من الحيوان السياسي إلى الإنسان المُدجّن

جعفر العلوني

                                                          

“أعتقدُ أن أي فيلمٍ هو سياسيُّ. تشاهد “الأوديسة” وتجد أنها سياسة. تشاهد “سبايدرمان” وتجد أنه سياسة، تشاهد “فانتاستيك فور” وتجد أنه سياسة. كلُّ شيء سياسة. السياسية موجودة في كلِّ شيء في حياتنا وهي الطريقة التي نُنظّم بها حياتنا للعيش داخل المجتمع. وليست السينما وحدها سياسة. جميع الأفلام سياسة. وجميع المقابلات سياسة. وجميع مباريات كرة القدم سياسة. السياسة موجودة في كل مكان وأعتقد أنه من الجيد أن تكون كذلك”. يقول كلٌّ من الفنانين الإسبانيين خافيير بارديم وفيكتوريا لوينغو، بطلا فيلم “الكائن المحبوب”، في مقابلة إعلامية، على هامش ترويجهما الفيلم الإسباني الذي تستضيفه صالات السينما الإسبانية، في إِشارة إلى أهمية السياسة في عالم اليوم، وترابط العلاقة بين الحياة والسياسة، إلى درجة سُيّست فيها جميع مجالات الحياة، وجميع المعايير الأخلاقية، والمكانية، والزمنية، للتفاعلات البشرية، والاجتماعية، والبيئية، والتكنولوجية، وغيرها.

وإذا كان أرسطو قد عرّف الإنسان في كتابه “السياسة”، بأنّه “حيوانٌ سياسي”، فإنه لم يكن يشير إلى جميع البشر. فقد ربط أرسطو مفهوم “الحيوان السياسي” بفئة محددة داخل المجتمع اليوناني، وقد شملت هذه الفئة الرجل الحر، والرؤساء، وأرباب الأسر، ومالكو الأراضي، مستبعداً من هذا التعريف البرابرة، والنساء، والأطفال، والفقراء، والعبيد. كذلك ربط أرسطو قوله بإن الإنسان “حيوان سياسي” بخاصية امتلاكه “اللوغوس”؛ وهي القدرة على الكلام والتفكير والنقاش والتداول والتمييز بين ما هو نافع وما هو ضار، ما هو خير وما هو شر، ما هو عادل وما هو ظالم. وهذا ما جعل “الحيوان السياسي” وفقاً للتصور الأرسطي، مختلفاً عن الحيوانات الأخرى. هذه التي تستطيع التعبير عن اللذة والألم بواسطة الصوت، لكنها لا تمتلك القدرة على إقامة أحكام حول العدالة والظلم والخير والشر.

يؤكّد ما يحدث من حولنا في هذا العالم إنّه ليس من السهل على الإنسان أن يبقى إنساناً. ولا يكون الإنسان سياسياً إلا بالمعنى البنّاء، والنبيل والإنساني والمدني لكلمة سياسة. ويكفي أن ننظر إلى واقع بلداننا ومجتمعاتنا العربية كي نلمس واقع أن الوحش هو الذي يهمين على الإنسان أو يستوطن فيه، وأن السياسة بالمعنى “الوحشي” للكلمة هي التي تلتهم كل شيء، وتحل في محل كل شيء، آخذة الأدوار كلها، ومروّضة الحياة الاجتماعية والثقافية بتجلياتها كلها.

والأخطر من هذا كله عجزنا عن إقامة مسافة بيننا وبين السياسة، سواء على صعيد السلطة أو على صعيد المؤسسات أو على صعيد الحياة اليومية. كأن السياسة بمعناها الوحشي، وإنسانها الوحشي، هي مصيرنا، وهي التي تُلغي فينا ذاتيتنا الإنسانية، خاصية التفكير والحلم والتمييز وقول الحقيقة. من هنا يمكننا أن نفهم كيف مات دور المثقفين مفكرين وكتاباً وشعراء وروائيين وفنانين في العالم العربي، الذين دُجّن فيهم، وفقاً للتصور الأرسطي، “الحيوان السياسي”، الذي يمتلك اللوغوس ولديه ذات خاصة وحرية للتفكير والتمييز بين العدل والظلم، بين الخير والشر، بين ما ينبغي أن يكون وبين ما هو قائم في الفعل، متخلّين بذلك عن هويتهم، وكينونتهم، وإرادتهم، وتفكيرهم الحر.

في كتاب “التحولات” لأوفيد، قرأنا عن أشياء تتحوّل، عن كائناتٍ تتبادل صورها وهوياتها، عن رجال يتحولون إلى جماد أو نبات أو حيوان، قرأنا عن نساء يتحولن إلى ورد أو عطر. هوذا إنسان عالمنا العربي، في بقعته التي تمتد من المحيط إلى الخليج، والمختصة بأنواع التحولات كلها، يلبس ثوباً سياسياً جديداً بعد الاستعمار، والاحتلال، والكولونيالية، والحداثة، والغزو، والتطبيع وإلخ. إنه ثوب التدجين. تحوُّل “الحيوان السياسي”، وفقاً للتصور الأرسطي، إلى “إنسان مُدجن”.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى