
تثير عودة جماعة الإخوان المسلمين في سوريا إلى الحقل السياسي، في ظل التحولات التي تشهدها البلاد، مسألة تتجاوز حضور الجماعة بوصفها تنظيماً سياسياً؛ فهي تتصل بالعلاقة بين المرجعية الإسلامية ومفهوم الدولة الحديثة، وهل بإمكان انتقال حركة سياسية ذات خلفية دينية اسلامية إلى ممارسة سياسية تقوم على المواطنة والتعددية وسيادة القانون.
يكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في ضوء بيان مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا الصادر في 27 أيلول/سبتمبر 2026، حيث أكدت الجماعة في بيانها أنها “جماعة وطنية مستقلة القرار”، وتمسكت بما وصفته بـ”النهج الإسلامي الوسطي”، وفي الوقت نفسه شددت على كرامة الإنسان السوري وحقوقه، والوحدة الوطنية، ونبذ الطائفية والفئوية، والسلم الأهلي والعيش المشترك، كما دعا البيان إلى ضمان المواطنة المتساوية، وإرساء التعددية السياسية المنظمة، وإعداد دستور دائم، وإطلاق مسار جاد للعدالة الانتقالية، ومشاركة جميع مكونات المجتمع في الحياة السياسية وبناء مؤسسات الدولة في إطار نظام تعددي قائم على سيادة القانون والحريات السياسية وتنظيم العمل الحزبي.
واللافت هنا هو اجتماع مفردات ذات مرجعية إسلامية مع مفاهيم تنتمي إلى لغة الدولة الدستورية الحديثة في بيان الجماعة، ولا يكفي هذا الجمع وحده لإثبات تحول فكري مكتمل، لكنه يتيح قراءة علاقة الإسلام السياسي بالدولة من خلال مفاهيم سياسية ودستورية محددة.
تكتسب المواطنة أهمية خاصة في الحالة السورية، لأنها تضع العلاقة بين الفرد والدولة على أساس قانوني مشترك، من دون أن تتطلب التخلي عن الهويات الدينية أو الثقافية أو القومية.
بيان الإخوان: بين الهوية والمجال السياسي
يحمل البيان مستويين متلازمين: الأول يتعلق بهوية الجماعة، إذ تؤكد استمرارها كجماعة ذات مرجعية إسلامية وتصف نهجها بالإسلامي الوسطي؛ والثاني يتصل بتصورها للمجال الوطني والسياسي، حيث تستخدم مفاهيم المواطنة المتساوية، والتعددية، والحريات السياسية، وسيادة القانون، ومشاركة مختلف مكونات المجتمع.
ولا يلزم أن يكون هناك تناقض بين المستويين، فالحركات السياسية ذات المرجعيات الدينية تستطيع من حيث المبدأ أن تجمع بين هوية فكرية محددة والعمل داخل نظام سياسي تعددي.
لكن الدلالة السياسية لهذا الجمع لا تتحدد بالخطاب وحده، وإنما بمدى تحوله إلى قواعد تحكم الممارسة، فالمواطنة المتساوية مثلاً، تفترض تساوي الحقوق السياسية والقانونية، وعدم جعل الانتماء الديني أو الطائفي أو القومي أساساً للتمييز في الحقوق والواجبات، ومن هنا، فإن أهمية البيان تكمن في المفاهيم التي يطرحها، في حين يبقى اختبار مضمونها مرتبطاً بالتصورات الدستورية والقوانين والممارسة السياسية.
المواطنة: أساس العلاقة بين الدولة والمواطن
تكتسب المواطنة أهمية خاصة في الحالة السورية، لأنها تضع العلاقة بين الفرد والدولة على أساس قانوني مشترك، من دون أن تتطلب التخلي عن الهويات الدينية أو الثقافية أو القومية.
وفي مجتمع متنوع مثل المجتمع السوري، يصبح جوهر المواطنة في ضمان الحقوق السياسية والمدنية لجميع المواطنين السوريين، بحيث لا يتحول الانتماء الديني أو الطائفي أو القومي إلى معيار للتمييز في المشاركة السياسية أو الحقوق القانونية.
ومن هذه الزاوية، فإن تأكيد بيان جماعة الاخوان المسلمين على “المواطنة المتساوية لجميع أبناء سوريا ومكوناتها” يكتسب دلالة سياسية تتجاوز العبارة نفسها إذا ما تُرجم إلى قواعد دستورية وقانونية ومؤسساتية، فالمعيار في النهاية ليس مجرد إعلان المساواة، وإنما كيفية تنظيمها في مؤسسات الدولة وممارساتها.
التعددية: إدارة الاختلاف السياسي
ينطبق الأمر نفسه على التعددية السياسية، فهي لا تعني مجرد وجود أحزاب متعددة، بل الاعتراف بحق القوى السياسية المختلفة في التنظيم والمشاركة والمنافسة ضمن قواعد مشتركة، بما في ذلك القوى التي تختلف في مرجعياتها الفكرية والدينية، ولهذا تصبح التعددية اختباراً للممارسة أكثر منها شعاراً سياسياً، فمعناها يظهر في قبول المنافسة السياسية، واحترام حق الخصوم في المشاركة، والاحتكام إلى المؤسسات والقواعد التي تحد من سلطة أي طرف، بما في ذلك الطرف الذي يمتلك الأغلبية.
وهذه القاعدة لا تخص جماعة الإخوان وحدهم؛ فهي تنطبق على مختلف القوى السياسية أياً كانت مرجعياتها، فالتعددية لا تكتمل بمجرد قبول كل طرف بحقه في المشاركة، وإنما بقيام قواعد تضمن للجميع حق التنظيم والمنافسة والتعبير.
الهوية الإسلامية للجماعة تبقى جزءاً من تعريفها لنفسها، لكن المشاركة في المجال العام تضعها أمام قواعد تتجاوز الجماعة نفسها، وتتصل بطبيعة النظام السياسي وحقوق المواطنين وعلاقة السلطة بالمؤسسات.
سيادة القانون: من الجماعة إلى المؤسسة
يحمل تأكيد بيان الجماعة على سيادة القانون دلالة تتجاوز المجال السياسي المباشر، لأنه ينقل مركز الثقل من التنظيمات والقوى السياسية إلى مؤسسات الدولة.
فالدولة القائمة على سيادة القانون لا تتحدد قواعدها وفق قوة الجماعة السياسية أو نفوذها الاجتماعي، وإنما وفق قواعد دستورية وقانونية ملزمة للجميع، ويتطلب ذلك مؤسسات قادرة على تطبيق القانون بصورة متساوية، ودستوراً يحدد صلاحيات السلطات وعلاقاتها، وآليات واضحة للمحاسبة وتداول السلطة.
وفي الحالة السورية، تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بسبب الحاجة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد سنوات من الحرب والانقسام، ومن ثم فإن سيادة القانون لا تتعلق بالبنية الدستورية وحدها، بل ترتبط أيضاً بإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
من سؤال الهوية إلى سؤال الدولة
لا يمكن لبيان سياسي واحد أن يحسم طبيعة التحول الفكري أو السياسي داخل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، لكن يمكن قراءته بوصفه مؤشراً على خطاب سياسي يجمع بين التأكيد على الهوية الإسلامية واستخدام مفاهيم مرتبطة بالدولة الدستورية الحديثة.
وسيكون الاختبار الفعلي لهذا الخطاب في تفاصيل الممارسة السياسية، وفي التصورات المتعلقة بالدستور، والمواطنة، والانتخابات، وتنظيم الأحزاب، والحريات، واستقلال القضاء، وحقوق النساء، وعلاقة الدين بالمجال العام، وآليات تداول السلطة.
ولا ينبغي النظر إلى هذه المعايير باعتبارها اختباراً للإخوان وحدهم، بل باعتبارها معايير تتصل بطبيعة الدولة السورية وبجميع القوى التي ستشارك في صياغة مستقبلها.
في ضوء ذلك، تبرز أهمية بيان جماعة الإخوان المسلمين في أنه لا يقتصر على تأكيد هوية الجماعة الاسلامية، وإنما يطرح في الوقت نفسه، تصوراً للمجال السياسي والدولة، الذي يقوم على المواطنة المتساوية، والتعددية، وسيادة القانون، والحريات السياسية، والعدالة الانتقالية، ومشاركة مختلف مكونات المجتمع في بناء المؤسسات.
وهنا ينتقل النقاش من سؤال “من نحن؟” إلى سؤال ” كيف تُدار الدولة؟”، فالهوية الإسلامية للجماعة تبقى جزءاً من تعريفها لنفسها، لكن المشاركة في المجال العام تضعها أمام قواعد تتجاوز الجماعة نفسها، وتتصل بطبيعة النظام السياسي وحقوق المواطنين وعلاقة السلطة بالمؤسسات.
ومن هذه الزاوية، لا يصبح التعايش نتيجة للتخلي عن الاختلافات الفكرية، بل نتيجة لوضعها داخل إطار سياسي وقانوني قادر على إدارتها، فالدولة لا تحتاج إلى توحيد المجتمع حول مرجعية فكرية واحدة بقدر حاجتها إلى قواعد مشتركة تحمي الحقوق، وتنظم المنافسة، وتضبط ممارسة السلطة.
وهذا هو موضع الالتقاء الممكن بين المرجعية الإسلامية ومفهوم الدولة الحديثة: ليس في إلغاء الفوارق بينهما، وإنما في إخضاع المشاركة السياسية لقواعد المواطنة والتعددية وسيادة القانون.
وبذلك يصبح الانتقال من سؤال الهوية إلى سؤال الدولة أكثر من تغيير في زاوية النظر، إنه انتقال من البحث في هوية الفاعل السياسي إلى البحث في القواعد التي تحكم علاقته بالدولة والمجتمع، وفي الحالة السورية، يرتبط نجاح هذا الانتقال بقدرة مختلف القوى السياسية، لا الإخوان وحدهم، على قبول دولة تكون فيها الحقوق السياسية والقانونية للمواطنين مستقلة عن اختلافاتهم الفكرية والدينية، وتكون فيها المؤسسات والقانون إطاراً مشتركاً لإدارة التعدد والتنوع السوري.
المصدر: تلفزيون سوريا






