الذكاء التوليدي الذاتي: وهم الخضوع للسيطرة والعقل الجيلي المتغير

نبيل عبد الفتاح

يبدو أن عالمنا خرج من عالم المابعديات، وما بعد الحداثة وما بعدها الى عالم الثورة الرقمية، والأناسة الروبوتية، إلى مشارف مرحلة نهايات مركزية الإنسان في الوجود، والحياة، وهو ما يبدو في خطابات كبار علماء الذكاء التوليدى، والنخبة الكونية المحدودة من الرأسماليين الرقميين النيوليبراليين، حول مسألة إمكانية السيطرة على الذكاء التوليدى الذاتي أم لا؟ وعلى مستوى قادة القمة في النظام الدولى المتغير، ورفض ترامب وضع قيود وضوابط على تطويرات الذكاء الاصطناعى، ويرى أن الولايات المتحدة الأمريكية متقدمة على الصين سنة، ولا يوجد بعدهما منافس! بقطع النظر عن الانضباط الصيني الحذر فى عدم إطلاق التصريحات حول تطورات التقنيات الذكية ، إلا أن الموضوع بات يشكل جزءًا من بعض الجدل الكوني حول مألات التطورات الذكية للذكاء الاصطناعى التوليدى، منظورًا إليه من زاوية مسألة السيطرة عليه، وإدارته. مفهوم السيطرة والتوظيف، يشير في الخطاب السائد إلى الدول، ومن ثم قادتها وحكوماتها والشركات الرقمية الكونية ؟ تحت شعار السيطرة لمصلحة الإنسان، والإنسانية، في منظور الدول الأكثر تطورًا في عالمنا، بينما المضمر هو السيطرة من أجل مصالح هذه الدول، والطبقات السياسية الحاكمة!

خطاب الخبراء فى مجال الذكاء الاصطناعى التوليدى الذاتي محمولًا علي مخاطر تطوره الذاتي، وخروجه على من يديرون، ويطورون انظمته ونماذجه ، وبرامجه وبرامجه، بكل انعكاسات ذلك على الحياة الإنسانية في وجودها ومختلف مجالاتها.

حالة التحفيز على الخوف من التطورات التقنية الذكية الذاتية يشير إلى حالة استثنائية ربما لم تشهدها المجتمعات الإنسانية في مراحل تطورها في ظل الرأسمالية، وثوراتها الصناعية المتعاقبة، وتستعيد بعضا من تصورات بعض الكتاب في أوائل منتصف القرن الماضي عن خروج الآلة عن السيطرة الإنسانية، وتحكمها في الفعل الإنساني، بل وجوده؟ وايضاً في بعض الأفلام السينمائية والتي تنتهي بسيطرة الانسان علي الروبوت !

مسألة السيطرة تبدو ممكنة في الإدراك السياسي للنخب السياسية المسيطرة فى شمال العالم، ما بعد الحرب الباردة! إلا أن تكوين هذه النخب به هشاشة تكوينية وخبراتية  يختلف عن غيرها من سياسيوا ما بعد الحرب العالمية الأولى، والثانية، والحرب الباردة، -والصراع بين الكتلة الشيوعية، والمعسكر الرأسمالى-، من حيث الرأسمال الخبراتي، ورؤى العالم، والحساسية والخيال السياسي، والاعتماد على مراكز الخبرة والبحث فى إدارة ملفات السياسات الخارجية، والداخلية، ورسوخ المدارس السياسية، ومعها الأحزاب السياسية الكبرى، ومنافساتها ومنظريها السياسيين، ومثقفيها، والصحف والمجلات الكبرى، مع التلفاز والإذاعة!

من الشيق ملاحظة أن نخب ما بعد الحرب الباردة، والثورة الصناعية الثالثة، والرابعة، وتفكيرها السياسي، وأداءها يبدو مسوياته  أدنى من زعماء بلدانهم ما بعد الحرب الأولى والثانية والحرب الباردة، على الرغم أن الثورة المعلوماتية والرقمية والذكاء الاصطناعى وغيرهما في تحولات كبرى، وناعمة، وخطرة، وتطرح أسئلة معقدة على كافة الأصعدة إلا إنها لم تؤثر إلا على نحو جزئى في بعض الفكر السياسي الليبرالى، والأنظمة السياسية الديمقراطية التمثيلية، ومن ثم رفد العقل السياسي الغربي بقدرات مؤثرة على اشتغاله وعملياته، وإنتاج الرؤى والأفكار وحساسيته السياسية .

يبدو أن الثورة الرقمية والذكاء التوليدى لم يؤثر إلا قليلا والأحرى نسبيا على بعض العقل السياسي الغربي، على نحو ما رأينا، ولا نزال مع رؤساء الحكومات البريطانية، والفرنسية ما بعد جاك شيراك إلى ماكرون، والولايات المتحدة لاسيما من جورج بوش الأبن، إلى ترامب وغرائبيته الوظيفية المثيرة، والخطرة!

من مظاهر التأثير الجزئى للثورة الرقمية علي السياسي الغربي، تتمثل في انصياعه اللحظى للواقع في مجتمعاته الأكثر تقدما دون النظرات الاستشرافية ، أى الرؤية اللحظية المتماهية والساكنة في هذا الواقع دونما تحليل في أعماقه، وتغيراته، ومالاته. النظرة السكونية النسبية  لمجتمعات متطورة، لكن مثقلة بمشكلات عديدة ،  ويهيمن عليها ثورة وحرية الاستهلاك، وأثرها على الحريات العامة، والشخصية، وتراجع نسبي  لدور الأحزاب السياسية الكبرى ، والتغيرات الجيلية وأثرها على اتجاهات الرآى العام، واهتمامات الأجيال الرقمية ومشاغلها وأسئلتها المختلفة !

لم تعد الأجيال الجديدة تلهمها، وتستقطبها السرديات الكبرى، أو الشعارات السياسية العامة ، ولا تتأثر كثيرًا ببرامج التلفازات السياسية أو الحوارية كما كان سابقا، ولا حضور المؤتمرات الحزبية كما كان يحدث أثناء الحرب الباردة، أجيال Y,Z وآلفا، وبيتا هى أجيال رقمية، وعوالمها، ولغتها، واهتماماتها مغايرة ، ولم تعد الأفكار الكبرى ، وإنما اهتمامات مغايرة. الأهم أن الصور النمطية عن الزعماء والقادة السياسيين الكبار، أو غيرهم عالميا أو في بلدانهم لم تعد تخطى ببعض من الهيبة التى كانت، وأضحت مجالا للنقد الحاد، واللغة الساخرة حول صورهم، وتفاصيل سلوكهم، ونظراتهم، ونظام الزى … إلخ.

الأخطر هو حالة من بعض الفجوات بين قادة الغرب ما بعد الحرب الباردة وإلى الآن، وبين هذه الأجيال الجديدة واهتماماتها وأنماط تفكيرها المغاير لغالب هؤلاء القادة مثل ترامب، وماكرون وميلوني وغيرهم في بريطانيا وألمانيا، وكندا.

من هنا يكمن تركيز اهتمامات ترامب، وبعض من قادة شمال العالم، ومعهم نخبة الرأسمالية الرقمية النيوليبرالية، بالسيطرة على الذكاء الاصطناعي! أو عدم السيطرة لدى ترامب على تطوره لتغدو أمريكا متقدمة عن الصين بسنة فى هذا المجال.

السؤال هل السيطرة ممكنة وحاسمة؟ بعد ترامب أو غيره من زعماء شمال العالم، أو النخبة التي لاتتعدى أصابع اليدين من أصحاب الشركات الرأسمالية الرقمية النيوليبرالية؟

الإجابة السهلة الشائعة نعم السيطرة ممكنة، وتوجيه الذكاء الاصطناعي وفق مصالح الولايات المتحدة، والشركات الرقمية الكونية، ممكن! إلا أن نظرة إلى تاريخ علاقة الإنسان، والدول، والرأسماليات الغربية، بالتطورات العلمية والتكنولوجية، تشير إلى أن مفهوم وإمكانية السيطرة والمنع والحجب لم تكن دائما حاسمة وفعالًة، في تطور الاكتشافات العلمية، بل وحتي في ظل فرض قيود قانونية ودينية على بعض الأبحاث العلمية!

دائما كانت هناك قيود تعبر عن السيطرة، لكن الأبحاث كانت تدور في اماكن ما، وتتطور وتفاجىء القادة السياسيين ورجال الدين، والفلاسفة وغيرهم، وتفرض نفسها على مسارات الفكر والعمل والسياسة في عالمنا.

حدث ذلك مع الاستنساخ البشرى، ومع ذلك من الممكن أن نفاجىء بحدوثه يوما ما!

الذكاء الاصطناعى، والرقمنة مع أجيال Z، وآلفا وبيتا، لم يعد حكرًا على قلة من أذكياء الشركات الرقمية الكونية النيوليبرالية، ولا معامل أبحاثها، على الرغم من كونهم من الأجيال الجديدة، إلا أن الذكاء والقدرات والمهارات ليست حكرًا على الصينيين، والهنود، والأمريكيين والكوريين الجنوبيين، وإنما هناك آخرين ربما لاندري عنهم شيئًا، فى مكان ما داخل الولايات المتحدة، وأوروبا، وآسيا الناهضة وغيرها، ويتجاوزوا مهارات وقدرات هذه المعامل الرقمية الذكية، وقادرين على اختراقها، ومعها اكتشافاتها غير المعلنة، وأيضا قد يطور بعضهم أنظمة وبرامج للذكاء التوليدى الذاتي، تتجاوز القدرات والذكاء الانساني! كل ذلك ممكن ومحتمل، والأخطر هو المفاجأة ولحظةً إعلانها   والأخطر.. الأخطر لحظة انفجارها، وتجاوزها مفهوم السيطرة المرتبط بالدولة والسلطة السياسية في الدول القومية النيوليبرالية وعلى رأسها الولايات المتحدة!  وايضاً احتمالات واهداف كل تطوير لانظمة الذكاء التوليدي الذاتي ، والروبوتات وهل هي لصالح الإنسان او لسيطرة الآلة عليه او تفجير حروب ، او تدمير البيئة ، او مصانع او مناط سكنية واسعة ، او إنهاء الحياة لغالبية الكوكب ؟! تبد تصورات مؤسسة علي الخيال العلمي ، إلا ان مسارات التطور غير مألوفة ، وتفتح الأبواب امام عديد الأسئلة والمألات المختلفة !

من هنا يبدو مفهوم السيطرة تقليدى، وهش، وجزء من آلة لغوية سياسية فى طور الأفولـ لأن إمكانيات السيطرة والرقابة السلطوية فى دول ليبرالية فائقة التطور، لم يعد قائما، لأن الرقابات باتت متبادلة –كما سبق أن كتبنا- الجميع يراقب الجميع، مع نهاية الخصوصية، بما فيها إمكانيات اختراق أجهزة الدولة، بل والرقابة عليها من بعض الأفراد الرقميين، أو رقابات الأفراد الفعليين على تفاصيل الحياة على المواطن، والسلطة، والأمن.. إلخ!

الأخطر أن تسارع التطور الذاتي للذكاء التوليدي سيصبح في المقبل من السنوات  ربما إلى مرحلة ومضائية، وهذا ليس مبالغة فى ظل التطور التقنى فائق التطور، وأثره على إيقاعات الحياة اليومية، الى سياسة السرعة، ومن ثم علي التطورات السياسية والقرارات من كافة مؤسسات الدولة، التي ستغدو جزءًا من عالم التغير الومضاتى المذهل.

عصر نهايات الما بعديات والاناسة الروبوتية، بات قريبا وصولا إلى عالم ما بعد الإنسانية، إلا أن ذلك يبدو مثيرا للخوف والقلق، والعودة إلى مفاهيم باتت هشة، وغير فعالة، مثل إمكانيات السيطرة، لان الخوف من التغيرات التقنية وأثرها علي الشرط والوجود لانساني، تدفع لاستعادة المألوف من التفكير السياسي النمطى، الذي لم يعد صالحا للتعامل مع تحولات فائقة الاستثنائية علميا وتقنيا. الذكاء التوليدى الذاتي التطور، بات يغزو العقل الانساني، والعمل، والإبداع الأدبي والتشكيلي، والبحث في العلوم الإنسانية، والاهم فى العلوم الطبيعية  والطب والهندسة  .. الخ ، وذلك في قفزات متتالية وفائقة السرعة، وعادة يعود العقل السياسي الى بعض من مفاهيمنا السابقة، مثل السيطرة وإبطاء تطور الذكاء الاصطناعى، بينما التطور التقنى والعلمي لا ينتظر السيطرة ولا البطء ولا الفكر السياسي الذي يدور في مداراتها! عالم تغير فعلًا!

المصدر: الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى