
أنجزت سورية مُهمّتها الصعبة، لكن ما تبقّى هو الأصعب. صحيح أنّ إنجاز مُهمّة إسقاط النظام كانت شبه مستحيلة، بسبب ترتيباته الأمنية شديدة الإمساك بمفاصل الدولة، وبأجهزتها كافة، لكن نقطة ضعف النظام تجلّت في أنّ سلطته فقدت القدرة على التقدّم العام بالبلاد خطوة واحدة، بالإضافة إلى توغّل أجهزة الأمن في قمع الشعب، واشتداد قبضة الأمن، وبيروقراطية الدوائر الحكومية، وتفاقم الفساد، وتغلغله في عموم مفاصل الدولة، في وقتٍ تجاهل النظام أيَّ مطلب يخصُّ الإصلاح، الأمر الذي ساهم في تنامي العمل الثوري مع إدراك طلائع الثوريين أنّهم أمام نظام تخلَّف عن زمنه، ولا جدوى من إصلاحه، بل لا بُدّ من إسقاطه.
وفي تحقيق مثل ذلك الهدف، كان شرف كبير لكلّ من ساهم به، وإن بكلمة، أو بموقف ما، أو بعمل، مهما كان صغيراً. الكل مشكور على ما قدّمه لسورية وللسوريين. لكنّ الحِمل اليوم يبدو أثقل ممّا كان تصوُّرُه، فسورية الآن أمام امتحان عسير، فإمّا أن تُبنى سورية الجديدة بعزيمة أبنائها أو أن تُفتح نافذة على شياطين الأرض كلّها.
وها هي ذي الدولة اليوم تسعى إلى هذا، فثمّة تقدّم في العمل السياسي، لكن عملية بناء الدولة لم تبدأ بعد. وممّا يُشير إلى ذلك أنّ الحكم الجديد استطاع أن يحقّق انفتاحاً سياسيّاً عربيّاً ودوليّاً، من شأنه، إن استمر وتعمّق، أن يكسر أقفال العزلة، وأن يرسم أفقاً أوسع له، بما يخدم الدولة والشعب معاً. تؤكّد ذلك حركة الرئيس أحمد الشرع، ونشاطه خلال حضوره جلسات الدورة العامة لهيئة الأمم المتحدة، إذ أكّد في خطابه أنَّ الثوابت الوطنية السورية تزداد رسوخاً “بقوة القانون، وإرادة الشعب”، كما أكَّد أنّ ضمَّ الجولان باطل، وأنّه “سيبقى أرضاً سورية، وكلُّ إجراءات الضم باطلة، وملغاة بقوة قرار مجلس الأمن 497″… ورفض التعديات الإسرائيلية المُتكرّرة على سورية، و”محاولاتها الدائمة لفرض الأمر الواقع” وأنّ عدوانها المُمتدّ في الإقليم “يعدُّ إخلالاً بالأمن والاستقرار… “.
لا تزال سورية تواجه أخطاراً ذات طابع أمني تُهدّد بنية الدولة
وكان قبل ذلك أن عمل على تقوية البناء الداخلي بدمج القوى الكردية في مؤسّسات الدولة، ما يمنح سورية قوّة واستقراراً وتأييداً دولياً مطلوباً دائماً، ويساعد ذلك كله في التوجّه إلى مهام أصعب. فما زال في ذمّة المرحلة الانتقالية الكثير، ومن أهمّه متابعة ترتيب الوضع الداخلي، وتمتينه أكثر فأكثر، وذلك بالإفصاح عن طبيعة النظام السياسي، إذ يُؤمل منه أن يفسح في المجال للمشاركة السياسية الفعلية لمكوّنات الشعب السوري كافة، ولإجراء عمليات دمج التنوّع السوري في آليات عمل الدولة. وبذلك يُغلق ثغرة في بنية نظام الحكم، ويفتح أفقاً أمام تراصِّ السوريين بما يجعلهم يُقبلون على الانخراط في المهمّة الكُبرى التي هي إعادة بناء الدولة المأمولة، وبحيث تجيء على أسس أكثر حيوية، وذلك بانفتاح الدولة على مكوّنات الشعب السوري كافة.
وإذا كان كلّ شيء في بناء الدول يبدأ من الاقتصاد، فالأَولى بدولة خارجة من حرب أتت على الحجر والبشر، أن تبدأ بإعادة ترتيبها، ولعلَّ البدء يكون بجانب الاقتصاد المُنتج في ميادينه كافة. ولعلَّ العمل المُجدي هو الذي يبدأ بما هو موجود في اليد. وتأتي أهمية تنمية الاقتصاد من قدرته على تحويل سورية إلى ورش عمل مُتعدّدة الأغراض، تحدّ من البطالة، وتجعل الناس ينشغلون بقضاياهم الأساسية، ويشكّل ذلك رافعة لمستوى عيش السوريين. كما أنّ الانفتاح على دول العالم واستغلال رفع العقوبات عن سورية، يمكِّن من تلبية حاجات الناس المُلِحَّة. وفي هذا المجال، يمكن التنبيه إلى أنّه لا يكفي وجود الاستثمار ما لم ينعكس مردوده على حياة السوريين. فما حدث من احتجاجات في الأيّام القليلة الماضية، كان مردُّه إلى الضيق الذي يعاني منه السوريون. أمّا الشيء الإيجابي للدولة فقد برز من خلال تعاملها مع المُحتجين، ما أشعر المواطن بأنَّ الحكم مُدرك للحال التي وصل إليها الشعب. وذلك ما قاله تعامل الحكومة مع الاحتجاجات أيضاً، إذ كانت غايتها التعبير عن تردي الوضع المعيشي. وبالمناسبة يشير تقدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن “نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر…”.
لا شك في أنّ سورية لا تزال تواجه أخطاراً ذات طابع أمني تُهدّد بنية الدولة، ومن ذلك خصوم الداخل الذين يعتقدون بأنّ الدولة اختُطفت من بين أيديهم. ومن بين هؤلاء أيضاً خلايا نائمة لتنظيم داعش، سواء في الداخل السوري، أم في بلدان الجوار. ويجري هذا كله في وقت لا يكفّ فيه حُكّام إسرائيل عن إيجاد توتّر في المنطقة، وذلك من خلال عدوان يتكرّر، ويترافق مع تصريحات استفزازية. ذلك كله بالإضافة إلى بعض الحوادث الأمنية التي تُثير القلق، إذ تتعلّق بحوادث انفجارات، تكرّر حدوثها، في مستودعات للأسلحة والذخائر.
سورية الآن أمام امتحان عسير، إما أن تُبنى بعزيمة أبنائها، وإما أن تُفتح نافذة على شياطين الأرض كلها
ممّا تقدّم، يبقى السؤال الأهم، الذي على جوابه يتعلّق الكثير (إن لم أقل: إنَّ مستقبل سورية منوط بطبيعة الجواب عليه): هل تستطيع الحكومة السورية أن تبني دولة تُشعر المواطنين بأنّها الدولة التي حلموا بها، وبأنّ الثقة بين الدولة والمواطن قد استُعِيدَت؟!
ويبقى على الدولة أن تُدرك أنّه كلّما توطّدت علاقتها بالشعب، أثمرت تلك العلاقة رسوخاً في المجتمع السوري، كما في العلاقات الدولية التي تؤدي بالضرورة إلى فُرص للمساهمة في إنهاض سورية اقتصادياً، وبذلك تغدو بداية مرجوة لبناء جديد، يكون مصدر اعتزاز للشعب وللحكومة في آن، ومنه تستمدّ الدولة قوّتها. وكلُّ ذلك يتوقّف على شكل البناء السياسي الداخلي الذي تنهض به الدولة الجديدة في سورية. وكلّما كان البناء تَشاركياً وقائماً على مؤسسات لا أفراد، ازدادت البلاد قوّة ومنعة، واكتسبت في الوقت نفسه مصداقية التعامل معها. وذلك ما تتطلّبه مهمّة إعادة الإعمار التي لن تُنجز إلا بجهود ومساهمات عربية ودولية.
هاجس السوريين اليوم يكمن في الردّ على سؤال: كيف يُعيدون بناء سورية جديدة، وحديثة، ومُعاصرة؟ والرد البديهي يقول: من خلال مؤسسات تستند إلى قواعد وأصول دولية، وتعتمد رؤية وطنية قابلة للتنفيذ، إذ تحدّد بدقة كيف تُستخدم الأموال وأين، في حال مجيئها، أو توفّرها، وبالقوانين التي تفصل في شؤون العمل… وإن ذلك كلّه يحصل إذا كانت الإدارة راغبة في أن يكون البناء على أصوله. وسيكون ذلك بمشاركة السوريين كافة، وبما يُثبت أنّ النظام السابق كان يقف حجر عثرة أمام تنمية البلاد وازدهارها.
المصدر: العربي الجديد






