ما بين ثورة حماة وثورة جبل العرب – 1925

معقل زهور عدي

كنت قد نشرت مقالا حول ثورة حماة وعلاقتها بثورة جبل العرب، وكيف أن قرار الضابط فوزي القاوقجي الذي كان الرأس المدبر والمنفذ للثورة قد اضطر لاشعال الثورة في حماة في ضوء المعلومات التي وصلته عن ضرورة تخفيف الضغط العسكري الفرنسي على جبل العرب .

لكنني اليوم وعبر مذكرات فوزي القاوقجي التي دققتها ونسقتها الباحثة خيرية قاسمية – الجزء الأول وجدت أن الصورة تختلف تماما فيما يتعلق بمستوى فعالية تأثير ثورة حماة في مساندة ثورة جبل العرب .

وسأسرد هنا فقرتين مقتبستين لبعض ماجاء في الكتاب حول هذه المسألة تاركا الاستنتاج للقارىء .

أولا : في مدى تأثير مجريات المعارك في جبل العرب بقرار إشعال ثورة حماة :

كتب فوزي القاوقجي في مذكراته الآتي :

” بلغتني تطورات حوادث جبل الدروز , إذ تمكن الفرنسيون من حشد قوى كبيرة في إزرع , تحت قيادة الجنرال غاملان , الذي سار بها باتجاه السويداء , وتمكن بعد معارك حاسمة من احتلالها , في 23 ايلول 1925 , وإنقاذ حاميتها من الأسر , وفك أسر الجنود الذين وقعوا في أيدي الدروز في معركة المزرعة , وقد انسحب سلطان باشا على أثرها جنوبا , وتفرق كثير ممن كانوا معه من إخواننا السوريين , ونزح بعضهم إلى حيفا والقدس , كما وصل البعض الآخر إلى القاهرة , وفي 4 تشرين الأول دخل الجنرال غاملان قرية عرى واستسلم الأمير حمد للفرنسيين , وأيقن الافرنسيون بأنه قد انتهى أمر الثورة عند هذا الحد , وأخذت الأسلاك تنقل البشارات إلى أنحاء فرنسا كلها , لم أجد أمامي سوى إلا الاسراع في الانقضاض على حامية حماة بما يمكنني جمعه من المجاهدين , ومهما كلفني الأمر , على أن أضع الجميع هذه المرة أمام الأمر الواقع , ( كان عبد الرحمن الشهبندر قد أرسل رسالة جوابية لفوزي القاوقجي يطلب منه عدم إشعال الثورة بحماة باعتبار أن الوقت مازال غير مناسب لذلك ) وقررت أن تكون ليلة 5 تشرين الأول 1925 موعدا للشروع , وكان على مغامرتي يتوقف مصير الثورة وإنقاذ الجبل , وسحب القوات الفرنسية منه لحماة , وبمغامرتي وحدها نتمكن من إحياء الثورة “- مذكرات فوزي القاوقجي ص 110

ثانيا : لكن هل حدث ما توقعه فوزي القاوقجي من سحب القوات الفرنسية من الجبل نحو حماة ؟

في الفقرة الثانية المقتبسة من الكتاب ذاته يقول فوزي القاوقجي بعد أيام قليلة من اشتعال ثورة حماة :

” جرت مخابرات على إثر استفحال أمر ثورة حماة , بين الجنرال غاملان والجنرال ساراي ” المفوض السامي لسلطة الانتداب ” إذ أصر هذا ” يقصد ساراي ” على ترك ثلث القوى الفرنسية في الجبل ” جبل الدروز ” وسوق الثلثين لحماة , لاخماد ثورتها , فاعترض الجنرال غاملان لاعتقاده بعدم استطاعة الثلث الصمود أمام قوى الدروز في الجبل وألح بضرورة سوق جميع القوى إلى دمشق وحماة , فنزل ساراي على رأي زميله , وأخلى الجبل من الجند , وأبقى حامية قوية في ازرع . ولقد اعترف رون دوكيه في أحد تقاريره أنه ” لولا ثورة حماة التي قام بها أحد الضباط السوريين ….لقضي على ثورة الجبل بدخول الجنرال غاملان السويداء , لكن ثورة حماة اضطرتنا لسحب قواتنا من الجبل وسوقها إلى سورية ” يقصد سورية الوسط والشمال” , التي عمت الثورة أرجاءها , وجعلتنا نشعر أننا نسكن في بلد معاد ” يتابع القاوقجي : ” وكان من أهم نتائج ثورة حماة حقا إنقاذ الجبل , وفتح أبواب الغوطة واقليم البلان والقلمون وسائر الميادين أمام الثوار , وهكذا تحولت الثورة الدرزية الموضعية إلى ثورة سورية شاملة دامت مايقرب سنتين .” انتهى الاقتباس .- مذكرات القاوقجي – ص 117

ملاحظة : يشير فوزي القاوقجي إلى أن القوات الفرنسية لم تنسحب كلية من الجنوب , بل أبقت على قوة كبيرة في إزرع بالقرب من السويداء , فالمسألة ليست مسألة انسحاب استراتيجي ولكن إعادة توزيع للقوات أوقف التقدم نحو السويداء ومنع سقوطها بيد القوات الفرنسية وسمح للثوار بالتقاط الأنفاس وتنظيم صفوفهم ثانية في السويداء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى