سوريا بين التهدئة والردع

  زياد أحمد المنجد

تصريح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، خلال زيارته الأخيرة إلى باكستان، بأن دمشق تدرس الانضمام إلى “اتفاق مكة للدفاع المشترك” وأنها ستتخذ قرارها في وقت لاحق، لم يكن تصريحاً عادياً، خصوصاً أن الاتفاق الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان يقوم على مبدأ أن الهجوم المسلح على أي دولة من الدول الأعضاء يُعد هجوماً على الدول الأخرى.

ومن هنا تبرز أهمية سوريا تحديداً. فدمشق لا تواجه في المرحلة الحالية مجرد تحديات سياسية وأمنية داخلية، وإنما تتعرض أيضاً لاعتداءات إسرائيلية متكررة على أراضيها. وكان آخرها استهداف قاعدة أبو الظهور في 18 آب، في تصعيد أثار توتراً كبيراً بين إسرائيل وسوريا وتركيا. فماذا يعني انضمام سوريا إلى اتفاق مكة إذا حدث؟

يعني، من الناحية السياسية والاستراتيجية، أن أي اعتداء مسلح على سورية لن يبقى بالضرورة قضية سورية ـ إسرائيلية ثنائية، وإنما يمكن أن يتحول إلى قضية تخص الدول الأعضاء في منظومة الدفاع الجماعي. وهنا تترتب على العضوية التزامات تجاه سورية. فالسعودية وتركيا وباكستان ستكون أمام مسؤولية دعم الدولة السورية في مواجهة أي عدوان يستهدفها، وفق أحكام الاتفاق وترتيبات العضوية وآليات اتخاذ القرار. وقد يتخذ هذا الدعم أشكالاً سياسية ودبلوماسية وأمنية وعسكرية، بحسب طبيعة الاعتداء والظروف التي يقع فيها.

لكن من المهم عدم المبالغة: الاتفاق، بصيغته المعلنة حتى الآن، لا يعني أن جيوش الدول الثلاث ستدخل الحرب تلقائياً بمجرد سقوط صاروخ إسرائيلي على الأراضي السورية. فالتفاصيل المتعلقة بآلية الرد وحجمه وكيفية اتخاذ القرار ليست واضحة بما يكفي للقول إن هناك “مادة خامسة” مطابقة تماماً لحلف شمال الأطلسي. ومع ذلك، فإن مجرد وجود هذا الالتزام الجماعي يمكن أن يغير حسابات الردع.

فإسرائيل عندما تدرس تنفيذ ضربة ضد سوريا، لن تنظر فقط إلى قدرة دمشق على الرد، وإنما ستضع في حساباتها احتمال اتساع الأزمة ودخول دول إقليمية ذات وزن عسكري وسياسي كبير على خطها، وفي مقدمتها تركيا وباكستان والسعودية.

لكن المفارقة اللافتة أن دمشق تتحرك في الوقت نفسه على مسار آخر: مسار التهدئة مع إسرائيل. فبعد التصعيد الأخير، جرت في الأردن محادثات سورية ـ إسرائيلية بوساطة أميركية، شارك فيها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووفد إسرائيلي برئاسة رئيس الموساد رومان غوفمان، بهدف احتواء التوتر ومنع انتقاله إلى مواجهة أوسع، والعودة إلى المفاوضات الأمنية بين الجانبين.

وهنا يمكن قراءة السياسة السورية على أنها تسير في اتجاهين متوازيين: التفاوض لمنع الحرب، وبناء القدرة على الردع إذا فشلت التهدئة. وهذا ليس تناقضاً بالضرورة. فالدبلوماسية تكون أكثر فاعلية عندما تستند إلى قوة تمنع الطرف الآخر من الاعتقاد بأن بإمكانه فرض شروطه بالقوة.

إذا انضمت سوريا إلى اتفاق مكة، فإن القيمة الأهم قد لا تكون في خوض حرب جديدة، وإنما في منع اندلاعها أصلاً. فالردع الناجح هو الذي يجعل الخصم يعيد حساباته قبل أن يضغط على الزناد. وبالنسبة إلى سوريا، التي تحتاج إلى الاستقرار لإعادة بناء جيشها واقتصادها وإعمار ما دمرته الحرب، فإن الحصول على مظلة إقليمية للدفاع قد يمنحها مساحة أكبر للمناورة السياسية، ويجعل أي اعتداء عليها أكثر تكلفة على الطرف الذي يفكر فيه.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل ستنضم سوريا إلى اتفاق مكة؟ بل السؤال الأهم هو: هل تستطيع دمشق أن تجمع بين التهدئة مع إسرائيل وبناء قوة ردع إقليمية، بحيث يصبح السلام خياراً تفاوضياً، وليس نتيجة للخوف من الحرب؟ إذا نجحت في ذلك، فقد تكون سوريا أمام معادلة جديدة: لا تبحث عن الحرب، لكنها تجعل الاعتداء عليها أكثر تكلفة.

المصدر: صحيفة الثورة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى