوصاً أنها جاءت بعد اجتماع طارئ للجنة السياسية في الحلف، عُقد في الرياض وسط الإعلان عن الانتقال إلى مرحلة التنفيذ وبدء اختبار التزامات التكتل الدفاعية.

لم يعد السؤال إذاً عن رغبة دمشق في الانضمام أو عدمها، بقدر ما أصبح متعلقاً بتوقيت العضوية ومتطلباتها. فالحلف يحتاج إلى استكمال مؤسساته وقواعده، وسوريا تعمل على إعادة بناء الدولة والجيش واستعادة القدرة على تحمّل الالتزامات الجماعية. وبين المسارين، يمكن أن تنشأ مرحلة من الشراكة تسبق العضوية وتمهّد لها.

شرعت دول الحلف الثلاث، السعودية وتركيا وباكستان، في العمل على بناء أمانة عامة بعد تعيين من سيتولى المنصب وتشكيل لجان ومجموعات عمل، وتطوير التعاون في مجالات الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا وقابلية التشغيل البيني بين القوات المسلحة. وفي 5 تشرين الأول، انتقل المسار إلى خطوة أكثر عملية، مع بحث سبل دعم الدفاع عن السعودية في مواجهة اعتداءات الحوثيين واتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ الالتزامات المتفق عليها.

لا تبدو سوريا اليوم أمام خيار ثنائي بين البقاء خارج الترتيبات الإقليمية أو الدخول الفوري في منظومة دفاع جماعي.

لكن الانتقال إلى خطوات تنفيذية لا يعني أن مسألة التوسعة أصبحت مطروحة للحسم. فما يسبقها هو تحديد شروط العضوية وإجراءاتها ومعاييرها، وآليات اختيار المرشحين، ووضع خارطة طريق لهذا المسار. فالدول الجديدة لن تنضم إلى اتفاق مكتوب فحسب، بل إلى منظومة تتشكل أهدافها وقواعد عملها وآليات تعهداتها تدريجياً.

كانت دمشق قد أعلنت أنها تدرس الانضمام إلى اتفاق حلف مكة، من دون أن تعلن قراراً نهائياً. وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء الحديث عن بحث دمشق خيارات لتقديم دعم عسكري للسعودية في سياق المواجهة في اليمن.

لا تبدو سوريا اليوم أمام خيار ثنائي بين البقاء خارج الترتيبات الإقليمية أو الدخول الفوري في منظومة دفاع جماعي. فالعلاقات السورية مع دول الحلف تتوسع، ويمكن أن تفتح مجالات للتعاون قبل الوصول إلى العضوية الرسمية. لذلك ينبغي التمييز بين التقارب السياسي والتنسيق والتعاون الدفاعي من جهة، ومتطلبات العضوية الكاملة من جهة أخرى.

فالسؤال الذي ينبغي أن يسبق طلب العضوية هو: ما الذي ستطلبه هذه العضوية من سوريا، وما الذي يستطيع الحلف أن يقدمه لها؟

لا تتعلق أهمية الدور السوري فقط بعدد الجنود والقدرات الحربية. فهي تبدأ من موقع سوريا الجيوستراتيجي عند تقاطع المجال التركي والعراقي والأردني واللبناني وشرق المتوسط، وتلامس ملفات أمنية وتجارية وخطوط عبور وربط إقليمي.

لكن الموقع لا يتحول إلى قيمة استراتيجية بوجود الجغرافيا فقط، بل بقدرة الدولة على توظيفه في تحقيق أهداف سياسية وأمنية واقتصادية. وهنا تصبح عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية وتطوير قدراتها الأمنية والعسكرية مفتاحاً لحسابات دمشق الإقليمية.

فكلما استعادت سوريا قدرتها على ضبط الحدود وإدارة مجالها الجغرافي، أمكن تحويل موقعها من مجرد جغرافيا مهمة إلى جزء من شبكة الأمن والربط الإقليمي.

ولا ينبغي أن تُقرأ أهمية سوريا من زاوية ما تستطيع تقديمه أمنياً فقط. فالمسار الذي يجمع دمشق بأنقرة والرياض يتصل أيضاً بإعادة إدماج سوريا في محيطها بعد سنوات من العزلة والصراع.

ولا تنفصل هذه الحسابات عن تحولات ميزان النفوذ الإقليمي، في ظل انهيار قدرة إيران على إدارة تمددها السابق داخل سوريا، واستمرار الحسابات الأمنية الإسرائيلية. وقد يزيد ذلك من القيمة الاستراتيجية لدور دمشق في ترتيبات الأمن الإقليمي، من دون أن يعني بالضرورة تسريع عضويتها قبل استكمال متطلباتها.

ومن هنا يمكن أن تكون العضوية، في توقيتها المناسب، وسيلة لتوسيع هامش الحركة السورية وإعادة بناء القوة، لا مجرد مظلة أمنية.

فالتعاون مع دول الحلف سيمنح دمشق فرصاً لتطوير إمكاناتها الدفاعية، والاستفادة من مجالات التدريب والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية، بما يدعم عملية إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية ويعزز قدرتها على الاضطلاع بدورها الوطني والإقليمي.

لكن أهمية الانضمام لا تتوقف عند ما يمكن أن تحصل عليه سوريا. فوجودها داخل ترتيب دفاعي يجمع تركيا والسعودية وباكستان سيضع قدراتها الجغرافية والأمنية ضمن شبكة أوسع من المصالح والالتزامات، ويمنح علاقاتها مع هذه الدول إطاراً مؤسسياً ذا طابع استراتيجي أوسع.

يحتاج الحلف إلى استكمال بنيته المؤسسية، في حين تحتاج سوريا إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة قدراتها الوطنية.

السؤال الأصعب يتراوح بين ما الذي سيحصل عليه السوريون من الحلف، وما الذي ستتطلبه العضوية.

فعضوية منظومة دفاع جماعي لا تعني مجرد حضور سياسي في اجتماعاتها، بل تعني أن تعرّض أحد الأعضاء للخطر يمكن أن يدخل في حسابات بقية الدول الأعضاء، وأن تكون لديها القدرات اللازمة للمساهمة في الاستجابة وتحمّل الالتزامات المترتبة عليها. ومن هنا، فإن الحسابات السورية لا تتعلق بالرغبة في الانضمام وحدها، بل بالقدرة على التعامل مع متطلبات العضوية.

وهنا تظهر الفجوة الزمنية بين رغبة سوريا في توسيع شراكاتها الأمنية وبين قدرتها على تحمّل التزامات العضوية الكاملة. ولا تعني هذه الفجوة بالضرورة تعطيل المسار، بل قد تتيح مرحلة من التعاون تسبق العضوية، تُعدّ خلالها الأطراف خطط التنسيق والعمل المشترك.

أمام دمشق ثلاثة مسارات محتملة:

الأول هو العضوية المبكرة، التي قد تمنح سوريا مكاسب سياسية وأمنية وتضعها داخل منظومة إقليمية ناشئة، لكنها تطرح سؤالين متلازمين: هل يستطيع الحلف استيعاب عضو جديد قبل اكتمال قواعده وآليات عمله، وهل تستطيع سوريا الوفاء بالتزامات العضوية قبل استكمال إعادة بناء مؤسساتها وقدراتها الدفاعية؟

والثاني هو الشراكة قبل العضوية، بما يتيح توسيع التعاون بين دمشق والدول المؤسسة في مجالات الأمن والدفاع والتدريب والتكنولوجيا، وفق ما تتوافق عليه الأطراف وما تسمح به قدراتها واحتياجاتها المتبادلة.

أما المسار الثالث، فهو توازي عمليتين: استكمال الحلف بناءه المؤسسي وتحديد شروط العضوية وإجراءاتها، في حين تواصل دمشق بناء مؤسساتها. وعندها لا يعود السؤال عن موعد العضوية مجرد قرار سياسي، بل يصبح نتيجة لتقاطع جاهزية سوريا مع جاهزية الحلف. وهنا تتحدد الإجابة عن سؤال: متى تلتحق سوريا بحلف مكة؟

يحتاج الحلف إلى استكمال بنيته المؤسسية، في حين تحتاج سوريا إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة قدراتها الوطنية. وبين المسارين، يمكن أن تشكّل الشراكة الاستراتيجية مرحلةً تمهّد لتحويل التقارب السياسي إلى التزام دفاعي مؤسسي.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى