
حديث السياسة والحياة – وطن في المرآة
الجدير بالبيان – ما قد ظهر في الكتاب الأول، يمثل البنية التحتية لهذا العمل من حيث هو عرض لواقع المكان، ببنيته المادية والمجتمعية، وهذا الذي سيأتي في صلة معه، هو ما يضاهي البنية الفوقية، المتمثلة ببعدها السياسي والمعاشي.
🛑
تلكم هي سيرة جمعية، لم يردها قط خبر مختلق.. وما حاجتنا يا صديقي لاختلاق حكايات، وحيواتنا كلها بقضها وقضيضها، روايات…!
وأعلم، أن كل ما أتى من شخصيات ووقائع وأحداث وحكايات، ما خرجت عن عين الواقع قيد أنملة.. وما هاجسي سوى أن أكون مخلصاً في ذاتي لذاكرتي. وما سيرتي هذه في جوهرها ومجرياتها، إلا سِيرة جيل كامل، انتمت بواكير وعيه في تشكّلها إلى سنوات الخمسينات من القرن الماضي.. – والقول لي
🛑
على إيقاع ما تقدم، سأسرد كشاهد عيان، لمسار الأحداث التي عبرت به قريتنا على مدى سنوات الخمسينات، كمرآة لمشاهد السياسة والحياة التي عبرت بها البلاد..
لا يخامرني الشك بكون ما اكتبه وما كتبته في الكتاب السابق، ينطبق بمعظمه على أجزاء كبرى من أرياف المشرق العربي، باستثناء بعض التفاصيل الصغيرة التي يفرضها طبيعة هذا العمل الأدبي، المتسم بما يقارب السرد الروائي الواقعي، سواء أكان سيرة ذاتيه تحمل في طياتها سيرة جمعية..
وليعلم القارئ الحصيف، أنه لم يكن من مرادي في هذا العمل، البحث عن تصنيف لكليهما في باب الرواية أو أو غيرها، إنما يكمن الهدف الأساسي في عرض تجربتي عبر مسار السياسة والحياة، كشاهد عيان، وفاعل حي في خضمها، محاولاَ ما أمكن من تقديمها عبر أساليب التعبير الأدبي، التي لا يطيب لي إخضاعها لقوانين مدرسية أو تطبيقات فوقية.. ولعل الشاعر الألماني العظيم غوته، قد أضاء لنا السبيل، حينما قال..
جافة هي النظرية يا صديقي وإن الحياة في اخضرار غزير
🛑
رؤية: في شعري ونثري وقصصي ورواياتي، وبحوثي وفي كل الآتي: الهم العام هي دأبي، والخاص فيه، يتماهى في العام…
🛑
التجوال في المجال
(بين عام 1947- 1953) من الصراع على سورية إلى الصراع في سورية
وجدت البلاد ذاتها منذ استقلالها في فضاء معقد، فمنذ الحرب العالمية الأولى قد تم طعن حلمها العربي التي كانت حاضنته على مر التاريخ. تمادى مسلسل هذا الطعن لاقتطاع أجزاء من ذاتها الصغيرة، في سايكس بيكو. إلى درجة لم تعد لها لا سورية الجغرافية ولا التاريخية..
ما أن حصلت بلادنا على استقلالها (17 نيسان عام 1946)، حتى تهافتت عليها مؤامرات القوى الاستعمارية للسيطرة عليها تحت أقنعة مستحدثة..
من بينها ما جاء مستتراً، في ظل من تواطؤ مع مجموعات سياسية في داخل البلاد، تحركها رغبة بالسيطرة على مقدرات البلاد، وهي ترى في تقاسم المغانم مع القوى الكبرى هو الضمان لإحكام السيطرة عليها. – في أحيان أخرى، ظهر التآمر عبر تدخل القوى المسيطرة على الكيانات العربية، المُهيمن عليها سراً أو علناً من قبل القوى الكبرى..
في خضم هذا الفضاء السياسي ومنذ مجيء عهد الاستقلال الوطني، لم تكف أنظمة بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، عن التدخل في شؤون البلاد، عن طريق مخابراتها، أو عن طريق الأنظمة التابعة لها في المنطقة العربية، المتمثلة بأنظمة العروش في مصر والعراق والأردن والسعودية، وحتى النظام الطائفي اللبناني.. فضلاً عن الكيان الصهيوني وتركيا..
بين عام 1947- 1948 اندلعت حرب فلسطين – في ظلها أظهرت البلاد والدول العربية كافة حالة الترهل، الغير مبررـ وخرجت البلاد مهيضة الجناح..
على إثرها، راحت شائعات تجوب الآفاق، تتحدث عن خيانات كبرى من بينها ما تعلق بباخرة السلاح التي اشترتها الحكومة، ومن ثم تم تحويلها إلى الصهاينة…؟ في ظل هذا الواقع كما بدا عليه، قاد حسني الزعيم الانقلاب العسكري الأول (في 30/3/1949) ظهر في بعض من حواضر حالة من الاغتباطـ أو هكذا تبدى…! دخل الزعيم في مفاوضات وصلات سرية مشبوهة مع القوى الدولية، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية التي ساندت الانقلاب وروجت له، كما تخلّى للصهاينة بطواعية عن مستعمرة مشمار هايردن وما حولها في منطقة الحولة…؟
أطيح بالزعيم وأعدم (في 14/8/1949). فتح انقلاب سامي الحناوي على الزعيم الباب إلى عودة الأحزاب وما يقارب الوضع الدستوري في البلاد..
نشطت الحياة الحزبية في ظروف طبيعية حتى الانقلاب العسكري الذي قاده أديب الشيشكلي (في 29/11/1951).
مازلنا حتى تلك اللحظة، نتفاعل مع السياسة بعفوية الأطفال والصبية، كنا نتجادل بحماس كالكبار، ربما اكتسبنا هذا الحق من كوننا نقرأ.. ألم نخرج أكثر من مرة في مظاهرة، ونرمي بها الحجارة..
أحزاب تنفذ إلى القرية – أتيح لنفر قليل من الفتية في القرية متابعة الدراسة في دمشق أو درعا. اعتاد هؤلاء على العودة إلى القرية بين الفينة والفينة، حاملين معهم ثقافة ومعرفة في عالم السياسة.. من بين هؤلاء من اعتنق أفكار البعث العربي، وبشروا به أمام ذويهم، ومحيطهم.. بينما امتشق نفر آخر راية الحزب القومي السوري، وجاءوا بها إلى القرية. منذ ذلك الحين، انقسمت القرية بين أتباع حزب البعث العربي، وأتباع الحزب القومي السوري.. أصبح تاريخها وأحداثها ووقائعها رهناً بهذا التقسيم، على مدى من السنين، غطي تقريباً عقد الخمسينات في القرن العشرين. لم يكن الانتماء الحزبي صورة طبق الأصل عن التوزع العشائري أو الطائفي، إنما قد اتخذ صورة مغايرة..
كانت الأكثرية مع البعث، أسسوا لهم مركزاً في القرية بمثابة مكتب، كُرس للاجتماعات الحزبية والندوات. لم يكن للقوميين السوريين مكتباً في القرية
طغى هذا الشكل من الصراع على الأشكال الأخرى التي كانت قائمة في القرية. تراجعت مجمل الحساسيات القبلية والطائفية أمام هذا الوافد الجديد..
من المؤكد، أن الصراع بين التيارات السياسية في القرية، قد رسخ من مكانة الثقافة والاطلاع على مجريات السياسة العالمية، كما وفر لأبناء القرية أفقاً واسعاً.. لم يتورع القوميون السوريون من الإيقاع ببعثي القرية لدى الأجهزة القمعية لنظام الشيشكلي، وقد اعتبروا أنفسهم حينذاك كحزب متعاون مع النظام القائم. في المقابل، لم يتصرف البعثيون معهم بالمثل، حينما تغيرت الظروف لصالحهم..
قريتنا- رخم، كمآثر وتاريخ: روى لي المربي الكبير، أستاذ الفلسفة، توفيق حداد.. حادثتين، تؤكدان التوجه الأساسي لنسيج القرية الاجتماعي، المتمثل في الاندماج التاريخي مع المحيط، عبر مختلف المراحل التاريخية..
الحادثة الأولى (في أواخر الزمن العثماني): تمثلت بالتفاعل الإيجابي مع شيوخ حوران المؤيد للثورة العربية الكبرى، من خلال مشاركة جده سليمان حداد كوفد، كان قد التقى مع الملك فيصل ابن الشريف حسين…؟
الحادثة الثانية (عهد الانتداب الفرنسي)، تمثلت بحضور فخري البارودي إلى القرية، والاختفاء بها لتكون محطة تواصل مع سلطان الأطرش.. تنطع أحد أبناء القرية، من آل كعدي.. ربما جريس كعدي.. أو والده؟ لإلقاء كلمة ترحيب به.. وقد كان الوحيد الذي يعرف القراءة والكتابة عندئذ..
من المؤكد، أن البارودي، قد اختار قريتنا، لسببين، يعود أحدهما لموقعها المتاخم لجبل العرب، ويتمثل ثانيهما في كونها المخبأ الأمثل عن أعين سلطة الانتداب الفرنسي.. فهي كقرية مسيحية، مما قد يمكنها لتكون المخبأ الأمثل للثوار الكبار…؟
في الزمن التالي المتمثل عهد الاستقلال الوطني- ثمة حادثة طرقت مسامعي عن كثب.. كانت قريتنا إحدى محطات التواصل بين تنظيم حزب البعث في حوران وتنظيم حزب البعث في جبل العرب، في حقبة أديب الشيشكلي..
🛑
ملحق
ملاحظة أولى: من بين أوائل البعثيين أذكر: الدكتور ناجي دراوشة.. – تقلد المرحوم الدكتور ناجي دراوشة مناصب حكومية عدة في سورية، من بينها وزارة التخطيط ووزارة الإعلام. ما بين أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي.. وافت المنية الدكتور دراوشة، في حادث مؤسف، في أواخر أعوام الثمانينات- ومن بينهم الطبيب جريس دراوشه.. – ويوسف حداد (تربوي وقيادي) وتوفيق حداد (أستاذ فلسفة وقيادي).. واللواء مشيل حداد – في ظرف تال ظهر حبيب حداد طبيب وقيادي، وزير إعلام سابق وقيادي في الحزب.. وتلاهم، الضابط فايز كعدة، كاشف لشبكة جاسوسية هامة.. والقائمة طويلة لدى فيما بعد..
أتكلم عن مرحلة الخمسينات – لأسباب أخلاقية، امتنع عن ذكر أسماء الذين انتموا إلى الحزب القومي السوري. تحوّل العديد من هؤلاء إلى حزب البعث، في ظروف سلطة البعث…! وفي معظم المناطق السورية انضم معظمهم لنظام الأسد..
ملاحظة ثانية: على سبيل التدقيق، ليس لدي مصادر أخرى تؤكد هذه الوقائع، التي سبقتني في الزمن (العثماني والفرنسي).. بيد أنني أثق بمصداقية الأستاذ توفيق حداد.. التي يؤكدها القاصي والداني في المنطقة كلها.. مما يدفعني لاعتبار ما قاله.. لا يدانيه الريب لا من قريب أو بعيد.. للمزيد في تأكيد مصداقية هذا الرجل، يكفي أن أقول في ظرف ما من بداية تسلم حزب البعث للسلطة.. انتخب توفيق حداد كعضو في قيادة فرع حزب البعث في حوران، مسئولا عن الثقافة، ثم عين مديرا للتربية والتعليم في المحافظة.. ولأسباب تتعلق ببعض المظاهر التي اعتبرها خارج السلوك الحزبي القويم، الذي يتمسك به، قدم استقالته كمدير للتربية ومن الحزب أيضاً.. وأعتكف في بيته.. بالرغم من محاولة القيادة القطرية لنهيه عن استقالته.. لم يستحب لها..
في معرض حديثي مع الأستاذ توفيق حداد.. رجوته أن يسجل مجريات ذاكرته في كتاب له.. ووعدني.. وما كنت أرغب أن أكتب عنه.. ولعل الأحداث بتعقيداتها الراهنة ستكون حائلاً.. أقتضى التنويه..
قريتنا في خضم السياسة والحياة
إلى المدرسة
درجنا منذ طفولتنا، على مرحلَة أيامنا على أسس دراسية، لا زمنية، انطلاقاً لما للدراسة من أهمية، وقد كانت حدثاً استثنائيا وسعيداً، لا عهد لأجدادنا وآبائنا وأمهاتنا به.
رحل العثمانيون دونما أن يتركوا مدرسة في أريافنا، وعلى منوالهم سلك الفرنسيون. على وقع من بداية عهد الاستقلال الوطني، شرعت المدارس تغزوا الأرياف على نحو بطيء.
يا له من يوم سعيد على الآباء والأمهات والجدات، الذين ما فتئوا على ندب حظوظهم.. ها هم ينقلون عظمة الحدث لنا..
لا مراء لنا نحن الصغار، من أن تغدو المدرسة فضاءنا، بها انصهرنا، وبين جدرانها ترعرعنا وتشكلنّا.. عليها استندنا في قياس مراحل نمونا وعمرنا.. حتى غدت أطوار أعمارنا بها..
ولم يكن ذلك لنا فحسب من دون ذوينا، فقد كرسوا حياتهم وفعلوا لها المستحيل، وتماهوا بدورهم بها، لعلها كانت لهم الأمل المفقود، فعثروا عليه من خلالنا.. ولكم عانوا من أجلها وأجلنا..
🛑
إلى مدرسة القرية: على التو بعد عودتنا من حيفا تلقفتني المدرسة في القرية. كانت في البداية حديثة العهد.. تم حشرنا معاً كأطفال وصبية في قاعة الكنيسة القديمة، على مقاعد أكل الدهر عليها وشرب..
في اليوم الأول، شاء المعلم أن يمتحنني، على حين غرة وجه سؤالاً لي، أربكني.. قال لي: ما الفرق بين البقرة والثور. صمت وفكرت.. ماذا أقول، وها قد أحرجني نطق كلمة لها سمة جنسية…!
كيف لي أن أخرج من هذه الورطة.. شرع بعض التلامذة برفع أصابعهم، قال المعلم، بعدما لاحظ ارتباكي: أصمتوا، إنه على قدر من الذكاء، سيعطي الجواب الصحيح لا محالة..
اهتديت بعد لحظة إلى حل يخرجني من المأزق.. قلت: للبقرة أثداء و للثور لا.. سر المعلم من جوابي، ارتفعت أسهمي أمام نفسي..
وقعتُ في الأيام الأولى في حرج مكين، يندى له الجبين لأي طفل، وقد اضطر لفعل شيء غير لائق في مدرسة، ولاسيما في كنيسة مقدسة.
في لحظة ما جاءتني حاجة ملحة للتبول، نظرت حولي لم أجد مكاناً ما ألجأ إليه.. في حضانة حيفا المرحاض على مقربة منا، نأتيه بعد الاستئذان.. ها أنا هنا لا
مرحاض ولا مكان يسترنا عن الأعين.. وفي كنيسة…!!
شددت أعصابي.. ضغطت على مصرتي.. اللحظة آتية.. لابد من لابد أنها آتية.. وأتت.. سال البول تحت المقاعد، نظروا فاكتشفوا الفاعل.. يا للهول من غضب المعلم وعصاه الغليظة.. ويا للعار مع ضحكات الصبية.
بعد أيام انتقلت المدرسة إلى حجرة في منزل مهجور. تم حشرنا جميعاً من الصف الأول حتى الثالث، في ذات القاعة.
لم يعد لإرادة التبول من مشكلة، فالدار تمتلك أكثر من مكان، خشّة هنا وخشّة هناك.
دأب المعلم على التجوّل فيما بيننا، ملوحاً بعصاه الغليظة. وقد أُعطي من قبل الأهالي كامل الصلاحيات، لتأديب هؤلاء الأطفال والصبية.. – والقول المأثور تردده الأمهات ” اللحم لك ولنا العظم”..
لقد استقر في العقل الجمعي القروي، أن التعليم والتربية الصحيحة لا تصنعها سوى عصا المعلم الغليظة…!
كانت المدرسة حديثة العهد.. أمّها جميع الصبية والعديد من الصبايا في القرية.. بيننا من هم كبار السن، في الطول والعرض والوزن.
كنت مولعا في التاريخ، وملكة الالتقاط لدي عالية الكفاءة، إلى درجة، دأب معها المعلم يوجه السؤال إلي، عندما يرتبك بعض صبية من الصف الأعلى- الأكبر سناً.
أدت جهودي وتميزي إلى ارباكات لي، كنت بغنى عنها.. درج المعلم على أمري ” بشد أذن ” التلميذ المتلعثم. دأب هذا التلميذ في الباحة ينتظرني، ليصفعني ويرميني أرضاً.
شرعت أتهرب من محنة شد الإذن.. المعلم يلح، ولمّا علم حقيقة ما يجرى، شدد من بأس عقوبته، مما ضاعف عدد اللكمات التي كنت أتلقاها.
لم تكن هذه المرة الوحيدة التي أتلقى بها لكمة من أطفال يكبرونني عمراً.. ذات مرة، في الفسحة المعتادة، كنا نمارس لهونا في الباحة، أخذ مني العطش أي مأخذ. توجهت إلى أحد الصبية يحمل قارورة من الماء الممزوج بالسمسم، ساومني على شرب الماء بخمسة قروش (الفرنك وقتئذ)، قبلت على شرط الدفع في يوم تالٍ..
لم يكن بمقدوري الحصول على المبلغ المعتبر، على التو، وقد كان يُعتد بالقيمة الشرائية للفرنك، طالبني الصبي بإلحاح.. وإلا.. لم يكن بد من التسويف مقابل دفع فائدة – فرنك آخر.
أوفيت القرض الأصلي، الفرنك الأول.. كان من العسير الحصول بشكل فوري على مبلغ الفائدة المتبقي.
ازداد إلحاح الصبي.. طال الأمر، تلقيت لكمة قوية، وبكيت.. علم المعلم بقضية القرض، أمرني بتسديد القرض إلى الصبي.
سردت له القصة من ألفها إلى يائها.. انقلب الموقف وصار لصالحي.. تحت ناظريّ تلقي الصبي نصيبه من العصا الغليظة.
بقي للحادثة ذيول ولكني صمدت.. علمتني تلك اللحظة.. كيف لي الذود عن نفسي.
درج لهونا يسري سراً عن أعين المعلم.. حالما يعبر المعلم من زقاق من أزقة القرية، يطير الأطفال بسرعة البرق عن الأنظار.
في الصيف لنا لهونا، نتمتع فيه كيفما نشاء، لا شأن للمعلم بنا اللحظة الآن، من دونه لحظتنا لنا.. ولتذهب عصا المعلم إلى الشيطان، آن الأوان لنسيان ذاك العنت والهوان.
على إطلالة شهر أيلول، تنطوي صفحة عبثنا وطيشنا طي النسيان.. نعود لقيود الزمن المعهود، زمن الخضوع الكلي لإرادة المعلم وعصاه الغليظة.
🛑
إلى المدرسة في درعا
عندما وصل فوجنا إلى الصف الرابع ابتدائي، قرر وجهاء القرية استحداث الصف الرابع على نفقتهم، وجدوا الحل في تعيين أحد من أبنائها الحائزين على الشهادة الابتدائية وتكليفه بتدريس الصف الأول والثاني، وتخصيص المعلم الرسمي للصف الثالث والرابع.
لم يرق الأمر لأبي، قرر إرسالي إلى درعا، كان أخي الأكبر قد سبقني إليها، بعدما أضحى في المدرسة الإعدادية.
انتسبتُ إلى مدرسة الطائي في “حي الكرك “. مدرسة كاملة العتاد، لديها صفوف متعددة ومعلم لكل منها، مراحيض وصنابير مياه، وباحة واسعة، وملعب للرياضة، وأشجار على الأطراف.
استأجر أبي حجرة لنا، على مقربة من المدرسة، سلم أمر رعايتنا حيناً لجدتي وحيناً آخر لأمي، منطلقاً من قناعته في الحق الطبيعي للأطفال بمن يرعى شؤونهم.
كان المعلم على درجة كبرى من الكياسة، عاملني برقة، ربما لكوني الوحيد القروي، في هذا الوسط الدرعاوي التقليدي. كلفني مرات، بأن أكون عريفاً للصف، بالرغم من كوني الأصغر عمراً وحجماً.
درعا لي بيئة جديدة، آفاقها أوسع من قريتنا المحدودة. بيد أنني كنت شديد التعلق بقريتي، حرصت على العودة إليها، كلما لاحت سانحة.
ثابرت على تجديد صلاتي بأترابي في قريتي، كأني لم أنقطع عنهم قط. أراهم أكثر حظاً مني، حينما أشاهدهم صبية وصبايا معاً، على غير ما نحن فيه في طائي درعا.
لم أكن أدرك قبلاً معنى هذه النعمة، التي يضفيها تواجد صبي مع صبية.
🛑
زيارة إلى القرية: تفهمت إدارة مدرستي رغبتي، في حضور موسم الفصح في قريتي، حصلت على أسبوعين إضافيين في القرية.
وافق معلم القرية، أن احضر مع أترابي إلى المدرسة خلال تلك المدة، مما أتاح لي فرصة التفاعل من جديد مع أترابي من الصبية والصبايا.
أذكر أنّي كنت مستملحاَ من قبل الصبايا، ربما لكوني كنت على خجل، أميّل إلى اللطف والدماثة معهن.. كن يسترحن إلي، فلدي مسحة من التمدن ورثتها من حيفا، وكانت أمي قد رسختها بنا. كنت كضيف من قبلهن، سألنني عن مدرستي.. حدثتهن بإسهاب، كن يصغين إليّ بإعجاب.
سألتُ أحد التلامذة، وقد كان كسولاً ومشاغباً: كيف لك أن تتحمل تلك الضربات المتكررة والقوية على راحة يديك. قال لي – لا تهتم.. ضربة أولى وثانية.. تتورم يداك.. وتفقد الشعور بالألم.
حررني ما قاله لي من خوفي.. مما أخرجني عن طوري.. جاء دور راحة يدي.. لتلقي عصا المعلم الغليظة.. مددت يدي من دون تردد، قلت متفاخراً وغير هياب: اضرب سوف تتورم يدي ولا اشعر بالألم.
انطلق الجميع بضحكة كبرى والمعلم معهم.. سألني ما قصتك.
سردت ما قاله الصبي المشاغب لي.. فعفّ عني وقال.. لا تصدق ذلك.. لا تعد لها.. أنت ضيف هنا.. – فالتزمت.
ليس في الفصح وحده تحتفل قريتنا، لها بدورها ربيعها.. للربيع تزغرد الطيور في شدوها، لقدومه ترتدي السهول حللها العشبية الخضراء، الروابي الصخرية تزين له ذاتها بالقلائد المخضرة المتوجة بالألوان.. القناة بحملها المائي تأتي لتصبه في بُركها.
نحن الصبية، استيقظت في ذواتنا نشوة الربيع، شددنا الرحال إلى الملتقى. سرنا زمرة من الصبايا والصبية إلى الأكمة الصخرية الواقعة على تخوم القرية من الشرق. حول البركتين المتاخمتين ” أم الصوف وأم الشيد “، جلسنا على بساط أخضر، رصعته شقائق النعمان بتيجانها الحمراء.
في جلستنا كنت متميزاً عن أترابي، في بزتي الرياضية المقررة في مدرستي. أنا في بنطالي القصير الأسود والقميص الأبيض وحذائي الرياضي.
كان الصبية في سراويلهم السوداء الطويلة وقمصانهم الملونة بدون انتظام. والصبايا في أثوابهن الطويلة التي ترتمي فوق السراويل الملونة الممتدة لتضيق في نقطة تماس الساق مع القدمين.. على رؤوسهن تتهادى المناديل زاهية الألوان.
بدأت الشمس تلقي أشعتها الدافئة، غمرتنا بالحرارة.. مياه البركة تدعونا إليها.. قفز الصبية عراة غير هيابين من الفتيات، وقد أغمضنّ عيونهن خجلاً.. أحمرت وجنات، اختلس بعضهن النظرات، من بين ثنايا المنديل المنسدل أمام العينين.
في مكاني لا أريم.. لم أصغ إلى نداء الأتراب للنزول في الماء.. جلسنّ من حولي، يحاولنّ استجلاء أمري.
قالت لي أجملهن: ما بالك، لماذا لا تنزل إلى الماء، ألا تعرف فن العوم..- قلت. بلى لكنني على خجل منكن.
تضاحكن هنيهية.. قالت: لا تقلق سنغمض أعيننا، هيا إن كنت تتقن فن العوم.. – قلت، هيا افعلنّ..
بدأت في خلع ملابسي محاذراً، ناظراً إليهن بين الفينة والفينة. رأيت بعضهن، ينظرن من ثنايا المنديل.
قررت النزول في الماء ببنطالي القصير، متحاشياً نظرات الفضول.
وضعنا حداً لصخبنا في الماء، أتى دور الغناء.. اعتلى الصِبية قمة الصخرة، على مسافة من الصبايا الجالسات حول ضفة البركة.
شرع أكبرنا ” الياس” بالغناء، وكان الأحلى صوتاً والأكثر وعياً وجرأة، وله باع في مضايقة الصبايا.. انطلق في أغنية على درجة من البذاءة… وقائد مسيرتنا ” الياس ” قد درج على هذا النوع من الغناء حتى أتقنه.
صوبت ناظري باتجاه الصبايا، رأيتهن قد حملن متاعهن وأسرعن الخطى، عائدات إلى القرية. قلت لصاحبنا: ويحك ما صنعت بنا، عصافير الجنة قد طارت .. بالضحك انفجر الصبية، وقد أثار إعجابهم بلاغة الصورة.. عدنا والخيبة تظللنا.
طرق مسامعي بلوغ حكاية ” عصافير الجنة ” آذان الصبايا.. ازداد رصيدي بينهن.. مما ملأ جوانحي حبورا.
🛑
في المسعى إلى مرحلة أخرى – في ذلك الزمان يقاس مراحل تطور الأطفال وفقاً لتحصيلهم الدراسي. أنا في طريق النقلة الكبرى، من عهد الطفولة إلى عهد الصبا، لكوني على قاب قوسين أو أدنى من حيازة الشهادة الابتدائية.
لم يكن الحصول على الشهادة الابتدائية – الحاملة اسم السرتفيكا – مجرد حادث يعبر بصمت، له وقع، يهتم به الناس والصحافة، يحتفل فيه الآل والأصحاب، تضج له القرية.
غداة التقدم للامتحان، يهرع الأهل مع أبنائهم إلى مركز الامتحانات الوحيد وقتئذ – في درعا.
حضر أبي كغيره من الآباء ليكون بجانبي.. طفق في كل مرة يسألني… ليعلن عن مبلغ سروره مني.
لا أدري، لم حدا أبي ليستجوبني بإمعان، بعيد امتحان مادة التعبير في اللغة العربية، واستجوب أقراناً لي.
أتذكر، كان السؤال يتعلق بالعثور على طفل ضائع في الطريق.. قلت لأبي: وصفت واقعة العثور وحالة الطفل في هلعه ومظهره، بادرت لاقتياده إلى مركز الشرطة، اغتبط أبي لإجابتي وأكبرها.
وجه السؤال لأحد أقراني، ابن خالي، مستفسراً: ماذا صنعت بالطفل الضائع، يا سمعان أجاب: تركته وشأنه. قال له أبي ممازحاً: لماذا تركته، – قال متبرماً: ما لي وما له.
ضحك أبي وأخذ يتندر على الحادثة، تناقلها ناس القرية، غدت من حكايات سهراتها.
جاءت الجريدة تحمل الأنباء.. ظهرت أسماء أسماء. فرح وبكاء… الويل كل الويل لمن فشل.
حمل أطفال القرية أنباء الجريدة، وساروا بها في مظاهرة عبر أزقة القرية، ترتج فيها صيحاتهم المختلطة بدقات صفائح التنك العتيقة، وهم يرددون أهزوجة السخرية لمن تعثر والنصر لمن ظفر.. (فلان ساقط طلع في اللوح يعاقط..)
أجل اللحظة من أسعد اللحظات هنا، وأتعس اللحظات في الهناك.. القرية في عيد.. القرية في تنكيد.
ها أنا في سن العاشرة، قد قاربت لقب الأستذة، وغدوت على فتوة أمام نفسي، أصبحت في عرف القرية فتى تعلم وثقافة، أكتب لهم الرسائل وأقرأ لهم الجريدة، أنقل لهم أخبار السياسة.
ألستَ الحائز على الشهادة الابتدائية وبدرجة عليّة.. ها أنت يا فتى قد غدوتَ في مدرسة التجهيز، الإعدادية.. ولا غرو.. !






