
تكشف الحرب التي بدأت في فبراير/ شباط 2026 عن جانب من القوة لا يحظى دائماً بالاهتمام الذي تحظى به القدرات العسكرية التقليدية: القدرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى نفوذ استراتيجي، فالقوة هي أيضا القدرة على التأثير في حركة الطاقة والتجارة عبر ممرات حيوية. ويقدم مضيق هرمز المثال الأوضح على ذلك. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إليه، على سبيل الاستعارة التحليلية، بوصفه “السلاح النووي الجيوسياسي” لإيران. والمقصود هنا ليس تشابه الآثار، بل تشابه المنطق: فكما يقوم الردع النووي على دفع الخصم إلى حساب كلفة تجاوز خط معين قبل الإقدام عليه، يفرض تعطيل المضيق كلفة قد تتجاوز بكثير كلفة العمليات العسكرية المباشرة بين أطراف الحرب. وللاستعارة حدود لا تقل دلالةً عن أوجه التشابه، كما سيتبين.
كان يعبر المضيق في 2025 بالمتوسط نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي ما يعادل، بحسب وكالة الطاقة الدولية، نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، إضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، فيما تقدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية حصته بنحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط. ولهذا يعد هرمز من أهم نقاط الاختناق في نظام الطاقة العالمي: فحين تتوقف الناقلات أو تتردّد في العبور، تمتد الصدمة من أسواق الخام إلى الديزل ووقود الطائرات، ثم إلى النقل والصناعة والزراعة، وصولا إلى كلفة المعيشة في اقتصادات تبعد آلاف الكيلومترات عن ساحة الصراع.
لم تكن القيمة الاستراتيجية للمضيق خافية على إيران قبل اندلاع الحرب بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل؛ فهو جزء من جغرافيتها الأمنية، وممرٌّ رئيسيٌّ لصادراتها كما لصادرات جيرانها. غير أن الحرب نقلت هذه المعرفة من مستوى الافتراض الاستراتيجي إلى مستوى التجربة القابلة للقياس. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، تراجع متوسّط التدفقات عبر المضيق بين مارس/آذار ومايو/أيار إلى نحو 2.7 مليون برميل يوميا، مقابل نحو 20 مليونا قبل الحرب، أي أن نحو 86.5% من التدفقات المعتادة توقفت. ووصفت الوكالة هذا بأنه أكبر انقطاع للإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمي. والفارق بين أن تدرك دولة أهمية ممر ما وأن ترى اقتصادات كبرى تسحب من احتياطياتها الاستراتيجية وتعيد رسم طرق إمدادها بسبب اضطرابه، هو الفارق بين ورقتي ضغط نظرية ومجرّبة.
قبل الحرب، كان التلويح بإغلاق المضيق أداة ردع: تهديداً يهدف إلى منع الخصم من الإقدام على فعل لم يقم به بعد، وهو تهديد لم يحل دون اندلاع الحرب
وتمكن قراءة هذا في ضوء ما سماه توماس شيلينغ “التهديد الذي يترك شيئا للمصادفة”. فالقوة لا تكمن فقط في قدرة إيران على تعطيل المضيق، بل في احتمال أن يؤدّي تعطيله كليا، أو محاولة إعادة فتحه بالقوة، إلى مسار تصعيد لا يملك أي طرف، بما في ذلك إيران نفسها، السيطرة الكاملة على مآلاته. وبذلك يصبح عدم اليقين نفسه جزءاً من أداة الضغط: فكل طرفٍ مضطرٌّ إلى أن يحسب لا ما يريده خصمه فحسب، بل ما قد يحدُث أيضاً إذا رد على خطوته. غير أن هذه الورقة لا تعمل في اتجاه واحد، فتعطيل المضيق لا يضر بالاقتصادات الغربية والآسيوية وحدها، بل بإيران نفسها التي تعتمد عليه كثيراً وقد تجلى هذا الارتداد في الأشهر الأخيرة، إذ باتت إيران أيضاً تواجه إشكالية تصدير نفطها عبر المضيق، بفعل الحصار البحري الأميركي.
في المقابل، أظهرت تجربة 2026 أن العالم لا يملك بديلا سهلا عن هرمز. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، لا تتجاوز طاقة الالتفاف على المضيق ما بين 3.5 و5.5 مليون برميل يوميا عبر خطوط أنابيب سعودية وإماراتية، وهي نفسها لم تعد بمنأى عن الاستهداف، بعد أن تعرض خط الأنابيب السعودي الرئيسي المتجه إلى البحر الأحمر في سبتمبر/أيلول لهجمات بطائرات مسيرة أوقفته أسابيع. وفي هذا السياق، جاء قرار مجموعة السبع في 2 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري بالإفراج، بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية، عن مائة مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية على مدى أربعة أشهر، مع ضخ كميات كبيرة من الديزل في الأيام العشرين الأولى. وقد جاء القرار، بحسب “رويترز”، بعد ضغط من الرئيس الأميركي دونالد ترامب على حلفائه. ولم يقتصر البيان على الشق الاقتصادي، إذ طالب بالاستعادة الفورية والكاملة لحقوق الملاحة في المضيق، ودان الهجمات الإيرانية على دول الجوار، وأشاد بالجهود الأميركية لضمان حرية التجارة عبره.
أما طهران، فتربط إعادة فتح المضيق برفع الحصار البحري وتخفيف العقوبات والإفراج عن أصولها المجمدة، وقد رفض ترامب مقترحاً إيرانياً أخيراً يتضمن هذه الشروط. ويكشف هذا أن هرمز لا يؤدي وظيفة واحدة، وأن من المفيد هنا استحضار التمييز الذي أرساه شيلينغ في كتابه “الأسلحة والنفوذ” بين الردع والإكراه. فقبل الحرب، كان التلويح بإغلاق المضيق أداة ردع: تهديداً يهدف إلى منع الخصم من الإقدام على فعل لم يقم به بعد، وهو تهديد لم يحل دون اندلاع الحرب. أما بعدها، فقد تحوّل التعطيل القائم إلى أداة إكراه تسعى إلى دفع الخصم إلى تغيير سلوك قائم بالفعل، عبر ربط عودة الملاحة بشروط سياسية واقتصادية. ويرى شيلينغ أن الإكراه أصعب عادة من الردع، لأنه يطلب من الخصم أن يتراجع علناً وتحت الضغط، وهو ما قد يفسر جزئيا رفض واشنطن لهذه الشروط.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يكشف حجم الإفراج نفسه حدود الاحتياطيات بوصفها أداة لمواجهة الأزمة، فمائة مليون برميل تعادل نحو خمسة أيام من التدفقات المعتادة عبر “هرمز”، فيما لا تعادل الـ400 مليون برميل التي قررت الدول الأعضاء في الوكالة الإفراج عنها في 11 مارس/ آذار الماضي، وهي أكبر عملية سحب في تاريخها، سوى نحو 20 يوما. صحيح أن هذه الكميات تضخ تدريجيا وتعمل إلى جانب مخزونات أخرى وتغيرات في الإنتاج والاستهلاك، لكن الخلاصة واحدة: الاحتياطيات تشتري الوقت، ولا تخلق مضيقاً بديلاً.
بحسب بيانات شركة كبلر لتتبع الملاحة، عادت التدفقات في الأسبوع الأخير من سبتمبر إلى نحو 13 مليون برميل يوميا، وهو أعلى مستوى لها منذ بدء الحرب
وهذا ما يجسده تمييز روبرت كوهين وجوزيف ناي في علاقات الاعتماد المتبادل بين “الحساسية”، أي سرعة تأثر الاقتصاد بالصدمة الخارجية وشدته، و”قابلية التضرر”، أي الكلفة التي يظل يتحملها حتى بعد أن يعدل سياساته ويبحث عن بدائل، فالسحب من المخزونات الاستراتيجية يمكن أن يخفف حساسية الاقتصادات المستوردة للنفط تجاه الصدمة على المدى القصير، لكنه لا يلغي قابليتها للتضرّر إذا طال الانقطاع ولم تتوافر بدائل كافية. ومن ثم لا تقاس قوة هرمز بحجم الصدمة الأولية فحسب، بل بمدتها وبقدرة الأطراف المتضررة على التكيف معها: فكلما اقترب التعطيل من مستويات ما بين مارس/ آذار ومايو/ أيار 2026 وطال أمده، اتسعت فجوة يتعذر سدها بالسحب من المخزون.
وقد تغيرت الصورة منذ ذلك الحين، فبحسب بيانات شركة كبلر لتتبع الملاحة، عادت التدفقات في الأسبوع الأخير من سبتمبر إلى نحو 13 مليون برميل يوميا، وهو أعلى مستوى لها منذ بدء الحرب، لكنه يبقى دون مستواها السابق، وذلك عبر ناقلات تعبر بمرافقة عسكرية ومن دون بث إشارات التتبع، وإن كانت أدوات رصد أخرى تسجل أرقاما أدنى بكثير. ويبقى هذا التعافي هشا في ظل كلفة تأمين مرتفعة وتزايد الهجمات الإيرانية على الناقلات العابرة، فالمضيق لم يستعد انفتاحه، بل أصبح عبوره ممكنا تحت الحماية العسكرية.
ومن ثم يبرز السؤال الأكثر حساسية: ماذا لو انتقل الأمر من التعطيل إلى الإغلاق المادي؟ الإغلاق بالألغام البحرية يغير طبيعة المشكلة؛ إذ لا يعود الأمر متعلقا بحماية السفن فحسب، بل بكشف الألغام وتطهير الممر وتأمين عمليات الإزالة قبل أن تستأنف الملاحة التجارية. وليس هذا سيناريو افتراضيا بالكامل: فقد طالب بيان مشترك لنحو عشرين دولة طهران في مارس بالكفّ عن زرع الألغام، وتضمن بيان قادة مجموعة السبع في يونيو/ حزيران دعم مبادرة متعدّدة الجنسيات تشمل مهامها التحقق من إزالتها.
الحرب تتزامن مع انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الـ3 من الشهر المقبل (نوفمبر/ تشرين الثاني)، فيما بلغ سعر الديزل مستويات قياسية في الولايات المتحدة
عند هذه العتبة، يتحول “هرمز” من أزمة في سوق الطاقة إلى مسألة عسكرية، ويصبح فتح المضيق نفسه هدفاً عسكرياً. وتمتلك الولايات المتحدة وحلفاؤها الوسائل البحرية والجوية وقدرات نزع الألغام اللازمة لذلك، وقد بدأت بالفعل عمليات مرافقة الناقلات. لكن كل عملية من هذا النوع تنطوي على احتمال احتكاك مباشر، وسقوط ضحايا، وردود متبادلة قد توسع نطاق الحرب. وهنا تحضر استعارة “سلم التصعيد” التي صاغها هيرمان كان، لا بوصفها مساراً حتمياً تنتقل فيه الحرب من درجة إلى أخرى، بل بوصفها مجموعة من عتبات التصعيد المحتملة، قد ينتقل الصراع بينها صعوداً أو هبوطاً، أو يتوقف عند إحداها. فقد تبدأ الأزمة بتوقف ناقلات، ثم تستدعي سحب كمياتٍ من الاحتياطيات، أو مرافقة عسكرية، أو عمليات لنزع الألغام؛ لكن الانتقال من مستوى إلى آخر يظل نتيجة لقرارات الأطراف وتفاعلها، لا مسارا آليا نحو مواجهة أكبر.
ومن هذا المنظور، يفرض السؤال النووي نفسه، لا بوصفه تنبؤاً، إذ لا تتوافر معطيات تسمح بذلك، بل بوصفه سؤالاً عن حدود التصعيد. فإذا تحولت محاولة إعادة فتح المضيق إلى حرب مباشرة ومتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة، ورأت واشنطن في الإغلاق تهديداً لمصالح حيوية ولقواتها في المنطقة وللنظام الاقتصادي العالمي، فأين تقع نقطة التوقف؟ لا يظهر السلاح النووي هنا ردّاً على ارتفاع أسعار النفط، ولا نتيجة حتمية للإغلاق، بل بوصفه الدرجة العليا النظرية في سلم تصعيد تقف في أعلاه قوة نووية في مواجهة دولةٍ لا تملك هذا السلاح، إذا انهارت قدرة الأطراف على ضبط الصراع. غير أن عدم اليقين في هذا السلم لا يقتصر على جانب واحد. فلكل من الطرفين ورقته القصوى: تملك الولايات المتحدة السلاح النووي الفعلي، وتملك إيران أداة إكراه جيوسياسي ذات تأثير استراتيجي كبير، تبلغ ذروتها في الإغلاق الكامل للمضيق، وهي ورقة طالما لوحت طهران باستخدامها إذا تعرضت لهجوم، ولجأت إلى جزء منها بالفعل في هذه الحرب. ولا يعرف أي منهما على وجه اليقين أين تقع العتبة التي قد يلجأ عندها الآخر إلى ورقته الأخيرة: فواشنطن لا تعرف أي ضربة قد تدفع طهران من التعطيل إلى الإغلاق الكامل، وطهران لا تعرف أي خطوة قد تدفع واشنطن إلى تجاوز حدود الحرب التقليدية. وهذا الغموض المتبادل يعمل، بمنطق شيلينغ، رادعا للطرفين ومصدراً لخطر الانزلاق في آن واحد.
وتضيف السياسة الداخلية الأميركية بعدا آخر. فالحرب تتزامن مع انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الـ3 من الشهر المقبل (نوفمبر/ تشرين الثاني)، فيما بلغ سعر الديزل مستويات قياسية في الولايات المتحدة. وبحسب وكالة أسوشييتد برس، جاء تحرّك مجموعة السبع فيما يواجه ترامب والحزب الجمهوري ضغوطاً شديدة لمعالجة ارتفاع أسعار الوقود قبل الاقتراع. وهكذا تتقاطع في هرمز ثلاثة مستويات: الحرب الإقليمية، والاقتصاد العالمي، والسياسة الداخلية الأميركية.
أخطر الأسلحة ليست دائما تلك التي تنفجر، بل التي تجبر الخصم على إعادة تعريف حدود ما يستطيع تحمله، وما لا يستطيع السماح بحدوثه
أما المستوى الرابع، وربما الأهم، فهو منطق الردع والإكراه المتبادل، فإذا كانت إيران قد اختبرت في هذه الحرب قدرة المضيق على منحها نفوذاً يفوق حجمه الجغرافي، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها خلصوا، في المقابل، إلى أن بقاء المضيق ورقة ضغط دائمة يجعل جزءاً من الاقتصاد العالمي عرضة لقرار عسكري يتخذه طرفٌ واحد. وبذلك يغدو “هرمز” معضلة متبادلة: ورقة قوة لإيران قد ترتد عليها، وضرورة اقتصادية واستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها قد يؤدّي فرضها بالقوة إلى توسيع الحرب.
وهنا تبلغ الاستعارة حدودها، فالسلاح النووي يهدّد بدمار مادي مباشر وفوري، بينما يولد تعطيل هرمز كلفة تتراكم مع الزمن، ولا يمكن للجغرافيا أن تحل محل الردع النووي. غير أن القيد الذي حال دون استخدام هذا السلاح، أي ما سمّته نينا تانينوالد “المحرم النووي” الذي ترسخ منذ 1945، لم يعد بمنأى عن التآكل، بعد أن كسرت حرب الإبادة على غزّة وحرب الروسية الأوكرانيا المنظومة الأخلاقية والمعيارية التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال التدمير والقتل والتهديد باستخدام السلاح النووي. ثم برزت من جديد لغة الإبادة حين هدّد الرئيس الأميركي، ترامب، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بتدمير إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق معها. وإذا انكسر المحرّم النووي في أي من هذه الساحات، فستمتد ارتداداته إلى اسيا وأوروبا. وهو ما يجعل سؤال حدود التصعيد في هرمز أكثر خطورة مما يبدو.
لذلك قد لا يتحدّد مسار حرب 2026 بما يجري في سماء إيران فحسب، بل في هذا الممر البحري الضيق أيضاً، فالسؤال لم يعد ما إذا كانت إيران قادرة على تعطيل الملاحة، فقد أثبتت الحرب هذا، بل ما إذا كانت الولايات المتحدة، إن واجهت إغلاقا ماديا، ستختار امتصاص الكلفة الاقتصادية أم إعادة فتح المضيق بالقوة، وما إذا كانت، في الحالة الثانية، قادرة على التحكم في التصعيد. ففي الحروب الكبرى، لا تأتي أخطر اللحظات دائما في بدايتها، بل حين يعتقد كل طرفٍ أن خطوته التالية ضرورية، فيما تكون تلك الخطوة نفسها هي ما يجعل الحرب عصيةً على الضبط. وربما يكون هذا هو الدرس الأعمق لهرمز: أن أخطر الأسلحة ليست دائما تلك التي تنفجر، بل التي تجبر الخصم على إعادة تعريف حدود ما يستطيع تحمله، وما لا يستطيع السماح بحدوثه.
المصدر: العربي الجديد






